بث تجريبي

العميد الركن أيمن الروسان: الهجوم الحوثي اختبار مبكر لاتفاقية مكة لكن الاختبار الحاسم لم يأتِ بعد

قال العميد الركن أيمن الروسان، الخبير الأردني في الصناعات الدفاعية، إن المشهد اليمني والإقليمي يدخل مرحلة معقدة، مشيرًا إلى أن السعودية تواجه معضلة بين خيار التصعيد العسكري وخيار الحل السياسي، في ظل عدم نجاح العمليات العسكرية التقليدية السابقة في إنهاء قدرات الحوثيين بشكل كامل.

وأضاف الروسان، في تصريح لموقع المبادرة، أن التصعيد المتبادل قد يقود إلى استنزاف السعودية واليمن ورفع حجم الخسائر، بينما تبقى السيناريوهات مفتوحة بين استمرار الهجمات المحدودة بالصواريخ والطائرات المسيرة، أو الانتقال إلى عمليات عسكرية أوسع، أو توسع الصراع ليأخذ بعدًا إقليميًا مرتبطًا بالممرات البحرية.

وأوضح أن القوات الحكومية اليمنية لا تملك وحدها القدرة على حسم المواجهة، وأن أي تقدم ميداني سيبقى مرتبطًا بدرجة كبيرة بحجم ونوعية الدعم الخارجي.

وفيما يتعلق باتفاقية مكة، قال الروسان: "في هذا السياق يمكن النظر إلى الهجوم الحوثي على السعودية باعتباره أول اختبار سياسي وأمني لاتفاقية مكة، خصوصًا أنه جاء بعد وقت قصير من توقيعها، لكن من المهم ألا نستعجل الحكم ونقول إن الاتفاقية فشلت لمجرد أن تركيا وباكستان لم تدخلا عسكريًا بشكل مباشر".

وأضاف: "الاتفاقية في جوهرها واضحة من الناحية السياسية، وهي تقوم على أن الهجوم المسلح على دولة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره هجومًا على الجميع، لكن هناك فرقًا بين وضوح مبدأ الدفاع المشترك وبين تفاصيل وآليات تنفيذه".

وتابع: "بمعنى آخر، الاتفاقية تعني وجود التزام بالدفاع، لكنها لا تعني بالضرورة أن كل هجوم سيقابل بإرسال قوات أو طائرات مقاتلة، فقد يكون الرد استخباريًا أو لوجستيًا، أو من خلال توفير الأسلحة والذخائر، أو دعم الدفاع الجوي، أو قد يصل إلى تدخل عسكري مباشر إذا بلغ التهديد مستوى معينًا".

وأشار إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من التوضيح أمام الرأي العام بشأن آليات تطبيق الاتفاقية، قائلًا: "وهنا تحديدًا تكمن النقطة التي تحتاج إلى مزيد من التوضيح أمام الرأي العام، لأنني لا أصف الاتفاقية بأنها غامضة، وإنما أميز بين المبدأ المعلن وبين آليات التطبيق التي قد تكون جزءًا من تفاهمات عسكرية لم تُعلن تفاصيلها، وحتى في التحالفات الكبرى ليس كل هجوم يؤدي تلقائيًا إلى دخول جميع الأطراف في حرب مباشرة، فالدفاع المشترك له مستويات وأدوات متعددة، وقد يبدأ بالمعلومات والدعم اللوجستي وينتهي بالتدخل العسكري المباشر إذا تطورت طبيعة التهديد".

وأكد الروسان أن الهجوم الحوثي يمثل اختبارًا للاتفاقية، لكنه ليس اختبارًا حاسمًا، موضحًا: "لذلك، فإن الهجوم الحوثي هو بالفعل اختبار لاتفاقية مكة، لكنه اختبار مبكر ومحدود وليس الاختبار الحاسم، والسؤال الحقيقي سيكون: ماذا يحدث إذا تعرضت السعودية لهجوم واسع ومنظم، أو استهداف متكرر لمنشآت استراتيجية، أو حملة كبيرة بالصواريخ والطائرات المسيرة؟ عندها فقط يمكن معرفة قدرة الاتفاقية على الانتقال من التضامن السياسي إلى الدفاع العسكري المشترك".

وأضاف: "وهنا يجب أن ننظر إلى الاتفاقية من زاوية أخرى، فالهدف الأساسي من أي تحالف دفاعي ليس أن يخوض الحرب، وإنما أن يمنع الحرب من الأصل، فقيمة الاتفاقية تبدأ من قدرتها على الردع".

وتابع: "فإذا أصبح الطرف الذي يفكر بمهاجمة السعودية يعرف أنه قد لا يواجه السعودية وحدها، وإنما قد يواجه معها تركيا وباكستان، فهذا بحد ذاته يرفع تكلفة أي مغامرة عسكرية ويغير حسابات الخصم، لذلك فإن عدم رؤية طائرات تركية أو باكستانية فوق السعودية في هذا الاختبار المبكر لا يعني بالضرورة أن الاتفاقية لم تعمل، فقد يكون أهم ما حققته حتى الآن هو الرسالة التي وجهتها إلى المنطقة، وهي أن أمن السعودية أصبح مرتبطًا بشبكة دفاعية أوسع".

وفي المقابل، شدد الروسان على أن توقيع الاتفاقية وحده لا يكفي للحكم على نجاحها، قائلًا: "وفي المقابل، لا يمكن أيضًا اعتبار الاتفاقية ناجحة بشكل كامل لمجرد توقيعها، فالاتفاقات لا تقاس فقط بنصوصها، وإنما بقدرتها على العمل عندما تتعرض لاختبار حقيقي، والاختبار الحقيقي لاتفاقية مكة ليس أن نرى من سيرسل قواته أولًا، وإنما أن نعرف عند أي مستوى من التهديد تتحول عبارة "الهجوم على أحد هو هجوم على الجميع" من رسالة ردع سياسية إلى قرار عسكري فعلي، وهذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأحداث المقبلة".

واختتم الروسان حديثه قائلًا: "وكلمة أخيرة أقولها: إن الاتفاقات تختبر في الميدان، وتتراكم قيمتها من خلال التجارب، فكل أزمة وكل تهديد يكشف مدى صلابة هذه الاتفاقات وقدرتها على التحول من النصوص إلى الأفعال، كما أن خريطة التوازنات في المنطقة لم تعد كما كانت، والتحالفات لم تعد تقوم فقط على الجغرافيا أو التاريخ، وإنما على المصالح والقدرة على الردع وتحمل كلفة المواجهة".

وأضاف: "والاتفاقية أُبرمت في يوم الجمعة وفي مكة، وهي تحمل رمزية سياسية ودينية كبيرة، لكن الرهان الحقيقي ليس على الرمزية وحدها، وإنما على ما تستطيع هذه الاتفاقية أن تفعله عندما تصبح الحماية موضع اختبار، لذلك فإن مظلة الحماية ستبقى محل شك إلى أن تثبت الأيام أنها ليست مجرد إعلان سياسي، وإنما قدرة حقيقية على تغيير حسابات الخصوم وحماية الدول التي وقعت عليها".

 

قد يهمك