بث تجريبي

حوار| فراس يونس: سلطة دمشق في موقع ضعيف أمام صراع تركيا وإسرائيل والحديث عن السيادة السورية أضغاث أحلام

تكشف الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت قاعدة أبو الظهور العسكرية في ريف إدلب عن تصاعد صراع النفوذ بين إسرائيل وتركيا داخل الساحة السورية، في ظل هشاشة السلطة الانتقالية وتداخل الحسابات الإقليمية والدولية.

في هذا السياق، حاور موقع "المبادرة" الكاتب السياسي السوري فراس يونس لقراءة الواقع الحالي، والذي يرى أن تل أبيب تسعى إلى عرقلة المساعي التركية لإعادة بناء المؤسسة العسكرية السورية، خشية تنامي نفوذ أنقرة وامتلاك دمشق قدرات دفاعية تحد من حرية الحركة الإسرائيلية.

ويشير يونس إلى أن السلطة الانتقالية تجد نفسها في موقع ضعيف أمام صراع القوتين، فيما تبدو السيادة السورية محدودة في ظل غياب مقومات الاستقلال السياسي والعسكري. كما يتناول الحوار دلالات الاتصال النادر بين رئيس الموساد ووزير الخارجية السوري، والسيناريوهات القاتمة التي تنتظر سوريا في المرحلة المقبلة.

.............. وإلى نص الحوار:

*الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قاعدة أبو الظهور العسكرية مؤخراً.. كيف تعكس صراع النفوذ بين تركيا وإسرائيل في سوريا؟ ما الرسائل التي أرادت تل أبيب توجيهها إلى دمشق وأنقرة؟

- تعكس الضربات الإسرائيلية بلا ريب صراع النفوذ والهيمنة المحتدم على سوريا بين إسرائيل وتركيا وتحويلها إلى ساحة صراع ساخن يشتد مع اقتراب الاستحقاقات السياسية داخل كل بلد من جهة، وواقع الضعف البنيوي للدولة السورية في سياق المرحلة الانتقالية من جهة ثانية. في عدوان جديد على سوريا استهدفت طائرتان اسرائيليتان مطار ابو الظهور العسكري في ريف ادلب بثماني غارات ما تسبب بدمار في مدرجات المطار الأربعة إضافة إلى أضرار بالغة على  البنى التحتية. هذا العدوان على المطار الواقع على بعد 60 كيلومتراً من الحدود التركية والذي يعتبر ثاني أكبر مطار عسكري بعد مطار تفتناز الثالث بعد عدوانين سابقين استهدفا مواقع عسكرية وسط سوريا. حاولت تركيا إعادة تأهيلها. كما أنه جاء بعد أيام قليلة من تنفيذ طائرتين سوريتين عمليات تدريب في شمال البلاد في طلعات تعد الأولى من نوعها للسلطات الانتقالية وهو بالتوازي مع عمليات تأهيل المطار التي تشارك فيها أنقرة والتي قامت بالإضافة إلى ما تقدم بنصب رادارات في عدة مناطق، وفق مصادر موثوقة في محافظات حماة واللاذقية وطرطوس وأريافها وذلك ضمن تحركات عسكرية وتقنية متزامنة شملت العديد من المواقع في شمال البلاد وغربها.

*ماذا يعني هذا بالنسبة لإسرائيل؟

- يراود الأوساط الأمنية والعسكرية الإسرائيلية قلق بالغ من التمدد التركي، وقدرة تركيا على مد نفوذها على الأراضي السورية للعديد من الأسباب التاريخية والموضوعية، التي تتيح لها شق محراثها في الأرض السورية، فضلاً عن الأدوار التركية خلال الـ14 سنة من سنوات الحرب في توجيه مساراتها وفق إرادتها. وهي اليوم ترى أن من نصيبها أن تبني مؤسسة عسكرية سورية وفق النموذج التركي وانسجاماً مع المصالح الأمن قومية التركية وتصفير التهديدات المتأتية من سوريا، والتي يتصدرها التهديد الكردي ممثلا بمجلس سوريا الديموقراطية. وهو ما لايروق لإسرائيل خاصة بناء جيش سوري يتوفر على عوامل القوة النسبية والمنعة والاستقلالية. وهي في هذا المنحى تقوم بدور تخريب المساعي التركية.

*وماذا عن السلطة الانتقالية؟

- السلطة الانتقالية من ناحيتها ترى أن الجار التركي هو الأقرب إلى تصوراتها في بناء القوة العسكرية- الاقتصادية السورية. مع التأكيد الدائم بالمقابل على خفض التصعيد مع إسرائيل وحل قضايا الخلاف بالدبلوماسية والتفاوض. رغم الموانع الإيديولوجية النسبية المتعلقة بسلفية السلطة الراهنة لاتزال هذه السلطة ترى في تركيا بلداً إسلامياً أكثر تطوراً من كل النواحي؛ بحيث لا تظهر (كبلد أقل تطوراً منه بكثير) سوى لوحة مستقبلها هي.

*هل يمكن القول إن الضربات الإسرائيلية تشكل رداً على انخراط تركيا في تحالف مكة؟

- رغم أنه لم يطلع أحد على بنود اتفاق مكة الحقيقة لا أرى في التحالف تهديداً لإسرائيل وسط الرضاء الأمريكي عليه، بل والثناء عليه على الأقل من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدليل أن الضربات الإسرائيلية في العمق السوري تواترت قبل انضمامها لتحالف مكة.

*إلى أي مدى تكشف هذه التطورات عن هشاشة موقف السلطة الانتقالية في دمشق، خصوصاً عندما تصبح قضايا مثل الوجود التركي والأمن العسكري السوري موضع تفاوض أو تأثير من قوى إقليمية؟

- تبدو السلطة الانتقالية في موقع ضعيف أمام صراع الضواري الإقليمية، وهي مضطرة مع واقع ضعفها البنيوي للتوفيق بين تناقضهما العصي على الحل في المدى المنظور مع بقاء خيارات التسوية تلوح بينهما، خاصة وأنهما حليفان وثيقان للولايات المتحدة، ويندرج صراعهما كونهما في الخندق الواحد، وفي وحدة وصراع الاضداد فيما بينهما. بالتأكيد لا يمكن للسلطة الانتقالية السورية ببنيتها الحالية الاستقلال عنهما بأي حال من الأحوال بسبب عدم القدرة من ناحية، وغياب الإرادة المستقلة من ناحية أخرى في ظل بنيتها الاقصائية والانفرادية بالسلطة والتي لا تتيح أفقاً جدياً للمشاركة الشعبية المطلوبة لمواجهة التحديات في أفق هذا المشترك الوطني الشعبي. لذلك يبدو الحديث عن السيادة الوطنية اليوم أضغاث أحلام في غياب المقومات الارتكازية التي تجعل من السيادة الوطنية إمكاناً وتحققاً وغياب الأدوات السياسية والعسكرية التي تمكنها من حماية المصالح الوطنية العليا السورية. مع غياب إرادة شعبية داخلية ورأي عام فاعل وحياة حزبية سورية تفرض إرادتها في أي عملية تفاوضية تلجم تطلعات العدو الإسرائيلي  للمزيد من الأطماع والاستيلاء على الأراضي.

*قبل الضربات الإسرائيلية، كشف وكالة رويترز عن اتصال هاتفي نادر بين رئيس الموساد ووزير الخارجية السوري حول الوجود التركي في سوريا، برأيك هل كانت أنقرة على علم بهذا الاتصال؟

- نعم.. إنه علامة تصعيد ولأن الأمر كذلك لا تتوقف إسرائيل عن إرسال رسائلها سواء عبر الاتصال الهاتفي غير المسبوق من رئيس الموساد لوزير الخارجية والذي لم يرشح للإعلام عما دار فيه، لكن يفهم من السياق وطبيعة الاتصال بين جهة أمنية وجهة دبلوماسية وضع الطرف السوري أمام تهديد وجودي يرجح فيه الإملاء بوقف التنسيق مع الجانب التركي، خاصة على صعيد شراء منظومات  دفاعية من شأنها الحد من حرية تل أبيب. عزز هذا التصعيد بالمقابل تصريح لمسؤول إسرائيلي في المؤسسة الأمنية نقلاً عن موقع "والا" الإسرائيلي أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع شخصية خطيرة، وهو جهادي متطرف معادٍ لإسرائيل. لسان حال إسرائيل: نحن لا نثق بأي حكم إسلامي يستقوي بتركيا ونرى من خلال هذا الاستقواء مهما بدت المظاهر معاكسة شبح 7 أكتوبر جديد على الشعب الإسرائيلي. من هنا يبدو تعريف إسرائيل للأمن منع الاستقرار في المنطقة حقيقة أكثر منها فرضية تحتاج لبرهان.

*في ضوء هذه التطورات ما السيناريوهات التي تنتظر سوريا خلال المرحلة المقبلة؟

- تبدو كل السيناريوهات اليوم قاتمة في سوريا. إن بلداً لا وازنية له على صعيد الاقتصاد ووحدة الأرض الترابية ووحدة الشعب سيكون نهباً لمصالح الآخرين التي تتقدمها الآن إسرائيل وتركيا وكلاهما مهما اختلفا يبقيان أفق المصالح الأمريكية. فيما ترنو تركيا لتثبيت معادلات استقرارنسبي في المنطقة يبدو تعريف إسرائيل للأمن منع الاستقرار في المنطقة، عبر إقصاء الجميع من دائرة محيطها الأمني والتي تعتبر سوريا أهم مناطق هذا المحيط الأمني وترى ضرورة تنظيف كل الشوائب التركية وغيرها. في الواقع كما أشرت في البداية، لا ينفصل الصراع عن اعتبارات الداخل وصراع القوى في إسرائيل وتركيا. وبالنسبة إلى إسرائيل لدي تقدير مفاده أن نتنياهو وفريقه الحاكم على أبواب انتخابات تشريعية في الـ27 من أكتوبر ويهم نتنياهو الحصول على أوسع قاعدة استقطاب سياسي داخلي حول إدارته للملفات الداخلية والإقليمية، ومع امتناع إيران عن توجيه صواريخها الباليستية التي من شأنها في الحسابات الإيرانية تعميق الشروخ الداخلية مع نتنياهو، يبحث الأخير عن مكسب خارجي ولو في حدود اشنباك مقيد ومدروس مع تركيا وحليفها السوري الضعيف، والتضخيم من خلالهما بالمخاطر الأمنية المتأتية شمالاً ( سوريا) ما يعزز فرص تجديد انتخابه ثانية في أفق هذا التقدير.

قد يهمك