بث تجريبي

أحمد حسن يكتب: من 1950 إلى 2026.. عملية السليمانجية وانكسار العلاقة بين الدولة والجماعة

عملية من 3 موجات وعلامات استفهام

بدأ مكتب المدعي العام في أنقرة عملية الموجة الثالثة ضد البنية الدينية المعروفة في الرأي العام باسم "السليمانجية". صدر قرار اعتقال بحق 54 شخصاً، وتعيين أوصياء على 11 شركة و3 جمعيات.

التهم: تأسيس وإدارة منظمة إجرامية، تبييض أموال متحصلة من الجريمة، الاحتيال على مؤسسات الدولة، ومخالفة قانون الإجراءات الضريبية. يُزعم في الملف وجود حركة أموال بقيمة 100 مليار ليرة تركية، وكشفت تقارير هيئة التحقيق في الجرائم المالية MASAK عن نمو مالي غير عادي.

فلماذا تُستهدف اليوم بنية نمت متداخلة مع الدولة لمدة 70 عاماً؟ هل هذا تحقيق قضائي، أم انعكاس لانكسار سياسي؟

للإجابة على هذا السؤال، يجب أولاً النظر إلى الأرقام. كم عدد الجماعات في تركيا؟ لا يوجد جواب رسمي. لأنه بقانون إغلاق التكايا والزوايا عام 1925، أُغلقت الطرق الصوفية قانوناً. لكن الواقع الفعلي مختلف: وفقاً للدراسات الأكاديمية، هناك 30 طريقة صوفية رئيسية وحوالي 400 فرع وجماعة وبنية فرعية مرتبطة بها. يُقدّر أن 445 تكية تعمل بشكل علني في إسطنبول وحدها. لكل بنية رئيسية عشرات من لافتات الوقف والجمعية والشركة. عدد الهياكل المسجلة برمز الخدمة الدينية في نظام معلومات الجمعيات التابع لوزارة الداخلية يتجاوز 10 آلاف. أي أن الرقم 300 ليس مبالغة، بل هو عدد اللافتات.

العملية التي بدأت في 13 أغسطس 2026 وتطورت إلى الموجة الثالثة، تستهدف واحدة من أقدم هذه المساحات التي تضم آلاف اللافتات.

                                   أحمد حسن الكاتب السياسي الكردي

الخلفية التاريخية: المساحة التي أنشأتها الدولة

منذ خمسينيات القرن الماضي، تأسست مئات الجماعات في تركيا. السبب لم يكن زيادة التدين التلقائي، بل المساحة التي فتحتها الدولة.

كانت مقايضة سياسية:

الدولة منحت الجماعات: فتحت صناديق مساعدات من ميزانية رئاسة الشؤون الدينية. سهلت تأسيس الجمعيات والأوقاف، ومنحت تراخيص دورات القرآن والسكن الطلابي، وفرت إمكانية التوظيف في البيروقراطية. أتاحت الإعفاء من الضرائب والرقابة. وفتحت للجماعات والجمعيات التابعة لها مجال حصانة.

الجماعات منحت السلطة: الدعم الانتخابي، وظيفة سد ضد اليسار، توفير النظام في الريف حيث لا تصل الدولة، ومشروع "جيل متدين". وذهبت إلى تنظيم موازٍ في المجالات التي لا تصل إليها الدولة.

وكان السليمانجية بعد سليمان حلمي طوناخان أحد أقدم الفاعلين في هذا التحالف من خلال تنظيمهم في مجال التعليم. منذ عام 1959، نموا لأكثر من 60 عاماً كنموذج دورات-سكن طلابي كهيكل معترف به ومدعوم وغير مراقب من الدولة.

تطور النموذج في 4 مراحل: 1950-1980 حُميت جميع الجماعات بحماية الدولة. 1980-2000 تولت مهمة السد، ومنع الصراع بين الدولة والمجتمع، وتولت مهمة سيطرة الدولة على المجتمع عبر الدين. 2002-2016 أصبحت شريكة في السلطة والإدارة. بعد 2016 طُبقت آلية رقابة على الجماعات. بعد 15 يوليو توضحت عقيدة الدولة: لا يمكن لأي جماعة أن تنشئ مجالاً مستقلاً داخل الدولة.

نقطة الانكسار: لماذا الآن؟

بدأت الموجة الأولى في 13 أغسطس 2026. قرار اعتقال بحق 49 شخصاً في 17 ولاية، وتفتيش في 43 عنواناً و80 عنواناً تابعة لـ33 شركة، و32 اعتقالاً. من بين المعتقلين علي هان كوريش الذي يُظهر كزعيم. خلال أسبوعين، في الموجة الثانية 12، وفي الموجة الثالثة صدرت قرارات اعتقال بحق 54 شخصاً آخر.

تم إعلان السبب جرائم مالية. لكن السؤال الأساسي نفسه في الرأي العام: ألم يكن هذا الهيكل المالي موجوداً منذ 60 عاماً؟

التفسير المشترك للمصادر الميدانية أن الانكسار ليس مالياً، بل سياسي.

كما قال الكاتب الإسلامي إحسان إليا تشيك: "إذا كانت مخالب العدالة تنزل على اللصوص والفاسدين، فيجب أن يتم نفس الشيء لطريقة منزيل، وجماعة إسماعيل آغا، وجماعة أرنكوي، وجماعة نشر العلم، ووقف أنصار".

وكما قالت النائبة السابقة لحزب الشعوب الديمقراطي هدى كايا: "لا أرى هذا في هذه المرحلة كإعدام جماعي. بل أقيّمه أكثر كتحذير وترهيب لقطع علاقة الجماعة مع المعارضة".

أي أن الانكسار: رسالة إلى البنية التي لا تتحرك معاً.

حجم العملية: ليس مجرد اعتقال

تجاوز هذا التحقيق النشاط الديني واستهدف ثلاث مجالات في آن واحد:

الاقتصاد: تعيين أوصياء على 11 شركة، ادعاء حركة أموال 100 مليار ليرة، إنشاء شركات وهمية عبر تقسيم وتحويل الشركات، إظهار مدخلات نقدية مجهولة المصدر كزيادة رأس مال، فواتير وهمية ودخول عملات أجنبية غير متوافقة من الخارج.

الممتلكات: ذُكر أنه تم العثور في عنوان حلمي تونا كوريش على 200 كغ من سبائك الذهب بقيمة 1.34 مليار ليرة مجهولة المصدر. قال زعيم الجماعة علي هان كوريش في إفادته إنها مجوهرات زفاف.

الروابط داخل الدولة: ادعاءات احتيال على مؤسسات عامة واسترداد ضريبي غير مستحق. أي أن القوة الاقتصادية للبنية وشبكتها المؤسسية وعلاقاتها داخل الدولة تُستهدف في نفس الوقت.

الرسالة واضحة: الدولة تركت نموذج "امنح إعفاءً من أجل السيطرة" وانتقلت إلى نموذج "أراقب مباشرة من أجل السيطرة". انتهى الأسلوب الدفتري القديم بخوارزمية الدفتر الإلكتروني وMASAK.

3 نقاشات حرجة

1. هل هناك ازدواجية معايير؟ هل نفس الادعاءات المالية صالحة للجماعات والأوقاف الكبرى الأخرى؟ إذا لم يُطبق نفس التدقيق على جميع الهياكل، فسيُقرأ هذا ليس عدالة بل عملية انتقائية.

2. هل انتهى نموذج الدولة-الجماعة؟ هل انتهى نموذج "الدولة تؤسس والجماعة تنمو" الذي استمر منذ 1950؟ هل تريد الدولة الآن مركزاً واحداً في الميدان؟ هل تتجه الدولة نحو الاحتكار في مجال يضم 30 رئيسياً و400 فرع؟ نعم، السلطة الحالية تتجه تماماً نحو المركزية. تتخذ احتياطاتها ضد فراغ محتمل في السلطة.

3. هل هو درس للهياكل المنظمة؟ ظهر خطر لكل هيكل نما بإذن ودعم من الدولة: عندما ينكسر التحالف، يمكن تصفية نفس المساحة بوصم "منظمة إجرامية". ما كان مشروعاً لمدة 60 عاماً، يمكن أن يصبح غير مشروع في 60 يوماً.

النتيجة: ماذا يحدث عندما ينتهي التحالف؟

عملية السليمانجية أكثر من تحقيق في جماعة. هي مثال معاصر لكيف تأسس وكيف انكسر تحالف الدولة-الجماعة المستمر منذ 70 عاماً.

جعلت الدولة هذه الهياكل جزءاً من هندستها السياسية والاجتماعية لمدة 70 عاماً. فتحت لها السكن والدورات وأرسلت كوادر الجماعات إلى الخارج. عندما انتهت الحاجة أو انكسر الاصطفاف، ذهبت إلى التصفية بنفس الآليات.

أعاد هذا الحدث طرح سؤال من أين تستمد الهياكل المنظمة في تركيا شرعيتها. إلى أي مدى يمكن أن تصمد المساحة التي منحتها الدولة عندما تنسحب الدولة؟

التحقيق مستمر. لكن تأثيره السياسي بدأ بالفعل. هذا ليس فقط عتبة ستحدد مستقبل السليمانجية، بل مستقبل المجال كله المؤلف من 30 بنية رئيسية و400 فرع.

قد يهمك