بث تجريبي

بدون إحراج.. سيد أبو اليزيد يكتب: شراكة استراتيجية شاملة بين مصر والصين ومنصة متكاملة للإنتاج والتصدير

كشفت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للقاهرة الأسبوع الماضي عن حقيقة هامة تتعلق بحرص الدبلوماسية المصرية على تحقيق التوازن الاستراتيجي بين البلدين الصديقين، وتتطابق وجهات النظر فيما يتعلق بالملفات الإقليمية الشائكة، وخاصة القضية الفلسطينية وصراعات الشرق الأوسط والأمن المائي لمصر وتنسيق المواقف بينهما بشأن هذه القضايا لمنع التصعيد والوصول لتحقيق سلام دائم بالمنطقة.

وإذا كانت الصين لديها مصالح متنوعة مع الشرق الأوسط وأفريقيا، تظل مصر محورًا أساسيًا في قلبهما، ولذلك من المتصور إدراك أن الصين، وهي أكبر مستورد لموارد النفط والطاقة من الشرق الأوسط، كما أنها الشريك التجاري الأول لمعظم دول المنطقة والقارة السمراء، مما يدفعها للحاجة لأن تكون قريبة من ساحات العمل الذي يرتبط بمصالحها دون التورط في الصراعات والنزاعات، ومن هنا نجد مواقف بكين دائمًا داعمة للتحركات المصرية التي تستهدف وقف التصعيد الإقليمي والبحث عن حلول سياسية وفتح قنوات دبلوماسية لإنهاء الصراعات واحتواء الأزمات.

ومثل هذا الموقف من الدعم الصيني، سواء السياسي أو الدبلوماسي لمصر، يمثل في حقيقته أيضًا مصلحة مباشرة للجانب الصيني، حيث إن اختناق ممرات الملاحة الدولية وتضرر سلاسل الإمداد والتوريد يشكل مساسًا مباشرًا للمصالح الصينية، حيث إنه يرفع تكلفة الإنتاج والتصدير ويزيد من مخاطر عمليات النقل والشحن، وهو ما يهدد مصالح الصين التي باتت بالفعل مصنع العالم، وربما تستهدفها قوة دولية لتعطيل مصانعها!!

سيد أبو اليزيد

ومصر تمتلك ما تحتاج إليه الصين بفضل ما تمتلكه من موقع جغرافي يتوسط العالم وقناة السويس والموانئ والأسواق والامتداد العربي الأفريقي، والصين تملك ما تحتاج إليه مصر من استثمارات لبناء صناعات مصرية وإحلال الواردات وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا، ومن هنا تتحول العلاقة من تجارة بين طرفين إلى شراكة تصنع قوة اقتصادية مشتركة، لذلك جاء الاختيار الحقيقي للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس للاستفادة من موقعها الجغرافي لتصبح قاعدة للإنتاج وليست مجرد ممر للسلع.

وينبغي إدراك أنه عندما اختارت مصر إقامة علاقات مع الصين منذ 7 عقود من الزمان، كانت تؤكد دومًا أن قرارها الوطني ليس رهينة لمعسكر دولي واحد، خاصة بعد أن تغير النظام الدولي وصعدت الصين لمكانة موقع القوة الاقتصادية والتكنولوجية الكبرى، ولذلك أصبحت العلاقات بالغة الأهمية، خاصة إذا تحولت من مجرد تنويع مصادر الاستيراد أو التمويل إلى توسيع قدرة مصر على الإنتاج والمنافسة والتصدير.

ومصر التي تستورد احتياجاتها من أسواق عدة وتصدر منتجاتها لوجهات مختلفة وتحتاج إلى التمويل والتكنولوجيا والاستثمار والسياحة والطاقة، يصعب عليها أن تدير سياستها الخارجية بمنطق المعسكر الواحد مهما كانت مساحات التقارب، كما أنه ليست القيمة السياسية لتعدد الشركاء في جمع أكبر عدد من العلاقات الجيدة، وإنما في منع أي علاقة منفردة من أن تصبح الخيار الوحيد، فالطرف الذي يعرف أن أمامك بدائل يتفاوض معك بصورة مختلفة عن طرف يدرك أنك لا تملك مكانًا آخر تذهب إليه، وهذه قاعدة في الاقتصاد بقدر ما هي قاعدة في السياسة.

وينبغي إدراك أن الصين تأتي لتضيف للخريطة قوة دولية كبرى لها أدواتها وفرصها ومصالحها الخاصة، وهذه العلاقات لا تصلح لأن توضع في صف واحد ثم يطلب من القاهرة اختيار إحداها، فأمريكا ليست بديلًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، وأوروبا تمتلك خصوصية نابعة من القرب الجغرافي وتشارك التجارة والطاقة والاستثمار، فيما توفر الدائرة العربية لمصر نوعًا من الروابط لا تستطيع قوة دولية بعيدة أن تحل محله.

والاقتصاد المصري مرتبط في الوقت نفسه بعلاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي وأمريكا، وهذه العلاقات ليست بقايا مرحلة سابقة تنتظر أن تحل بكين محلها، بل تقوم على مصالح يصعب تعويضها بشريك واحد مهما بلغ حجمه، حيث تظهر أوروبا في مقدمة هذه المصالح بحكم التجارة والاستثمار والقرب الجغرافي.

ومن المعروف أن زيارة الرئيس الصيني لأي دولة تكون محسوبة بعناية، وأن تكرار الزيارات يعكس تقديرًا خاصًا للعلاقات مع مصر، رغم أنها جاءت في ظروف بالغة الصعوبة في منطقة الشرق الأوسط التي تمثل منطقة اهتمام كبير بالنسبة للصينيين.

ومن المعلوم أن تطورات الصراع في المنطقة وما ترتب عليها من تداعيات على حركة الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد، والتي تمثل مصدر قلق بالنسبة لبكين، خاصة وأن الصين تستورد كميات كبيرة من النفط ولها مصالح تجارية واقتصادية واسعة في المنطقة.

وينبغي إدراك أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس ينعكس أيضًا على حركة التجارة الصينية في ظل أهمية المنطقة بالنسبة لسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

والزيارة عكست مدى التحول الاستراتيجي الشامل في العلاقات بين مصر والصين على نحو ما أكده البيان المشترك الصادر عقب مباحثات الزعيمين المصري والصيني، خاصة اتفاق الجانبين على المواءمة بين رؤية مصر 2030 ومبادرة الحزام والطريق، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي بين قارات العالم القديم.

ولكن من الأهمية الإشارة إلى أن الزيارة تزامنت تحديدًا مع استمرار فعاليات المناورة الجوية المشتركة «نسور الحضارة 2026»، التي تشارك فيها عناصر من القوات الجوية المصرية والصينية، في مؤشر لافت على أن العلاقة بين القاهرة وبكين لم تعد تقتصر على أطر التبادل التجاري والاستثماري، بل باتت تمتد لمستوى الشراكة الأمنية والدفاعية.

أعتقد أن أبرز المكاسب التي حققتها مصر من الزيارة الناجحة للرئيس الصيني تتمثل في جذب استثمارات صناعية جديدة بقطاعات الطاقة الجديدة والمتجددة والصناعات المغذية والإلكترونيات، مما يسهم مستقبلًا في زيادة الصادرات لتوفير العملة الأجنبية، فضلًا عن الاستفادة من الإعفاء الجمركي الصيني على المنتجات الأفريقية، بالإضافة إلى تطوير محور قناة السويس ومنطقة «تيدا» إلى منصة إنتاج وتصدير متكاملة وليس فقط منطقة صناعية.

قد يهمك