بث تجريبي

إلهامي المليجي يكتب: لويس عوض.. لماذا ما زلنا نخشى شروط الحداثة؟

ليست قيمة الندوات الثقافية في أنها تعيد الراحلين إلى موائد الأحياء، وإنما في قدرتها على استدعاء أفكارهم إلى الحاضر، ومساءلة هذا الحاضر عما فعل بأحلامهم ومعاركهم. ومن هذه الزاوية، لم يكن الحوار المفتوح حول المشروع الفكري الحداثي للدكتور لويس عوض مجرد احتفاء بمفكر كبير رحل قبل أكثر من ثلاثة عقود، بل مناسبة لإعادة طرح السؤال الذي شغل حياته: لماذا تعثرت النهضة المصرية، ولماذا لا تزال معارك العقل والحرية والتحديث مفتوحة حتى اليوم؟

مساء الاثنين 7 سبتمبر 2026، لبّيت دعوة كريمة من الصديق الأستاذ فريد زهران، نيابةً عن «صالون سعد زهران لتجديد الفكر السياسي المصري»، لحضور الحوار الذي استضافته «مكتبة البلد»، وأداره الكاتب والمترجم مارك مجدي، بمشاركة نخبة من الكتاب والمثقفين والباحثين والسياسيين.

قدّم الكاتب والناقد إيهاب الملاح، المشرف العام على النشر والمحتوى بمؤسسة دار المعارف، عرضًا للمشروع الفكري والثقافي للويس عوض، متوقفًا بصورة خاصة أمام كتابه الموسوعي «تاريخ الفكر المصري الحديث». وأعقبه الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق، الذي استعاد المناخ السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تفتح فيه وعي لويس عوض، وأثر تلك المرحلة الحافلة بالتحولات في تكوينه الفكري والسياسي.

أما المهندس ممدوح فوزي حبشي، فقد فتح نافذة أكثر حميمية على شخصية لويس عوض، مستفيدًا من صلة القرابة التي أتاحت له الاقتراب منه في مرحلة من حياته، فكشف بعض كواليس علاقاته الإنسانية ومعاركه الفكرية والسياسية. ثم اتسع الحوار بمداخلات الدكتور جمال عبد الجواد والدكتور جمال مغيث وعدد من الحضور.

وعلى الرغم من تباين الرؤى، والاختلاف حول بعض أطروحات لويس عوض واختياراته، فإن ما يشبه الإجماع انعقد على أن الرجل يمثل ظاهرة استثنائية في تاريخ الثقافة المصرية الحديثة، وعلامة بارزة على طريق تجديد الفكر والخطاب السياسي المصري.

الحداثة ليست تحديثًا للمظاهر

يصعب اختزال لويس عوض في كتاب أو معركة أو موقف سياسي. فهو الناقد والمفكر والمؤرخ والمترجم والشاعر والكاتب الصحفي والأستاذ الجامعي، وهو أيضًا ابن مرحلة شهدت صعود الحركة الوطنية، وتبلور دور الجامعة المصرية، واحتدام الجدل بين الليبرالية والاشتراكية، وبين دعاة التجديد والمدافعين عن الموروث، وبين النزعة المصرية والانتماء العربي. غير أن الخيط الذي يصل بين هذه المسارات جميعًا هو إيمانه بأن النهضة لا تتحقق من دون تحرير العقل والإنسان.

لم تكن الحداثة عنده مجرد استيراد للآلة أو استعارة للمصطلحات والمظاهر الغربية، وإن ظل الغرب حاضرًا بقوة في تكوينه ورؤيته؛ بل كانت موقفًا من العالم يقوم على أولوية العقل، وحرية البحث، وإخضاع الموروث للنقد، وربط المعرفة بحياة الناس وحركة المجتمع.

ومن الضروري هنا التمييز بين التحديث والحداثة. فقد تستطيع دولة أن تحدّث طرقها ومدنها وأدواتها التقنية، وأن تمتلك أحدث وسائل الاتصال والإنتاج، بينما يبقى عقلها السياسي والاجتماعي محكومًا بالوصاية والخوف من السؤال. 

التحديث يمكن أن يتعايش مع الاستبداد، أما الحداثة الحقيقية فلا تكتمل من دون الحرية والمواطنة وحكم القانون واستقلال الجامعة وحق الإنسان في التفكير والاختلاف.. هذه، في تقديري، واحدة من أهم الرسائل الباقية في مشروع لويس عوض.

لقد تعامل مع التراث باعتباره خبرة تاريخية صنعها البشر في ظروف معينة، لا كتلة مغلقة يتعين قبولها كاملة أو رفضها كاملة. وكان يريد نقله من منطقة التحريم إلى مائدة البحث، ومن سلطة الماضي على الحاضر إلى حوار نقدي بين الأزمنة.

وقد أصاب في مواضع وأخطأ في أخرى، لكنه لم يتخلَّ عن حقه، وحق المجتمع، في الاقتراب من المناطق التي يخشى الآخرون الاقتراب منها.

تاريخ الأفكار من داخل المجتمع

توقف إيهاب الملاح، عن حق، أمام كتاب تاريخ الفكر المصري الحديث، فهو ليس مجرد سرد لأسماء المفكرين والتيارات، وإنما محاولة للكشف عن الصلة بين الأفكار والتحولات الاجتماعية والسياسية التي أنتجتها.

لم يكتب لويس عوض تاريخ الحكام وحدهم، بل كتب تاريخ الأسئلة التي أسهمت في صناعة مصر الحديثة؛ فتتبع تشكّل الفكرة القومية والفكرة الديمقراطية، ومحاولات بناء الدولة الحديثة، وظهور الوزارة والدستور والبرلمان، وتطور مشروع الاستقلال الوطني، فضلًا عن أدوار شخصيات مثل عبد الرحمن الجبرتي ورفاعة الطهطاوي وغيرهما من بناة الوعي المصري.

واللافت أنه لم يبدأ تاريخ اليقظة المصرية من الحملة الفرنسية وحدها، وكأن مصر كانت أرضًا ساكنة أيقظتها مدافع نابليون، وإنما بحث عما سبقها من انتفاضات وتحولات ومقاومات داخل المجتمع المصري. فالاحتكاك بالغرب كان عاملًا مهمًا، لكنه لم يخلق مصر من العدم، ولم يصنع وحده بذور الوعي الوطني والديمقراطي.

وتكمن أهمية الكتاب أيضًا في أنه لا يفصل تاريخ الفكر عن تاريخ الصراع على السلطة والثروة والعدالة. فالأفكار عند لويس عوض لا تنبت في الفراغ، والأدب ليس زينة معلقة خارج المجتمع، بل تعبير عن تناقضاته وتحولاته وأشواقه.

ومن هنا كان انتقاله بين النقد الأدبي والتاريخ والفكر السياسي انتقالًا طبيعيًا؛ لأن الثقافة لديه لم تكن جزيرة منفصلة عن الحياة. وحتى مغامرته الشعرية المبكرة في «بلوتولاند» لم تكن مجرد بحث عن شكل جديد للقصيدة، بل تمردًا على سلطة القوالب الجاهزة. وكذلك كانت دراساته في الآداب المقارنة وترجماته وقراءاته في التراث الأوروبي محاولات لفتح نوافذ الثقافة المصرية على العالم، وإخراجها من وهم الاكتفاء بالذات.

ولم يفصل لويس عوض، في جوهر مشروعه، بين الحرية والعدالة الاجتماعية؛ إذ أدرك أن العدالة التي تصادر الحرية تتحول إلى وصاية، مثلما تتحول الحرية التي تتجاهل الفقر والتفاوت إلى امتياز تتمتع به قلة من الناس.

ومن هنا تحديدًا تتصل تجربته بتجديد الفكر السياسي؛ فالسياسة ليست صراعًا على السلطة وحدها، بل تصورًا للإنسان والمواطنة والتعليم والثقافة، وللعلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الحرية والعدالة.

مفكر كبير لا أيقونة مقدسة

غير أن تقدير مشروع لويس عوض لا ينبغي أن يقودنا إلى تحويله هو نفسه إلى تراث مقدس. فالحداثة التي دعا إليها تمنحنا الحق في إخضاع أفكاره للنقد بالطريقة ذاتها التي أخضع بها أفكار الآخرين للمساءلة.

كانت في بعض كتاباته أحكام حادة وتعميمات تحتاج إلى المراجعة، كما بقيت رؤيته الحداثية متأثرة بتكوين وضع أوروبا أحيانًا في مركز التاريخ الإنساني. وأثارت فرضياته في «مقدمة في فقه اللغة العربية» اعتراضات علمية وفكرية واسعة، ولم تكن جميع استنتاجاته قابلة للصمود أمام البحث المتخصص.

كذلك ظلت رؤيته للهوية المصرية وعلاقتها بمحيطها العربي والإسلامي والمتوسطي موضع جدل مشروع. فمصر، في تصوري، لا تحتاج إلى الاختيار بين دوائر انتمائها، ولا إلى بتر بعضها لمصلحة البعض الآخر؛ إذ يأتي ثراء هويتها من تعدد روافدها وتفاعلها التاريخي.

لكن القيمة الأساسية للويس عوض لا تكمن في أنه كان مصيبًا دائمًا؛ فلا يوجد مفكر يستحق هذا الادعاء. قيمته أنه امتلك شجاعة الاقتراب من المناطق المحرمة، ودفع بأسئلته إلى المجال العام، وقَبِل أن تصبح أفكاره بدورها موضوعًا للاختلاف والرفض والنقد.

ولعل أسوأ ما يمكن أن نفعله بمفكر حداثي هو أن نحوله إلى أيقونة لا يجوز الاقتراب منها. فتكريم لويس عوض لا يكون بترديد مقولاته أو الدفاع عن كل اجتهاداته، وإنما بممارسة ما دعا إليه: البحث والمراجعة والشك في الإجابات المطمئنة.

لماذا يبدو لويس عوض معاصرًا لنا؟

السؤال الحقيقي ليس: ماذا قال لويس عوض قبل عشرات السنين؟ بل: لماذا تبدو القضايا التي خاض من أجلها معاركه حاضرة معنا إلى هذا الحد؟

ما زلنا نختلف حول حرية التفكير وحدود الإبداع، وعلاقة الدين بالدولة، وموقع العلم في المجتمع، واستقلال الجامعة، وتجديد اللغة، وحدود نقد التراث، ومعنى الهوية المصرية، وعلاقة المثقف بالسلطة.

بل إن المجال العام أصبح في بعض جوانبه أكثر قسوة. فالوصاية لم تعد تأتي من السلطة السياسية أو المؤسسة الدينية وحدهما، وإنما تأتي أيضًا من السوق، ومن الجماعات الأيديولوجية المغلقة، ومن الجماهير الرقمية التي تطارد الرأي المختلف بالتخوين أو التكفير أو الاغتيال المعنوي.

الجميع تقريبًا يتحدث عن ضرورة تجديد الخطاب الديني والسياسي والثقافي، لكن كثيرين يريدون تجديدًا لا يمس مسلماتهم، ونقدًا يتوقف عند أبوابهم، وعقلًا يعمل داخل الحدود التي يرسمونها له. وهنا تكمن المفارقة: نطالب بنتائج الحداثة، بينما نخشى شروطها؛ نريد العلم من دون حرية البحث، والإبداع من دون حرية الخيال، والسياسة الحديثة من دون التعددية والمساءلة.

إن استعادة لويس عوض لا تعني البحث عن وصفة جاهزة لمشكلاتنا، ولا استدعاء الرجل للانضمام إلى معسكر من معسكرات الحاضر. لقد كان ابن زمانه، وحملت أفكاره عظمة ذلك الزمان وتناقضاته معًا. لكن استعادته تعني الدفاع عن حق المجتمع في إنتاج مفكرين يملكون استقلاله وشجاعته، ويطرحون أسئلة عصرهم من دون خوف من سلطة أو جماعة أو جمهور غاضب.

خرجت من حوار «صالون سعد زهران» بقناعة مؤداها أن المشروع الحداثي للويس عوض لم يفقد راهنيته، لا لأنه قدم إجابات نهائية، بل لأن القضايا التي طرحها لم تجد بعد إجاباتها الكاملة. فالحداثة ليست محطة تصل إليها الأمم مرة واحدة ثم تطمئن إلى أنها أصبحت حديثة؛ إنها عملية متصلة لتحرير العقل، وصون الحرية، وتحقيق العدل، وحماية كرامة الإنسان.

وربما لا تكون المشكلة في أن لويس عوض غاب، بل في أن المساحات القادرة على إنجاب أمثاله تضيق. ومن هنا يبدأ التجديد الحقيقي للفكر السياسي المصري: من بناء المجال الذي يسمح للمفكر بأن يسأل ويختلف ويخطئ ويراجع أفكاره، من دون أن يتحول اختلافه إلى جريمة.

ويبقى السؤال: هل نريد حقًا تجديد الفكر، أم نريد فقط تغيير مفرداته مع إبقاء المحرمات القديمة على حالها؟

المصدر: موقع فيتو

قد يهمك