يُشكل ارتفاع نسبة أصوات حزب "البديل من أجل ألمانيا" AfD في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية في أيلول/سبتمبر 2026 من 20% إلى 44.8% النتيجة السياسية للتدمير البنيوي الذي أحدثته الأزمة العالمية لعام 2008 في أوروبا. تدرس هذه المقالة الدورة التي اتبعها نمط التراكم الرأسمالي في أزمات 1929 و1973 و2008، وتدافع عن أطروحة مفادها أن الانسداد البنيوي للنظام يؤدي إلى تسليم السلطة للأحزاب الفاشية والشوفينية والعنصرية.
أحمد حسن
لقد تجاوزت ولاية ساكسونيا-أنهالت الألمانية عتبة تاريخية في انتخابات أيلول/سبتمبر 2026. فقد ضاعف حزب AfD أصواته بأكثر من الضعف خلال عام واحد ليصل إلى 44.8%. ولأول مرة منذ عام 1933 يقف اليمين المتطرف على أعتاب المشاركة في السلطة في ألمانيا. أما في فرنسا فتقود لوبان، وفي إيطاليا ميلوني، وفي هولندا فيلدرز تشكيلات سياسية مماثلة أصبحت هي المحدد المباشر لعمل السلطة التنفيذية.
إن تفسير هذا الصعود لا يجب البحث عنه في حسابات الانتخابات، بل في علاقات الإنتاج. لقد عمل نمط التراكم الرأسمالي لمدة 100 عام وفق دورة ثلاثية: التوسع، الأزمة، والحل الاستبدادي للأزمة. وعندما يتعرض النظام لانسداد بنيوي، فإنه من أجل الحفاظ على شرعيته يقوم بتسليم السلطة إلى الفاعلين السياسيين الأكثر رجعية وتزمتاً وعنصرية وشوفينية. ونتيجة هذا التسليم هي الفوضى المجتمعية والتوتر الدولي وأزمة جديدة.
أولاً: كساد 1929 وصعود الفاشية إلى السلطة.
يُعد كساد 1929 أول أزمة بنيوية كبرى للرأسمالية الليبرالية. وقد نتجت الأزمة عن الإفراط في الإنتاج والتمويل وعدم المساواة في توزيع الدخل، وانتهت بالبطالة الجماعية وعدم دفع الأجور وتبخر المدخرات. لقد انهار "العقد الاجتماعي بين العمل والرفاه".
وفي ظل هذه الظروف برز سؤالان أساسيان بين الطبقات الحاكمة والجماهير:
1. ما هو سبب الفقر؟
2. من المسؤول عنه؟
ربطت السياسة اليسارية الأزمة بالتناقضات الداخلية للنظام واقترحت إصلاحاً بنيوياً. أما السياسة اليمينية فقد أسقطت الأزمة إلى الخارج وفسّرتها من خلال "الآخر". فقامت النازية في ألمانيا ببناء معاهدة فرساي واليهود والغجر كمسؤولين عن الأزمة. وفي إيطاليا بنى الفاشيون "الديمقراطية الضعيفة" والحركة الشيوعية كسبب للأزمة.
إن ميل الجماهير في أوقات الأزمات إلى التوجه نحو شخصية عدو ملموس بدلاً من برامج الإصلاح المعقدة شكّل الأرضية الاجتماعية لتعبئة الحركات الفاشية جماهيرياً. وفي عام 1933 ومع دعم رأس المال الصناعي للنازية باعتبارها "تأميناً ضد الشيوعية" تم تسليم السلطة للفاشية. وكانت نتيجة ذلك حرب عالمية خلال 10 سنوات أودت بحياة 70 مليون شخص.
لقد خلصت تجربة 1929 إلى النتيجة التالية: الأزمة الاقتصادية تفرض الفاشية، والفاشية تفرض الحرب.
ثانياً: أزمة 1973 وتصفية الدولة الكينزية.
تميزت الفترة ما بين 1945-1973 بـ "الرأسمالية المندمجة مع الدولة"، أي نموذج دولة الرفاه الكينزية. في هذا النموذج كانت الدولة فاعلاً منتجاً وتنظيمياً وإعادة توزيعية تدير تراكم رأس المال والشرعية المجتمعية معاً.
لقد صفت أزمة النفط عام 1973 هذا النموذج. ولأول مرة في الاقتصاد العالمي ظهرت ظاهرة "الركود التضخمي" حيث ارتفع التضخم والبطالة في نفس الوقت. وأدت العجوزات في الميزانية ومؤسسات القطاع العام غير الفعالة وتضخم الإنفاق العام إلى تعريف الدولة نفسها على أنها مصدر الأزمة.
ومع هذا الانكسار الأيديولوجي تم التخلي عن نموذج "الدولة تحل المشكلة" وحل محله نموذج "السوق الحرة". وتحولت النظريات النقدية لميلتون فريدمان ووصفات مدرسة شيكاغو إلى سياسة دولة مع حكومتي تاتشر وريغان. وتمت العملية على ثلاثة محاور أساسية:
1. الخصخصة: تصفية مؤسسات القطاع العام
إلغاء القيود: تقييد رقابة الدولة على السوق وتحرير حركة رأس المال والمال
2. تصفية النقابات: تفكيك التوافق المؤسسي بين العمل ورأس المال
لقد وضع هذا التحول نموذج الدولة القومية موضع تساؤل وأنهى النموذج الكينزي. وتحولت الدولة من كونها منتجة إلى "دولة دنيا" أي "دولة حكم".
تم تقديم النيوليبرالية كوصفة للخروج من أزمة 1973، لكنها أنقذت معدلات الربح بينما عمّقت الاستقطاب المجتمعي. وأدى عولمة الإنتاج وقمع الأجور لمدة 30 عاماً إلى تفكك الطبقات الوسطى. وبالتالي لم تستطع أزمة 1973 إلا أن تؤجل أزمة جديدة.
ثالثاً: أزمة 2008 وعلى عتبة الحرب العالمية الثالث
تُعد أزمة الرهن العقاري لعام 2008 إفلاساً بنيوياً للنظام النيوليبرالي الذي تأسس عام 1973. لقد أنتج النموذج القائم على الثالوث: التمويل وإلغاء القيود والعولمة فقاعات مضاربة منفصلة عن الإنتاج.
استمرت سياسات التقشف التي طبقت بعد الأزمة 10 سنوات. فوصلت بطالة الشباب في اليونان إلى 50%، وهبطت النفقات العامة في جنوب أوروبا إلى أدنى مستوياتها التاريخية. وتآكلت ضمانات التقاعد في ألمانيا والعمالة الصناعية في الولايات المتحدة.
وفي مواجهة هذه الصورة طرحت السياسة نفس السؤالين مرة أخرى. اقترح المركز النيوليبرالي حلولاً تقنية مثل "الرقابة والضرائب". أما اليمين المتطرف فقد فسر الأزمة في مثلث "المهاجرين والنخب وبيروقراطية بروكسل" وقدم وعداً بإغلاق الحدود وحماية الاقتصاد القومي. وفي لحظة الأزمة، كان الثاني أسرع وأكثر وضوحاً، وهذا يفسر تعبئة الشعبوية اليمينية جماهيرياً.
إن نسبة 44.8% من الأصوات التي توجهت إلى AfD في ساكسونيا-أنهالت هي المؤشر الأكثر وضوحاً على هذا التوجه السياسي. لقد قام AfD بتحويل الاستياء المتراكم لمدة 18 عاماً من خلال تحميل فاتورة الأزمة "للمهاجرين وحزب الخضر".
نشهد هنا تكراراً لديناميكية 1929: عندما يصبح خطاب العدو الداخلي غير كاف، يبدأ إنتاج العدو الخارجي. إن الحروب التجارية وأوكرانيا وغزة هي الجبهات الساخنة للأزمة البنيوية التي بدأت عام 2008. ولهذا السبب نعرّف الفترة التي تلت 2008 بأنها "الحرب العالمية الثالثة". وهي لا تزال غير شاملة لكنها تسير من خلال حروب الوكالة والعقوبات والصراعات الهجينة.
الخاتمة: الفاشية في لحظة الأزمة هي تأمين النظام
لا يستطيع نظام التراكم الرأسمالي القيام بثلاث وظائف في نفس الوقت أثناء الأزمة: توزيع الرفاه، وتقديم وعد بالمستقبل، وتوفير الثقة المجتمعية. وفي ظل فراغ الشرعية هذا تواجه المجتمعات خيارين: إما تغيير علاقات الإنتاج، أو تعريف المسؤول عن الأزمة بأنه "الآخر". وتُظهر التجربة التاريخية أن الثاني هو الأسهل في التوطيد.
والوضع هو نفسه بالنسبة للطبقات الحاكمة. تفرض الأزمة وجود جهاز استبدادي لقمع حركة العمل والمقاومة النقابية والمعارضة المجتمعية. ففي عام 1933 دعم رأس المال الصناعي الألماني هتلر، وفي عام 2024 دعم رأس المال التكنولوجي الأمريكي ترامب، وفي عام 2026 يدعم رأس المال الألماني AfD بهذه الوظيفة.
في هذا السياق، الفاشية ليست عطلاً في الرأسمالية، بل هي تأمين بنيوي لها. تدخل حيز التنفيذ عندما يحترق النظام وتؤجل الانهيار. ولكن كل أزمة يتم تأجيلها تضاعف كلفة الأزمة التالية.
إن أزمات 1929 و1973 و2008 تؤكد هذه الدورة. والسؤال الحاسم هو: هل سيتم كسر هذه الدورة؟ أم أنه بعد الحرب العالمية الثالثة سيولد يمين متطرف جديد من رمادها؟
يعلمنا المنهج المادي التاريخي: المجتمعات التي تحل الأزمة من خلال "الآخر" وليس من خلال "الحق"، ستدفع ثمن الأزمة التالية في ساحة المعركة.
أصداء المرأة