بث تجريبي

نسرين معتوق تكتب: قراءة نقدية في النسيج السردي لرواية "حرقة قلب" للكاتبة د. صونيا الأشقر

هناك أعمال أدبية حين نغلق صفحاتها الأخيرة، لا تُطوى أبداً حكاياتها في أذهاننا، بل تظل تتردد كلحن عذب دافئ يمس سويداء الروح.

ورواية «حرقة قلب» للدكتورة صونيا الأشقر هي واحدة من تلك النصوص التي تشعر بها وهي تتسلل برقة إلى أوتار القلب، لتبحث عن تلك المساحات الخفية والخاصة جداً في وجداننا جميعاً.

إنها ليست مجرد قصة اجتماعية عن الفقد أو الحب أو تصاريف القدر، بل هي رحلة عميقة في حنايا النفس البشرية حين تُتعبها الأسرار المخبوءة، وتثقل كاهلها الخيبات المتراكمة، ولكن، وبالرغم من كل شيء، تظل تطرق أبواب الأمل، باحثة عن طوق نجاة أو شاطئ أمان وسط أمواج الحياة المتلاطمة.

أولاً: غلاف الرواية ودلالة العنوان:

هنا يبدأ الإبداع من غلاف العمل وعنوانه الصريح "حرقة قلب"، وهو اختيار ستكتشف أنه لم يكن لمجرد الإثارة العاطفية، بل إنه يُشكل النواة الصلبة التي تنبثق منها كافة الصراعات النفسية والإنسانية والتي يحملها النص.

فالكاتبة تعلن - ومن البداية - أن الألم ليس وليد لحظة طارئة، ينتهي بمجرد انقضاء الموقف، بل هو حالة شعورية ترافق الشخصيات في رحلتهم بين الماضي البارد والحاضر القلق.

وجع قديم متكتل تعيش به شخصيات الرواية حياتهم اليومية بنوع من السكينة الزائفة، حتى تأتي التفاصيل الصغيرة - أو قد تكون البسيطة أو حتى الدافئة - لتوقظه فجأة من مرقده.

ثانياً: الرمزية وتناغمها مع المكان في السرد:

فرائحة الزعتر البلدي في الرواية تفوح فجأة في الممر، فتوقظ خاطرة قديمة. ولون أشعة الشمس الغاربة عندما تتسلل من شباك أخضر قديم، يذكرنا بما ظننا بأنه قد مضى.

ونظرة عابرة في عين شخص غريب تفتح أبواب جرح قديم، فإذا بهذا الجرح ينبض بالألم مرة أخرى، ولربما بالحنين من جديد.

ثم القطط والألفة المفقودة: فمن الصعب جداً على أي قارئ أن يمر بشخصية العم سعيد دون أن يرتعش قلبه عطفاً وحناناً. هذا الشيخ المسن الذي تحيط به القطط من كل جانب، وتتَبعه كأنها جيش حارس حنون يحميه من قسوة وحدته وشيخوخته، هذه الصورة تحديداً تأخذنا إلى أعماق الإنسانية، ولكن لنشهد معها تجسيد الألم بجحود البشر وتخليهم، وكيف يمكن لهذه الكائنات الصغيرة البسيطة أن تتحول إلى الملاذ الأخير لقلب أهمله الأبناء وقسى عليه أقرب الناس.

إنها مرآة تعكس حالة الغربة الداخلية التي قد يعيشها الإنسان حتى وهو في وسط مدينته وبين ذويه، باحثاً عن لمسة دفء عند حيوان صغير.

ثالثاً: لغة تشبه الحديث الدافئ وتنبض بالحياة:

تنسج الكاتبة عوالمها بلغة بسيطة، شفافة، قريبة جداً من القلوب، ومجردة تماماً من أي تعقيد أو تقعر لفظي.

لغتها تشبه حديثاً أخوياً دافئاً يدور بين صديقين على مقعد خشبي تحت ضوء خافت في مساء شتوي، حيث تنهمر فيه المفردات بسلاسة لتلمس الجرح ولكن دون أن تجرحه.

تتسلل الشاعرية في السرد ليس عن طريق المبالغة الأدبية، بل من خلال التقاط التفاصيل التي نغفل عنها عادةً.

فالأماكن في الرواية ليست مجرد بيوت من الحجارة والطين، والشوارع ليست مجرد مسارات للأقدام والسيارات، بل هي كائنات حية تتنفس، تُخبئ في ثنايا جدرانها أسرار ساكنيها، وربما تنتظر هي أيضاً بزوغ فجر تستطيع معه البوح بحكايات أضناها كتمانها.

رابعاً: شخصيات من نسيج واقعنا:

أجمل ما صاغته صونيا الأشقر في هذا النص هو أن أبطالها ليسوا شخصيات خيالية، بل هم أُناس حقيقيون تشعر أنك تعرفهم، ربما التقيتهم في المقهى، أو جلست بجانب أحدهم في الحافلة، أو تجاذبت الحديث مع فرد منهم في أزقة حارتنا يوماً ما.

١) سعاد: صمود الظاهر وهشاشة الداخل:

تظهر سعاد كنموذج للمرأة الصلبة التي تقف كالأشجار، تبتسم للجميع وتسند كل من حولها، بينما هي من الداخل تتآكل رويداً رويداً بفعل التناقضات، فهي تعيش في ذلك البرزخ الفاصل بين وفائها الصادق لذكرى زوجها الراحل ومسؤوليتها العظيمة كأم، وبين رغبتها الفطرية الإنسانية في أن تحب وتجد سنداً جديداً يرمم خيباتها.

فسعاد محاصرة دائماً بخوفها وشعورها الذاتي بالذنب، وكأن الحب حقٌ للجميع ولكنه محرم عليها.

٢) وسيم: البراءة والذكاء الفطري:

الطفل وسيم في الرواية هو صوت الضمير الفطري والوعي البكر الذي يرى الأشياء على حقيقتها دون رتوش، ويمتلك عينين ترصدان ما لا يراه الكبار.

ونظرته الحاقدة والمشتعلة غضباً تجاه الأستاذ نبيل تعكس حدسه الفطري الرافض لوجود رجل بديل يحاول أخذ مكان أبيه.

تلك البراءة المعذبة تستشعر الخديعة والخطر الغامض، لتكون صوت الحقيقة البسيطة في مواجهة تعقيدات عالم الكبار المزيف.

٣) نبيل: الهروب والندم:

على الجانب الآخر يقف الأستاذ نبيل متدثراً بالغموض والتردد، فهو رجل يحمل في طيات نفسه وزر الندم والهروب من أخطاء الماضي، ويحاول التكفير عن تلك الذنوب عبر التقرب من هذه الأسرة.

لكن يبقى الظل الخفي لشخصيات مثل (هند) و(نبيلة) و(المهاجر سليم) تلاحقه.

هذه الشبكة المعقدة تذكرنا بأن السنوات لا تدفن الحقيقة، وأن أخطاء الماضي تظل معلقة برقابنا حتى نملك الشجاعة لمواجهتها.

خامساً: المشهدية والحبكة: تشويق يُمسك بالأنفاس

تعتمد الرواية في بنائها على أسلوب يدمج بين السرد الوجداني والمشهدية السينمائية السلسة.

فالأحداث لا تسير في خط مستقيم، بل تتداخل فيها المشاهد وتتداعى الذكريات، ويمتزج الحاضر بالماضي من خلال حوارات مشحونة بالبوح.

وببراعة أبقت الكاتبة القارئ ممسكاً بذلك الخيط الرفيع الذي يفصل ما بين الحاضر والماضي، فقط ليتعرف على لغز الرواية وما هو السر الحقيقي الذي يربط بين العم سعيد والأستاذ نبيل والمهاجر سليم؟

هذا التشويق الهادئ لا يجعل القارئ مستعجلاً لمعرفة النهاية فحسب، بل يجعله يستمتع بكل خطوة في الطريق إليها.

سادساً وأخيراً: الخاتمة: رسالة الرواية وأثرها الباقي:

إن رواية "حرقة قلب" تتجاوز حدود الحكاية العادية لتقدم لنا تشريحاً إنسانياً لمفاهيم نردد أسماءها.. السند، والخذلان، والتضحية، والبحث عن الذات.

حيث استطاعت د. صونيا الأشقر بحسها المرهف أن تعيدنا إلى الجوهر: إلى معنى أن تنكسر ثم تحاول القيام مجدداً، ومعنى أن تظل متمسكاً بأملك في الأمان وسط عالم يتغير بسرعة ويمتلئ بالأسرار.

تترك الرواية في أعماقنا تساؤلاً وجدانياً عذباً: ألا وهو، هل يمكن للمحبة الصادقة والحنان البسيط أن يرمما ما أفسدته سنوات القسوة والفراق؟

إنها قراءة تُفتح لها القلوب قبل العيون، وتذكرنا دائماً بأن أوجاعنا التي نخبئها، مهما كانت قاسية وموجعة، هي في النهاية الأثر الحي والأجمل لصدق إنسانيتنا ورهف مشاعرنا.

قد يهمك