بث تجريبي

أحمد شيخو يكتب: لبنان وسوريا.. مصير مشترك تفرضه الجغرافيا وتحكمه السياسة

تظل العلاقة بين سوريا ولبنان واحدة من أكثر العلاقات الإقليمية تعقيداً وتشابكاً في الشرق الأوسط، فبينما تحاول الجغرافيا فرض منطق التداخل العضوي والمصير الواحد، تأتي الحسابات السياسية والتقلبات التاريخية لتخلق حالة دائمية من التوتر والترقب.

واليوم، وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يجد البلدان نفسيهما أمام لحظة فارقة تتطلب إعادة تعريف هذه العلاقة بما يضمن استقرارهما وسيادتهما بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية الضيقة التي أثقلت كاهل الشعبين على مدار العقود الماضية. إن فهم هذه العلاقة لا يمكن أن يتم بمعزل عن استيعاب الجذور التاريخية والروابط الاجتماعية العميقة التي تتجاوز بكثير خطوط الترسيم الرسمية، وتؤكد في كل محطة أن أي اهتزاز أمني أو سياسي في إحدى العاصمتين يتردد صداه فوراً وبقوة في الأخرى، مما يجعل التأسيس لمستقبل أفضل ضرورة حتمية تمليها المصلحة العليا لا الخيارات الظرفية.

الجذور التاريخية والنسيج الاجتماعي المتداخل

لم تكن الحدود الفاصلة بين لبنان وسوريا وليدة مسار تاريخي محلي نابع من إرادة أبنائهما، بل جاءت نتيجة مباشرة لترتيبات الاستعمار الإنجليزي-الفرنسي عقب تفكك الإمبراطورية العثمانية وتحديداً عبر اتفاقية "سايكس بيكو" عام 1916 وإعلان "لبنان الكبير" عام 1920، حيث كان الجبل والساحل والداخل الشامي يشكلون فضاءً اقتصادياً واجتماعياً وإدارياً واحداً ضمن ما عرف تاريخياً ببلاد الشام الكبرى.

هذا التاريخ المشترك أنتج تكويناً اجتماعيًا شديد التشابه والتعقيد يتجسد بوضوح في الفسيفساء الطائفية والمذهبية المتماثلة المتمثلة في المسلمين السنة والشيعة والدروز والكرد والمسيحيين بمختلف طوائفهم، إضافة إلى التداخل الأسري والعشائري العريق الممتد عبر الحدود الممتدة لأكثر من ثلاثمائة كيلومتر، لا سيما في مناطق البقاع والشمال اللبناني المحاذية للريف الحمصي والطرطوسي.

وبسبب هذه الحساسية الديموغرافية والاجتماعية الفريدة، فإن أي تغير طفيف في التوازن السكاني أو السياسي في أحدهما ينعكس فوراً على التوازنات الداخلية الدقيقة في الآخر، مما يجعل الاستقرار حالة تكاملية لا تقبل التجزئة أو الفصل الاصطناعي.

الشريان الاقتصادي والتكامل الحيوية بين البلدين

وعلى الصعيد الاقتصادي، تجسد الجغرافيا حتمية الترابط والتكامل العضوي بين الدولتين الجارين؛ فبالنسبة للبنان، تُعد سوريا المنفذ البري الحيوي الوحيد نحو أسواق الخليج العربي والشرق، بينما يشكل لبنان، بموانئه البحرية وقطاعه المصرفي ونظامه الاقتصادي الحر، رئة تنفس وواجهة مالية وتجارية لا غنى عنها للدورة الاقتصادية السورية.

 ولذلك فإن التكامل بين البلدين ليس خياراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل هو ضرورة حيوية تمتد لتشمل حماية الأمن الغذائي والتبادل الزراعي المستمر، وإدارة الموارد المائية بحكمة عبر الاستفادة المشتركة من الأحواض والأنهار الحدودية كنهر العاصي والنهر الكبير الجنوبي، فضلاً عن مشاريع استراتيجية للطاقة والنقل مثل مشاريع ربط شبكات الكهرباء وخطوط الغاز. وكل هذه الملفات الاقتصادية والحيوية تتطلب بالضرورة تنسيقاً مؤسسياً عالياً وشفافية مطلقة بين دمشق وبيروت بعيداً عن الحساسيات السياسية الضيقة التي عطلت طويلاً مسارات التنمية المشتركة.

الدور المصري والمظلة العربية: صمام أمان ضد صراع المحاور

وفي سياق متصل، تكتسب الحاضنة العربية، وتحديداً الدور القيادي والريادي المصري، أهمية استراتيجية بالغة لكلا البلدين باعتبارها صمام الأمان الأساسي لحمايتهما من مخاطر الانزلاق إلى مستنقع الاستقطابات الإقليمية والمحاور الضيقة التي دفع البلدان أثماناً باهظة جراء التموضع فيها تاريخياً. ينطلق الفكر الاستراتيجي والقومي المصري من قناعة راسخة لا تقبل الشك بأن المشرق العربي يشكل عمقاً استراتيجياً حيوياً لا ينفصل بحال عن الأمن القومي المصري والعربي ككل.

لقد أثبت التراكم التاريخي أن تموضع لبنان أو سوريا ضمن صراعات المحاور الإقليمية أدى مراراً وتكراراً إلى تحويل أراضيهما إلى ساحات لتصفية الحسابات ونفوذ القوى الخارجية، مما فرض عزلات عربية ودولية مدمرة وساهم في تفكيك البنى الاقتصادية والاجتماعية فيهما. ومن هنا، تؤكد القاهرة باستمرار عبر تحركاتها الدبلوماسية وثوابتها السياسية على ضرورة احترام سيادة سوريا ولبنان على كامل أراضيهما الوطنية، ومشاركة كافة قطاعات الشعب ودعم مؤسسات الدولة الرسمية والجيوش الوطنية، ورفض أي تدخلات أجنبية تجعل من الإقليم مسرحاً لتحقيق أجندات الغير، مشددة على أن جامعة الدول العربية تظل المظلة الجامعة الأقدر على صون الاستقلال ودفع عجلة العمل العربي المشترك.

محطات التحول والتاريخ السياسي الشائك                               

لقد شهدت العلاقات السورية-اللبنانية عبر تاريخها الحديث محطات دراماتيكية كبرى صاغت الوعي السياسي للطرفين، بدءاً من حقبة الاستقلال وما شابها من حذر وجفاء سياسي نتيجة تمسك الشارع اللبناني بسيادته المستقلة مقابل التيارات القومية الداعية لتعزيز الروابط، مروراً بالدخول العسكري السوري عام 1976 تحت مظلة "قوات الردع العربية" لإدارة التوازنات المعقدة للحرب الأهلية اللبنانية.

وتلت ذلك مرحلة ما بعد اتفاق الطائف عام 1990 وحتى عام 2005 والتي فرضت فيها دمشق هيمنة سياسية وأمنية شاملة على مفاصل القرار اللبناني عبر صيغ رسمية مثل معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق. غير أن زلزال اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في عام 2005 وما أعقبه من انتفاضة شعبية أدى إلى انسحاب عسكري سوري كامل وتبادل تاريخي للسفراء، وصولاً إلى الأزمة السورية الكبرى عام 2011 وما رافقها من انقسام حاد في الساحة اللبنانية بين سياسة النأي بالنفس الرسمية والتدخلات العسكرية الميدانية، وهي محطات رسخت بيئة من القلق المتبادل والتحديات الشائكة التي تتطلب اليوم مقاربة شجاعة وموضوعية.

الهواجس الأمنية ومعضلة الحدود والنزوح

تتحرك العلاقات الراهنة في ظل شبكة معقدة من المخاوف المتبادلة والتحديات الأمنية والسياسية التي تتغذى على إرث الماضي وعقد غياب الثقة المتبادلة، حيث يتقابل الخوف اللبناني التاريخي المتجذر من عودة أشكال النفوذ أو الوصاية الأمنية والسياسية السورية مع خشية دمشق الحقيقية من تحول الأراضي اللبنانية إلى خاصرة أمنية رخوة أو منصة إقليمية ودولية لاستهداف الاستقرار والنظام السياسي في سوريا.

وتتفاقم هذه المعضلات في ظل غياب الترسيم النهائي والدقيق للحدود البرية والبحرية بين البلدين في مناطق محددة مثل شبعا وكفرشوبا والرفيد والمنطقة البحرية الشمالية، فضلاً عن أزمة انتشار المعابر غير الشرعية التي تنشط من خلالها شبكات التهريب المنظم للاقتصاد والعملات الصعبة والمحروقات بشكل يضر بمصالح البلدين الاقتصادية.

يضاف إلى ذلك كله تركة الملفات الإنسانية الموجعة كقضية المفقودين والمعتقلين التي تظل جرحاً غائراً يعيق بناء ثقة شعبية حقيقية، بالتوازي مع التحدي الضاغط لملف النزوح السوري في لبنان وما يفرضه من أعباء هيكلية على البنية التحتية والاقتصاد اللبناني المتهالك في ظل تعقيدات سياسية وإقليمية ودولية تحيط بظروف العودة الآمنة والمستدامة.

التعاطي مع التهديد الإسرائيلي وضغوط القوى الدولية

ولا يقتصر المشهد على ذلك، بل إن توظيف العامل الطائفي والمذهبي واستدعاء العصبيات عابرة الحدود من قبل بعض القوى السياسية في بيروت ودمشق لتعزيز مواقعها الداخلية قد أدى تاريخياً إلى تفريغ مفاهيم الدولة الوطنية والسيادة من مضامينها الحقيقية، وجعل الجانبين عرضة للانكشاف الأمني والاستقطاب الخارجي عند كل استحقاق دقيق. وتتجسد خطورة هذه الانقسامات بوضوح جلي عند مقاربة التهديد والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة؛ حيث تواجه السياسة الرسمية السورية للسلطة الحالية انتقادات واسعة جراء حالة الصمت الميداني والانكفاء الاستراتيجي والهروب من الرد على الغارات والتوغلات التي تستهدف السيادة السورية تحت ذريعة هشاشة الأوضاع الداخلية والمرحلة الانتقالية.

في حين سلكت التجربة اللبنانية – رغم حدة الانقسامات الحادة حول سلاح المقاومة – مساراً تفاوضياً براغماتياً تمثل في الوصول إلى اتفاق الإطار لضبط الحدود ولترسيم الحدود البحرية عبر الوساطة الدولية لانتزاع الحقوق النفطية وتثبيت السيادة. وفي سياق متصل، برزت التحذيرات من تصريحات الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب بشأن زج سوريا في المستنقع اللبناني مجدداً أو محاولة استغلال الأطراف الإقليمية والدولية للشام كساحة للوكالة، لتؤكد مجدداً أن استقرار البلدين لن يتحقق بالاستقواء بالخارج أو الخضوع للإملاءات، بل بتمسك بقرار وطني مستقل يرفض التبعية ويحمي مؤسسات الدولتين.

خريطة طريق نحو شراكة متوازنة ومستقبل آمن

وختاماً، يتضح جلياً أن المستقبل لا يمنح لبنان وسوريا رفاهية التباعد أو العداء أو التوتر المستمر، كما أنه لم يعد يحتمل بأي حال إعادة إنتاج صيغ الهيمنة القديمة أو الارتهان للمحاور الخارجية المدمرة. إن خريطة الطريق الحقيقية لعلاقة صحية ومتوازنة تبدأ حتماً باحترام مبدأ السيادة والندية التامة والتعامل عبر القنوات الدبلوماسية الرسمية، والالتحاق الصريح بالحاضنة والعمق العربي، والبدء الفوري بترسيم الحدود وضبط المعابر وإغلاق الثغرات غير الشرعية، ومأسسة العلاقات الاقتصادية والتجارية، ومعالجة الملفات الإنسانية والنزوح بحكمة بعيداً عن التسييس.

إن المصير المشترك الذي تفرضه الجغرافيا والتاريخ يفرض على دمشق وبيروت الانتقال الشجاع من مرحلة الاستقواء والتجاذب إلى مرحلة التكامل والمصلحة المتبادلة في ظلال العمق العربي القومي، بما يصون استقلال البلدين ويضمن أمنهما واستقرارهما وكرامة شعبيهما في عالم يموج بالتحولات والمتغيرات القاسية.

...... نقلاً عن مجلة الوطن العربي

 

قد يهمك