بث تجريبي

العلاقات التركية الإسرائيلية: من «الصداقة المتوترة» إلى التنافس الهيمني خلال 78 عامًا (1949-2026)

تقوم هذه المقالة بتحليل العلاقات بين الجمهورية التركية ودولة إسرائيل في الفترة من 28 مارس 1949 إلى عام 2026 من خلال أطروحة "الانتقال من البراغماتية القائمة على المصالح إلى التنافس الهيمني". وتتمثل الحجة الأساسية للدراسة فيما يلي: إن سبب التوتر بين تركيا وإسرائيل ليس عداء أيديولوجيا، بل هو صراع قوة صفري يدور على أربعة محاور استراتيجية هي سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط وفلسطين والقيادة الإقليمية. تسعى الدولتان إلى أن تصبحا قوة إقليمية مهيمنة دون تقديم تنازلات حول موقعهما الجيوسياسي. وتتمثل الديناميكيات الرئيسية للانقطاع بعد عام 2023 في انسحاب الولايات المتحدة واتفاقيات إبراهيم وأحداث 7 أكتوبر 2023. ويمثل ميثاق مكة الذي تم توقيعه في أغسطس 2026 بين المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا التعبير المؤسسي عن سعي تركيا إلى التموضع كقوة ثالثة بين الثنائية الإسرائيلية الإيرانية. أما إسرائيل فهدفها ليس دفع تركيا إلى المحور الإيراني، بل منع أنقرة من أن تصبح قوة منافسة في بنيتها الأمنية وممرات الطاقة التي أنشأتها.

أحمد حسن الكاتب السياسي 

القسم الأول: فترة 1949 2023 البراغماتية القائمة على المصالح.

هذه الفترة التي استمرت 75 عاما لم تقم على تقارب أيديولوجي، بل على إدراك التهديد المتبادل.

1.1 الحرب الباردة 1949 1991 التقارب الأمني.

كان اعتراف تركيا بإسرائيل في 28 مارس 1949 نتيجة للاندماج في المعسكر الغربي والسعي لتحقيق توازن ضد القومية العربية لناصر. ويمكن وصف هذه الفترة بأنها "شراكة سرية". استمر التعاون طالما كانت هناك تهديدات مشتركة.

1.2 تسعينيات القرن العشرين العصر الذهبي والمؤسسة.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أدى إدراك إيران وسوريا كتهديد إلى "الشراكة الاستراتيجية" من خلال اتفاقية التدريب والتعاون العسكري لعام 1996. قامت إسرائيل بتدريب الطيارين الأتراك ووصلت صادرات الصناعة الدفاعية إلى 1.5 مليار دولار. ومع اتفاقية التجارة الحرة لعام 1996 وصل حجم التجارة الثنائية إلى 3.5 مليار دولار في عام 2008. كانت هذه الفترة هي الفترة التي احتاجت فيها الدولتان إلى بعضهما البعض لكسر عزلتهما الإقليمية.

1.3 2002 2023 نموذج العلاقة بإدارة الأزمات.

مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، أصبحت القضية الفلسطينية في قلب السياسة الخارجية. وأدى ذلك إلى أزمات دافوس 2009 وسفينة مرمرة 2010 والقدس 2018. ومع ذلك، أثبت حجم التجارة البالغ 9.2 مليار دولار في عام 2022 أن العلاقة قائمة على المصالح وبعيدة عن الأيديولوجيا. الصيغة كانت الانفصال سياسيا والاعتماد اقتصاديا.

القسم الثاني: الانقطاع 2023 2026 أربعة خطوط صدع للتنافس الهيمني.

إن فترة ما بعد عام 2023 هي فترة مؤسسة للتنافس وليس للتعاون. والسبب ليس الأيديولوجيا، بل تداخل مناطق القوتين الصاعدتين في نفس الجغرافيا.

2.1 سوريا ساحة أمنية صفرية.

سوريا هي الساحة التي تختبر فيها الدولتان قوتهما العسكرية بشكل مباشر. بالنسبة لإسرائيل، يجب أن تكون سوريا منطقة يتم فيها قطع خط إمداد إيران وتوسيع الجولان وإبقاء دمشق ضعيفة. أما بالنسبة لتركيا، فيجب أن تكون سوريا منطقة يتم فيها تصفية وحدات حماية الشعب ودمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري وتحقيق التطبيع مع دمشق وترسيخ النفوذ التركي. الهدفان متعارضان. لذلك فإن التعاون في سوريا غير ممكن والتنافس حتمي.

2.2 غزة وفلسطين صراع الشرعية والقيادة.

حولت أحداث 7 أكتوبر 2023 القضية الفلسطينية إلى الأداة الرئيسية لشرعية القيادة التركية في العالم الإسلامي السني. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن غزة هي نقطة الصفر للأمن الوجودي. بينما تلعب تركيا دور "حامي المسلمين" من خلال دعمها لحماس، تعتبر إسرائيل ذلك تهديدا مباشرا لأمنها. لا يوجد مجال للتسوية في خط الصدع هذا، بل يوجد تموضع فقط.

2.3 شرق البحر الأبيض المتوسط وبيسان هيمنة الطاقة والتجارة.

كان اكتشاف حقل لفياثان في عام 2010 ومنتدى غاز شرق المتوسط استراتيجية إسرائيلية لتجاوز تركيا. وكانت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التركية مع ليبيا محاولة لإحباط هذه الاستراتيجية.

وفي الفترة 2025 2026 انتقل التنافس إلى ساحة جديدة وهي ممر بيسان للطاقة. يهدف خط العراق سوريا الأردن بيسان حيفا إلى ربط شرق البحر الأبيض المتوسط "ملتقى البحار الأربعة" بالخليج العربي. هدف إسرائيل هو إنشاء ممر طاقة وتجارة بديل لمضيق هرمز ومستقل عن إيران. أما هدف تركيا فهو عدم فقدان موقعها كدولة عبور وقوتها التفاوضية في شرق البحر الأبيض المتوسط من خلال بقائها خارج هذا الممر. لذلك لم تعد الطاقة مسألة اقتصادية، بل أصبحت البنية المادية لادعاء الهيمنة الإقليمية للبلدين.

2.4 القيادة الإقليمية صراع الكتلة الثالثة.

هذا هو الصراع الأساسي. تسعى تركيا إلى قيادة "الكتلة الثالثة" من خلال إرث الدولة العثمانية ومحور الإسلام السني. بينما تهدف إسرائيل إلى أن تصبح "مهندس أمن المنطقة بعد الولايات المتحدة" من خلال اتفاقيات إبراهيم والتفوق في التكنولوجيا العسكرية. يمثل التنافس بالوكالة في سوريا وقطر والسودان والصومال تصادم هذين المشروعين على الأرض.

القسم الثالث: الأسباب الهيكلية للانقطاع.

هناك ثلاثة أسباب لظهور هذا التنافس في عام 2023.

أولا انسحاب الولايات المتحدة من سوريا. مع تراجع القوة الموازنة أصبح التنافس بين القوتين الإقليميتين واضحا.

ثانيا اتفاقيات إبراهيم 2020. أدى تطبيع إسرائيل مع الكتلة السنية إلى استبعاد تركيا ودفع أنقرة إلى إحساس بالحصار.

ثالثا 7 أكتوبر 2023. أسقطت القناع الدبلوماسي وأثبتت أن الرؤيتين الإقليميتين للبلدين متعاكستان تماما.

القسم الرابع: استراتيجية تركيا أن تصبح القوة الثالثة من خلال ميثاق مكة.

ولكي لا تكون تركيا رهينة للتنافس الثنائي الإسرائيلي الإيراني، أنشأت ميثاق مكة مع المملكة العربية السعودية وباكستان في أغسطس 2026. والهدف من هذا الميثاق ليس الوساطة بل تراكم القوة.

الهدف الأول الحصول على قوة تفاوضية من خلال أمن الطاقة في مضيقي هرمز وباب المندب.

الهدف الثاني الردع ضد التفوق العسكري الإسرائيلي.

الهدف الثالث أن تصبح مركزا بديلا لإيران وإسرائيل في العالم السني.

باختصار، تستخدم تركيا القضية الفلسطينية كموقف أيديولوجي وتنفذ استراتيجية لتصبح "القوة الهيمنية الثالثة" بين إسرائيل وإيران.

القسم الخامس: استراتيجية إسرائيل السيطرة على تركيا كمنافس.

الحساب الأساسي لإسرائيل هو التالي: ليس دفع تركيا إلى المحور الإيراني، بل منع أنقرة من أن تصبح قوة منافسة في البنية الأمنية وممرات الطاقة التي أنشأتها.

لذلك فإن سياسة إسرائيل في سوريا لا تهدف إلى تدمير دمشق بالكامل، بل إلى منع تركيا من أن تصبح منطقة نفوذ وحيدة.

وفي سياسة الطاقة، قد يجبر ارتفاع تكلفة خط إيست ميد إسرائيل على التفكير في بدائل مثل بيسان، لكن حصول أنقرة على كلمة في هذا الممر يمثل مخاطرة استراتيجية جديدة لتل أبيب. السيناريو المثالي لإسرائيل هو أن تكون تركيا قوة إقليمية ولكن خاضعة للنظام الذي أنشأته إسرائيل.

القسم السادس: الوضع الحالي التنافس الهيمني

اعتبارا من عام 2026، العلاقة ليست "عداء" بل "تنافس هيمني".

الدبلوماسية لا يوجد سفراء، ويتم التفاوض على المصالح عبر قطر والولايات المتحدة.

العسكرية لا يوجد صدام مباشر في سوريا، لكن خطر المواجهة هو في أعلى مستوياته.

الاقتصاد انخفضت التجارة الرسمية بنسبة 50 بالمئة، لكن القنوات غير المباشرة لا تزال مفتوحة. لأن القطيعة الكاملة تضر بالطرفين.

السياسية يوجد انفصال أيديولوجي ورؤيوي كامل.

الخلاصة العام

انتهى نموذج "التهديدات المشتركة" الذي أبقى فترة 1949 2023 قائمة. فترة 2023 2026 هي فترة "مشاريع الهيمنة المتعارضة".

إن تركيا وإسرائيل ليستا متنافستين لأسباب أيديولوجية، بل لأنهما تريدان أن تصبحا قوة مهيمنة في نفس الجغرافيا. تسعى الدولتان إلى أن تصبحا قوة دون تقديم تنازلات حول موقعهما الجيوسياسي.

تسعى تركيا إلى أن تصبح "قوة ثالثة" بين إسرائيل وإيران باستخدام محور فلسطين والإسلام السني. بينما تحاول إسرائيل منع تركيا من أن تصبح مركزا منافسا لها في المنطقة من خلال البنية الأمنية وممرات الطاقة التي أنشأتها.

إن ممر بيسان وكون شرق البحر الأبيض المتوسط "حوض التقاء البحار الأربعة" سيجعلان من هذا التنافس الساحة الرئيسية للعقد القادم.

وفي الختام انتهت فترة "الصداقة المتوترة" التي استمرت 78 عاما. وحل محلها صراع هيمنة ثلاثي الأقطاب يتبلور بين محور الولايات المتحدة إسرائيل والمحور الإيراني والكتلة الثالثة بقيادة تركيا. وسيحدد مستقبل سوريا وممرات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط وبيسان من سيكون الفائز في هذا الصراع.

=======

المصدر : مركز إنشاء للمعلومات والأخبار

قد يهمك