نظم مركز آتون للدراسات بالعاصمة المصرية القاهرة، مساء الثلاثاء 11 أغسطس، ندوة بعنوان “المرأة والفضاء الرقمي.. بين الحرية والهيمنة الذكورية”، في إطار مناقشة القضايا المرتبطة بالمرأة وحضورها في الفضاء الرقمي والتحديات التي تواجهها.
وأتت الندوة ضمن الفعاليات التي ينظمها مركز آتون للدراسات لطرح القضايا المجتمعية والفكرية الراهنة، وفتح نقاشات متخصصة حول التحولات التي يشهدها المجتمع، ودور المرأة في المجالين العام والرقمي.
وقد شملت المنصة الرئيسية الأستاذة الدكتورة سوزان القليني المتحدثة باسم المجلس القومي للمرأة في مصر، والدكتورة إكرام بدوي، الباحثة والأكاديمية المتخصصة في دراسات المرأة. فيما أدارت الندوة وقدمتها الدكتورة فرناز عطية الخبيرة في الشؤون الدولية والإقليمية. وسط حضور لنخبة من المثقفين والمثقفات من مصر وخارجها.
وتناولت الندوة بصفة عامة العلاقة بين المرأة والفضاء الرقمي، وما يتيحه من مساحات للتعبير والحضور والتفاعل، مقابل ما قد يفرضه من تحديات وضغوط مرتبطة بالصور النمطية والهيمنة الذكورية، إلى جانب أهمية تعزيز حضور المرأة بصورة فاعلة وآمنة في المجال الرقمي.
تقديم الندوة
وفي تقديمها للندوة، رحبت الدكتورة فرناز عطية بالحضور والمشاركات، مؤكدة أهمية موضوع الندوة، حيث قالت إن عنوان الندوة يعكس ملفًا بالغ الأهمية لا يقل عن القضايا السياسية والاقتصادية، في ظل الدور المتزايد للتكنولوجيا، والفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتأثيرها المباشر في السياسة والاقتصاد والحياة الاجتماعية.
وأوضحت أن التطور التكنولوجي لم ينهِ أشكال التمييز التي تواجهها المرأة، إذ لا تزال هناك مظاهر للهيمنة الذكورية وفجوة بين النساء والرجال على مستوى العالم، مشيرة إلى أن هذه الفجوة تنعكس على حياة المرأة الوظيفية والاجتماعية والمعرفية.
وأضافت أن إحصاءات عام 2025 تشير إلى استمرار فجوة في معدلات تبني الذكاء الاصطناعي بين الجنسين، حيث بلغت نسبة تبني النساء لهذه التقنيات عالميًا نحو 38.3%، مقابل 47.8% للرجال، وهو ما يعكس استمرار التفاوت في الاستفادة من أدوات التكنولوجيا الحديثة.
وأكدت أن الندوة تسعى إلى مناقشة طبيعة علاقة المرأة بالذكاء الاصطناعي والفضاء الرقمي، وطرح تساؤل رئيسي حول ما إذا كان التطور التكنولوجي قد بدأ يتحول إلى مصدر جديد للتهديد بالنسبة للمرأة، أم أن ما نشهده لا يتجاوز فجوة يمكن تداركها من خلال الوعي والتشريعات والسياسات الداعمة، إلى جانب بحث عدد من المحاور المرتبطة بالمرأة والعنف الرقمي والذكاء الاصطناعي.
حرية المرأة في الفضاء الرقمي
وفي مشاركتها، قالت الأستاذة الدكتورة سوزان القليني المتحدثة باسم بالمجلس القومي للمرأة، إن الحديث عن علاقة المرأة بالفضاء الرقمي يطرح تساؤلًا أساسيًا حول مدى تمتعها فعلًا بالحرية في هذا المجال، ومدى قدرتها على ممارسة حرية الحركة والاتصال والتواصل والتعبير عن الرأي عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضحت القليني أن المرأة تتمتع، ظاهريًا، بمساحة واسعة من الحرية في الفضاء الرقمي، إذ أصبح بإمكانها امتلاك منصتها الخاصة، والتعبير عن آرائها والتواصل مع الآخرين، فضلًا عن الاستفادة من المجال الرقمي في التعليم والعمل والنشاط الاقتصادي، سواء من خلال إنشاء مشروعاتها الخاصة أو تسويق منتجاتها وخدماتها، معتبرة أن هذه المساحات تمثل أشكالًا جديدة من حرية المرأة لم تكن متاحة بالقدر نفسه في وسائل الإعلام التقليدية.
وأكدت أن هذه الحرية تظل “ظاهرية فقط”، موضحة أن المرأة عندما تدخل الفضاء الرقمي فإنها لا تدخله بمعزل عن المجتمع الذي تنتمي إليه، وإنما تحمل معها أفكاره وعاداته ومعتقداته، مشيرة إلى أن المجتمعات التي تعيش فيها النساء لا تزال، في كثير من الحالات، محكومة بثقافة ذكورية، وهو ما ينعكس على حضور المرأة وممارستها لحريتها في المجال الرقمي.
وأشارت إلى أن المرأة في الإعلام التقليدي كانت تخضع لما يعرف بـ”حارس البوابة الإعلامية”، أي القائم على المؤسسة أو الوسيلة الإعلامية، الذي كان يحدد شكل ظهورها ونسبة حضورها والموضوعات التي يمكن أن تتناولها، لافتة إلى أن المرأة ظلت لفترات طويلة محصورة في برامج الموضة والطهي والموضوعات المرتبطة بشؤون المرأة، رغم وجود نساء بارزات في مجالات الاقتصاد والسياسة والسياحة والطيران والهندسة وغيرها.
وأضافت أن الانتقال إلى الفضاء الرقمي خلق انطباعًا بأن “حارس البوابة” التقليدي اختفى، وأن المرأة أصبحت قادرة على إنتاج محتواها وإدارة منصتها والتعبير عن نفسها بحرية، إلا أن هذا التصور، بحسب القليني، ليس دقيقًا، لأن حارس البوابة لم يختفِ وإنما تحول من شخص أو مؤسسة إعلامية إلى “الخوارزميات” التي تتحكم في أنماط ظهور المرأة وصورتها وطبيعة المحتوى الذي يصل إلى الجمهور.
وأكدت أن الخوارزميات ليست محايدة، لأنها نتاج الطريقة التي صُممت وبرمجت بها، مشيرة إلى أن المرأة لا تزال في كثير من الأحيان مستهلكة للتكنولوجيا أكثر من كونها صانعة لها أو مشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بتطويرها وبرمجتها.
ولفتت إلى ما وصفته بـ”تحيز الخوارزميات”، مشيرة إلى تقارير لليونسكو تناولت هذه القضية، ومنها ما يتعلق بعمليات اختيار المتقدمين للوظائف، خاصة في المناصب الاقتصادية العليا، حيث يمكن أن تؤدي الخوارزميات المبرمجة وفق أنماط نمطية عن قدرة الرجال على القيادة إلى تفضيل السير الذاتية للرجال، حتى في الحالات التي تتفوق فيها سيرة المرأة المهنية على نظيرتها لدى الرجل.
وشددت على أن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لا يعملان بصورة مستقلة عن البشر، وإنما هما نتاج للبرمجة والاختيارات البشرية، وبالتالي فإن طريقة تصميم الخوارزميات يمكن أن تنقل إليها أنماط التحيز الموجودة في المجتمع.
إسكات صوت المرأة عبر الفضاء الرقمي
وتطرقت سوزان القليني إلى شكل آخر من أشكال التضييق على المرأة في الفضاء الرقمي، يتمثل في ما وصفته بـ”إسكات صوت المرأة عبر الفضاء الرقمي”، موضحة أن المرأة عندما تقدم محتوى سياسيًا أو تحليليًا قد تواجه نوعًا مختلفًا من التعليقات مقارنة بالرجل.
وأوضحت أنه في الوقت الذي قد يحظى فيه محلل سياسي رجل بتعليقات تشيد بتحليله وأفكاره، فإن المرأة التي تقدم التحليل السياسي نفسه قد تتعرض لتعليقات تتركز على شكلها وسنها وملابسها وحياتها الشخصية بدلًا من مناقشة مضمون حديثها، بما يحول النقاش من تقييم موضوعي للأفكار إلى تعليقات متحيزة وشخصية.
وأشارت إلى أن تقارير اليونسكو تناولت كذلك ما وصفته بـ”العنف الذي تسهله التكنولوجيا ضد النساء والفتيات”، مؤكدة أن التطور التكنولوجي أوجد أشكالًا جديدة من العنف ضد المرأة لم تكن موجودة بالصورة نفسها في السابق.
وأضافت أن من أبرز هذه الأشكال “التنمر الإلكتروني”، خاصة عندما تتحول التعليقات من مناقشة رأي المرأة أو الاختلاف معها في مضمون ما تطرحه إلى التعليق على شكلها أو ملابسها أو عمرها أو أخلاقها، معتبرة أن هذا النوع من التعليقات يمثل شكلًا من أشكال العنف ضد المرأة.
كما أشارت إلى تصاعد حالات التحرش التي تتعرض لها النساء عبر الوسائل والمنصات الرقمية، مؤكدة أن لجنة الشكاوى بالمجلس القومي للمرأة تتلقى بصورة مستمرة شكاوى تتعلق بأشكال مختلفة من الانتهاكات والعنف الإلكتروني ضد النساء.
وأكدت أن مواجهة هذه الظواهر لا يمكن أن تكون مسؤولية فرد أو مؤسسة واحدة، وإنما تتطلب جهودًا متكاملة على مستوى الدولة والتشريعات والقوانين، إلى جانب دور الجامعات والمدارس والأسرة والتربية داخل المنزل، بما يساهم في الحد من العنف ضد المرأة.
وقالت إن المرأة لا يمكن اعتبارها حرة بشكل كامل في مجال التكنولوجيا إلا عندما تشارك في صناعة التكنولوجيا نفسها، وتساهم في برمجة الخوارزميات، وتصبح منتجة للتكنولوجيا وليست مجرد مستهلكة لها.
مفهوم صانع المحتوى
وفي سياق متصل، دعت الدكتورة سوزان القليني إلى إعادة النظر في مفهوم “صانع المحتوى”، معتبرة أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على مفهوم “صانع المحتوى المسؤول”، الذي يدرك مسؤولياته تجاه الجمهور، ويحافظ على مجموعة من المبادئ الأساسية، وفي مقدمتها حماية الخصوصية، والمصداقية، والتأكد من صحة المصادر التي يستند إليها في إنتاج محتواه.
وحذرت من انتشار الشائعات والمعلومات غير الموثوقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن التحقق من المصادر يمثل أحد أهم التحديات في البيئة الرقمية، في ظل الكم الكبير من المعلومات والمحتوى المتداول عبر هذه المنصات.
كما أشارت إلى مفهوم جديد يرتبط بالفضاء الرقمي والخوارزميات، وهو “اقتصاد الانتباه”، الذي يقوم على جذب انتباه المستخدم والحفاظ عليه، مؤكدة أن هذا المفهوم يمثل جانبًا مهمًا من النقاش حول مدى حرية المرأة والمستخدم عمومًا داخل البيئة الرقمية.
سبل المواجهة
وشددت الدكتورة سوزان القليني على أن مواجهة التحديات المرتبطة بالفضاء الرقمي تتطلب التعامل مع ما وصفته بـ”معادلة خطيرة” من خلال مجموعة متكاملة من الإجراءات، في مقدمتها إدخال التربية الإعلامية إلى المدارس والجامعات في مختلف المجتمعات العربية، بما يساعد الأجيال الجديدة على فهم طبيعة التكنولوجيا وكيفية التعامل الواعي مع المحتوى والمنصات الرقمية.
وأوضحت أن أحد أبرز التحديات يتمثل في أن التكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من التشريعات، وهو ما يجعل القوانين في كثير من الأحيان غير قادرة على مواكبة التطورات المتلاحقة، مشددة على ضرورة أن تتسم التشريعات بالمرونة والسرعة، بالتوازي مع وجود آليات واضحة وفعالة لإنفاذ القانون ومواجهة الانتهاكات التي تحدث عبر الفضاء الرقمي.
وأكدت أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما يجب أن يمتلك المجتمع نفسه وعيًا بكيفية التعامل مع التكنولوجيا واستخدامها بصورة آمنة ومسؤولة، مع ضرورة الانتباه إلى بعض الألعاب الإلكترونية التي قد تغذي لدى المستخدم أفكارًا وسلوكيات مرتبطة بـ”البقاء”، وما قد يترتب عليها من انعكاسات على طريقة التفكير والسلوك.
وشددت كذلك على ضرورة تحقيق تكامل بين مختلف مؤسسات المجتمع في جهود التوعية والتعامل مع التحولات التكنولوجية، مؤكدة أنه لا يمكن التراجع عن التكنولوجيا أو تجاهلها، وإنما المطلوب هو بناء وعي مجتمعي بكيفية استخدامها والاستفادة من إمكاناتها، مع الحد من مخاطرها وآثارها السلبية.
الفضاء الرقمي وحرية المرأة
انتقلت الكلمة إلى الدكتورة إكرام بدوي، الباحثة والأكاديمية المتخصصة في دراسات المرأة، والتي إن موضوع المرأة في الفضاء الرقمي استحوذ على جانب كبير من اهتمامها البحثي خلال الفترة الأخيرة، موضحة أن تجربتها الشخصية في استخدام منصات التواصل الاجتماعي دفعتها إلى التعمق في دراسة العلاقة بين المرأة والفضاء الرقمي، خاصة في ظل ترددها أحيانًا في طرح بعض الأسئلة والأفكار خشية التعرض للانتقادات والشتائم والتهديدات. وأوضحت أن حق الإنسان في طرح الأسئلة والتفكير والنقد والتساؤل، سواء في القضايا الدينية أو الثقافية أو الفكرية، يجب أن يكون مكفولًا، إلا أن ردود الفعل الرافضة لمجرد طرح بعض التساؤلات قد تدفع المرأة إلى التراجع عن التعبير عن آرائها.
وأشارت إلى أن الفضاء الرقمي لا يمثل مجرد أداة جديدة في حياة المرأة، وإنما أصبح “فضاءً كاملًا” يعيد تشكيل الوعي بالذات والجسد والخصوصية، مؤكدة أن الصورة والتعليق والمنشور وسجل البحث أصبحت جميعها جزءًا من التجربة اليومية للمرأة، وهو ما قد يخلق فجوة بين هويتها الحقيقية والصورة التي تقدمها للآخرين عبر المنصات الرقمية.
وتساءلت: هل اتساع ظهور المرأة في الفضاء الرقمي يعني بالضرورة اتساع قدرتها على المشاركة؟، مجيبة بالنفي، ومؤكدة أن البنية الأيديولوجية والاجتماعية والثقافية والدينية أسهمت على مدار فترات طويلة في تحديد الأدوار المنوطة بالمرأة داخل الأسرة والمجتمع، قبل أن تؤدي ثورة الاتصالات إلى إتاحة فضاء عابر للحدود تستطيع المرأة من خلاله رواية تجاربها والتواصل مع الآخرين وبناء شبكات للتعلم والعمل والتضامن.
علاقات القوة
وأضافت أن انتقال المرأة من المجال المحلي إلى المجال العالمي عبر الفضاء الرقمي لم يحررها من علاقات القوة، بل انتقلت هذه العلاقات معها إلى البيئة الرقمية، واكتسبت أدوات أسرع في الانتشار وأكثر قدرة على التتبع والتصنيف، مشيرة إلى أن المستخدم يمكن أن يخضع للتصنيف بناءً على اهتماماته ومعتقداته وسلوكه الرقمي بمجرد استخدامه لمنصات التواصل الاجتماعي.
وفي هذا السياق، استشهدت الدكتورة إكرام بدوي بأفكار الفيلسوف هربرت ماركوز في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد”، الصادر عام 1964، موضحة أن التكنولوجيا والإنتاج والاستهلاك يمكن أن تسهم في قولبة الوعي وإضعاف استقلال الفرد وتحويله إلى مستهلك، مشددة على أن التكنولوجيا لا تعمل بمعزل عن السياسة والثقافة والاقتصاد والمجتمع، وإنما تتداخل معها في تشكيل الرغبات والمعايير وما يعتبره الإنسان طبيعيًا أو مألوفًا أو مقبولًا.
النسوية الرقمية
وأكدت أن من أهم التحولات التي أحدثها الفضاء الرقمي أنه أتاح للمرأة أن تتحدث عن نفسها، وأن تصبح “الخبرة المعاشة للمرأة مصدرًا للمعرفة”، بعدما كانت المرأة في كثير من الأحيان موضوعًا لدراسات الآخرين عنها.
وأوضحت أن النسوية الرقمية أسهمت في لفت الانتباه إلى قضايا غابت عن الإعلام التقليدي، إذ يمكن لتجربة فردية تتعرض لها امرأة أن تتحول عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى قضية جماعية تشارك فيها نساء أخريات، ثم تتحول إلى نقاش عام حول السلطة والعدالة والمسؤولية.
وأشارت إلى أن هذا التحول أتاح إبراز قضايا وتجارب نسائية كانت قد تبقى في نطاقها الفردي، مستشهدة بقضايا أثارت نقاشًا واسعًا في المجتمع، ومنها قضية نيرة أشرف، وما كشفت عنه من جوانب متعددة في التعامل المجتمعي مع قضايا المرأة.
التمكين الرقمي والأعباء المفروضة على المرأة
وتناولت بدوي قضية “العمل المرئي والعمل غير المرئي”، مؤكدة أن دخول المرأة إلى وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي لم يلغِ الأدوار الاجتماعية التقليدية التي تتحملها، بل لا تزال المرأة مطالبة بأداء الأعمال المنزلية وأعمال الرعاية، بما في ذلك رعاية الأطفال والمرضى وكبار السن.
وأوضحت أن هذه الأدوار تُسند إلى المرأة اجتماعيًا وثقافيًا، حتى وإن لم تكن بالضرورة مفروضة عليها دينيًا، مشيرة إلى أن المجتمع يفترض قدرة المرأة على التوفيق بين أدوار متعددة، رغم أن الجمع بينها بكفاءة يمثل عبئًا بالغ الصعوبة. وأضافت أن المرأة كثيرًا ما تُطالب بالعمل والتربية والرعاية والقيام بالعديد من المسؤوليات في الوقت نفسه، ثم تتعرض للوم إذا لم تنجح في أداء جميع هذه الأدوار بالمستوى المتوقع.
وقالت إن هناك مفارقة أساسية في مفهوم التمكين الرقمي، تبدأ من المنصة نفسها؛ فالمنصة تمنح المرأة مساحة للكلام والتعبير، لكنها في الوقت نفسه تضع قواعد تحدد ما يصل إلى الجمهور، وما ينشر أو لا ينشر، وما يظهر أو يختفي. وأوضحت أن التفاعل الإنساني والمشاعر تحولت في البيئة الرقمية إلى بيانات قابلة للقياس، معتبرة أن هذه الآليات تجعل المرأة تشعر أحيانًا بأنها موجودة وحاضرة في الفضاء الرقمي، لكن حضورها لا يترتب عليه بالضرورة تأثير حقيقي في المجتمع.
وأكدت أن انتشار قضية نسائية أو نسوية وحصولها على ملايين المشاهدات لا يعني بالضرورة إحداث تغيير حقيقي في المجتمع أو تغيير في القوانين، معتبرة أن الفجوة بين الحضور الرقمي والفاعلية الحقيقية تمثل إحدى الإشكاليات المهمة التي يجب التوقف أمامها.
اقتصاد الاعتراف
وفي حديثها عن مفهوم “اقتصاد الانتباه”، طرحت إكرام بدوي مفهوم “اقتصاد الاعتراف”، موضحة أن المرأة قد تجد نفسها مضطرة إلى إنتاج نسخة من ذاتها تكون مفهومة ومقبولة لدى الجمهور وقابلة للتقدير من جانب الخوارزميات. وأكدت أن المرأة تحتاج، في المقابل، إلى امتلاك وعي بذاتها، ومعرفة ما تريده فعلًا، والتمييز بين شخصيتها الحقيقية وبين الصورة التي يفرضها عليها المجتمع أو القوالب السائدة.
وأشارت إلى أن النسوية الرقمية تتعامل مع منظومة من التعليقات والتقييمات والمقارنات ومعايير الجمال والنجاح والقوة، محذرة من أن المرأة قد تتعامل مع هذه المعايير باعتبارها حقائق ثابتة، رغم أنها في كثير من الأحيان معايير مصطنعة تنتجها البيئة الرقمية والمجتمعية.
وأضافت أن إحدى أخطر الإشكاليات تتمثل في أن الإنسان قد يعتقد أن اختياراته نابعة من إرادته الحرة، بينما تكون هذه الاختيارات متأثرة بالإطار العام الذي يفرض معايير معينة للجمال والملابس والموضة والمظهر.
وربطت بين هذا السعي إلى الاعتراف وبين حاجة المرأة إلى التقدير المجتمعي، مشيرة إلى أن بعض النساء قد يبحثن عن الاعتراف عبر المنصات الرقمية نتيجة خبرات اجتماعية سابقة لم يحصلن فيها على القدر الكافي من التقدير والثقة بالنفس، مؤكدة في الوقت نفسه أن بناء الثقة بالنفس يرتبط بصورة كبيرة بالبيئة والتربية.
الكاميرا لا تمنح المرأة سيادة كاملة على صورتها
وتطرقت بدوي إلى العلاقة بين المرأة وكاميرا الهاتف، موضحة أن الهاتف منح المرأة قدرة أكبر على إنتاج صورتها وتحديد الطريقة التي تريد أن تظهر بها، إلا أن امتلاك الكاميرا لا يعني امتلاك سيادة كاملة على الصورة. وأوضحت أن المرأة عندما تصور نفسها وتنشر صورتها على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها تدخل في منظومة من التقييمات والمعايير الاجتماعية والثقافية والرقمية، بما يعني أنها لا تنتج صورتها في فراغ، وإنما داخل بيئة لها قواعدها الخاصة.
وأكدت أن المرأة قد تعتقد أنها حرة بالكامل لأنها هي التي التقطت الصورة واختارت نشرها، لكنها في الوقت نفسه قد تعيد إنتاج القواعد التي تحدد شكل الظهور المقبول اجتماعيًا ورقميًا، وهو ما يطرح سؤالًا أوسع حول حدود الحرية والسيادة على الصورة في الفضاء الرقمي.
وانتقلت إلى ظاهرة تراجع النساء عن التعبير عن آرائهن في وسائل التواصل الاجتماعي نتيجة الضغوط والهجمات التي قد يتعرضن لها، مؤكدة أن هذه الظاهرة لا تقتصر على العالم العربي، وإن كانت تختلف آلياتها من مجتمع إلى آخر، مشيرة إلى أن دراساتها في مجتمعات مختلفة أظهرت استمرار الخطاب الأبوي، وإن اختلفت أدواته وآلياته.
فهم العنف السيبراني
وترى الدكتورة إكرام بدوي أن فهم العنف السيبراني ضد المرأة يتطلب أولًا التوقف أمام الأبعاد المختلفة لوجود المرأة في الفضاء الرقمي، موضحة أن هذا الوجود ينقسم إلى ثلاثة أبعاد رئيسية. وتقول: “هناك أولًا المعيشة الواقعية، وهي حياة المرأة الفعلية وما تتعرض له في الواقع، ثم هناك السردية، أي الصورة التي تصدرها المرأة عن نفسها عبر الفضاء الرقمي، وأخيرًا الخوارزمية، وهي الصورة والبيانات التي تقوم المنصات الرقمية ببنائها عن المرأة استنادًا إلى سلوكياتها، وما تتابعه، وما تتفاعل معه”.
وتضيف أن الخطورة لا تتوقف عند حدود انتشار المعلومات أو الشائعات بسرعة عبر الإنترنت، وإنما تتضاعف مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، قائلة: “الذكاء الاصطناعي لا يمثل فقط أزمة في سرعة انتشار الشائعة، وإنما لدينا مشكلة أكبر تتعلق بالبيانات نفسها؛ لأن هذه البيانات قد تظل موجودة لفترات طويلة، ويمكن استرجاعها بعد سنوات، حتى إذا ظن الشخص أنها اختفت أو تم حذفها”.
وتوضح: “قد تظهر صورة قديمة للمرأة بعد سنوات، أو يعاد تداول معلومة كانت قديمة وتم تجاوزها، وقد تعود هذه المواد إلى الواجهة في توقيت مختلف تمامًا، وهو ما يجعل الأمر كارثة حقيقية من كوارث العصر الرقمي، لأن الإنسان لم يعد يمتلك السيطرة الكاملة على ما يتركه وراءه في الفضاء الإلكتروني”.
وأشارت إلى أن هذه المشكلة ترتبط أيضًا بما يسمى “اقتصاد الانتباه” و”اقتصاد الاعتراف”، موضحة أن هناك من يسعى إلى إعادة إنتاج المحتوى السلبي أو إعادة تدوير قضايا قديمة، ليس بهدف التوعية أو تحقيق المصلحة العامة، وإنما من أجل جذب المشاهدات والتفاعلات وتحقيق مكاسب على منصات التواصل الاجتماعي.
وتختتم قائلة: “المشكلة أن هذه العملية قد تتم على حساب الضحية، دون النظر إلى الأثر النفسي والاجتماعي والإنساني المدمر الذي يمكن أن يتركه إعادة نشر هذه المواد على المرأة وأسرتها وحياتها بالكامل. وهنا نحتاج إلى وعي حقيقي بأن ما يحقق مشاهدات أو تفاعلًا على المنصات قد يعني في المقابل تدمير حياة إنسان”.
ختام الندوة
وفي ختام الندوة، أوجزت الدكتورة فرناز عطية بعضاً من النقاط الرئيسية التي جرى التطرق إليها في الندوة، حيث أكدت ضرورة التحرك العاجل لمواجهة المخاطر المتزايدة في الفضاء الرقمي، قائلة: “يجب أن نلحق بالفضاء الرقمي قبل أن يتحول إلى فضاء للجريمة والتحرش والعنف، خصوصًا ضد المرأة، كما يجب أن نكون قادرين على إنقاذ الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أن يتحول إلى مولّد للمشكلات، خاصة أن المرأة هي الأكثر تعرضًا لهذه المشكلات وتداعياتها السلبية”.
وشددت على أن المواجهة تبدأ من الوعي والتربية الإعلامية في سن مبكرة، موضحة: “نؤكد ضرورة الوعي وضرورة التربية الإعلامية منذ مراحل الطفولة المبكرة، كما قالت الدكتورة سوزان، كما نؤكد أهمية الانفتاح والمواجهة والتواصل والتأكيد على الرأي”.
وأضافت أن “التنشئة تمثل عنصرًا كبيرًا جدًا في هذه القضية، خصوصًا أننا لا ينبغي أن ننقاد بشكل كامل إلى أفكار الغرب والغربنة والحداثة والرأسمالية بكل ما تحمله من سلبيات، لأن لدينا مفكرين في الشرق قادرين، من خلال مناهجهم وأفكارهم، على تقديم الكثير من الحلول التي يمكن أن تفيدنا”.
كما أكدت أن مواجهة هذه التحديات تتطلب دعم المبادرات التي تستهدف تمكين المرأة وتعزيز وعيها في التعامل مع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، موضحة: “لابد أن نؤكد أهمية هذه النقاط، وأن نشجع المبادرات القائمة في هذا الإطار”.
ولفتت إلى إلى مبادرات دولية ومحلية في هذا المجال، قائلة: “لدينا على المستوى العالمي مبادرة اليونسكو المتعلقة بمدرسة المرأة للذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف دعم المرأة ومواجهة التحيز في الخوارزميات”. وتضيف: “ولدينا أيضًا المبادرات المحلية، وفي مقدمتها المجلس القومي للمرأة، الذي يقوم بدور مهم في تلقي الشكاوى، ونشر الوعي، وتنفيذ حملات تستهدف حماية الفتيات والنساء ومساعدتهن على مواجهة العنف، سواء الإلكتروني أو غير الإلكتروني، إلى جانب التعامل مع التحديات الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي”.
وأكدت أن حماية المرأة في العصر الرقمي لم تعد قضية هامشية، وإنما أصبحت مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا مبكرًا، وتربية إعلامية، وتشريعات قادرة على مواكبة التطور، إلى جانب مبادرات مجتمعية قادرة على تحويل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي من مصدر للتهديد إلى أداة للتمكين وحماية المرأة.
واختُتمت الندوة بفتح باب النقاش أمام الحضور، الذين أثروا الحوار بمداخلات وتساؤلات عكست تنوع الرؤى حول تحديات العنف الرقمي ضد المرأة ومخاطر التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأكدت المداخلات المختلفة أهمية تعزيز الوعي والتربية الإعلامية، وتطوير الأطر التشريعية، ودعم المبادرات المجتمعية، بما يضمن فضاءً رقميًا أكثر أمانًا، ويحمي المرأة من أشكال العنف والتحرش والاستغلال الإلكتروني.