بث تجريبي

خبات آندوك يكتب: في الوطن المشترك: اشتراكية الأمة الديمقراطية وفلسفة الكردي الحر

كل شيء في الطبيعة حَيّ، ولا يوجد كائن يُنعت بـ "الجماد" يحمل همّ إثبات ذاته أو إبراز وجوده؛ لأن هذه الإرادة ترتبط بالوعي أكثر من ارتباطها بالعقل. لكل خلية، ولكل جُسيم، ولكل شيء عقله الخاص، ولكن حين يغيب الوعي الذي يُشكل المعنى، يستمر العقل فقط في حركته المتناغمة داخل دورة محددة. لذلك، لا يمكن القول إن "أي شيء" هو كائن إرادي؛ فهو موجود، يُسمّى، تُحدد وظيفته، ويُقيّم، وهذا كل شيء! وما بعد ذلك، عندما يتعرض الوجود للتلاشي، يحدث الدمار. وإذا لم يحدث الدمار، يحدث التحول، وهذا التحول يجلب معه حالة جديدة وبنية جديدة.

على سبيل المثال، في عالمنا الذي يتعرض للخراب يوماً بعد يوم، أدى التآلف بين البنيات العنصرية والتكوينات الجديدة الناتجة عن اجتماعها وتناغمها إلى خلق بيئة حياتية، ولهذا ظهر هذا التنوع الكبير. ولو لم يكن هذا التناغم موجوداً، لما كانت هناك حياة. ونحن نقول "عالمنا الذي يتعرض للخراب"؛ لأننا نتدخل في توازن العناصر المركبة أو البيولوجية الموجودة، ونخل بالتناغم الذي يتيح الحياة، عبر زيادة أو تقليل نسب هذه العناصر، مما يؤدي إلى قلب التوازن رأساً على عقب. ويمكن توضيح ذلك كالتالي: لو تم التدخل باستمرار في ذرة الأكسجين وإحداث تفكك فيها لخلق بنية ذرية جديدة دون إبقاء أي ذرة أكسجين، لما بقيت هناك حياة على الأغلب. لأن التدخل المستمر والتفكيك والتحويل المتواصل إلى شيء آخر يقضي على توازن الحياة المتشكل، وحينها لن يوجد الماء، وبالتالي لن تبقى حياة. بالطبع، ولأن هذا لا يخضع لمحور وعي، فلن يشكل الأمر خطراً على عنصر الأكسجين بذاته، ولكنه سيكون دماراً للإنسان ولجميع الكائنات والأحياء الأخرى. وستنشأ حالة من الفوضى الجديدة، وتكوينات ومركبات جديدة وما تنتجه من أوضاع لا يمكن التنبؤ بها في الزمكان.

إن أي كائن حي بالمعنى المعروف يتجه نحو خطر الإبادة، إما أن يقاوم أو يغير شكله بما يتلاءم مع الوضع الجديد. ولكن عندما يكون الكائن المعرض لخطر الفناء هو الإنسان والمجتمعية التي تحققه، تظهر نتائج تراجيدية. لأن الإنسان هو من يمنح المعنى ويحمله؛ فهو من ينقل الحزن والفرح، العدالة والظلم، المساواة واللامساواة، العبودية والحرية، القمع والمقاومة، الأسى والأمل إلى المستقبل. إنه بتركيبته المعقدة واحتوائه على كل شيء، يُعتبر بمثابة كون مصغر. وكل مجتمع هو العنصر والمكون الأساسي لهذا الكون المصغر.

مذابح الحداثة الرأسمالية ومرض الدولة-القومية

للأسف، فإن الحداثة الرأسمالية؛ عندما كرست نظامها عبر أركانها الثلاثة المتمثلة في "الرأسمالية، الدولة-القومية، والتصنيع (Industrialism)"، أحدثت مذابح كبيرة جداً. ومن أجل تحقيق حركة حرّة وآمنة لرأس المال وحصد المزيد من الأرباح، استغل أصحاب رؤوس الأموال المزيد من البشر، واحتلوا المزيد من الأراضي، واستنزفوا الطبيعة بلا هوادة للحصول على المواد الخام. إن الشغف بتحقيق الربح جلب معه المزيد من الإنتاج؛ والمزيد من الإنتاج جلب معه ممارسات طائشة تضر بالطبيعة؛ وهذا الوضع عرض "الطبيعة الأولى" لمخاطر كبيرة. إن قدرة الطبيعة على الاستمرار في إعالة الحياة أصبحت تحت خطر كبير نتيجة هذه المفاهيم التصنيعية.

من ناحية أخرى، وفي سياق موضوعنا، فإن مفهوم الدولة-القومية قد قضى على المئات من الثقافات والأديان واللغات والأمم والتنوعات. فقد كانت هناك أمم مهيمنة وأمم أخرى صُهرت أو زالت أو تعرضت للإبادة الجماعية داخلها. إن الفكرة والمفهوم القائلين بضرورة أن تكون لكل أمة دولة، أو أن الأمة تُبنى فقط من خلال وحدة اللغة والأرض والسوق المشترك، هي التي أدت إلى هذه النتيجة. إن مفهوم "دولة لكل أمة" رأى نفسه مع مرور الوقت كأمة جليلة، وشعب سامٍ، وعرق وشعب ووطن تفوقي؛ ونظر إلى من هم خارجه على أنهم عناصر يجب أن تتشابه معه وتتماثل مع المهيمن -أي تزول- حتى لو كانت تخدمه. "أمة واحدة، وطن واحد، علم واحد، دين واحد" هي نتاج هذا الفكر.

ونتيجة لذلك؛ إذا اعتبرنا العالم بستاناً وكل شعب أو دين فيه وردة أو زهرة، فسنرى أن الورود والأزهار المتنوعة الموجودة في البستان يُسعى تدريجياً لفرض نمط واحد عليها. إن مفهوم الدولة-القومية يفرض أن على كل أمة أن تتبنى وتؤسس الدولة-القومية لكي تحقق وجودها، وأن عليها القضاء على الشعوب والأديان الأخرى التي تعيش معها، أي إن باراديجماتها تنتج هذه النتيجة. إن نهج البعض القائم على "أن أكون حتماً فوق الجميع، وأن تكون أمتي فوق كل الأمم الأخرى، وأن يتم استعباد من هم خارجي والقضاء عليهم" هو نتيجة لسمّ الدولة-القومية ومرضٌ من أمراضها. في حين أنه في المراحل التي سبقت الفكر الأحادي للدولة-القومية، والتي تطورت بشكل طبيعي، لم يكن مثل هذا النهج موجوداً بكثرة. هذا ليس مجرد وضع عابر، بل هو مرض ناتج عن انعكاسات الذهنية القوموية للدولة. وقبل مائتي عام من الآن، لم تكن سمات إبادة المجموعات الإثنية للمجموعات الأخرى أو تحويلها إلى ذاتها مجسدة كما ظهرت أثناء وبعد عملية نشوء ذهنية الدولة-القومية. ومع بزوغ نجم "الأمم" وتلميعها عبر الدولة-القومية؛ يجب علينا رؤية حقيقة المجازر، والإبادة الثقافية، والإبادة الاقتصادية، والإبادة الجماعية، والإبادة السياسية والاجتماعية التي تعرضت لها المئات من الأمم.

الحقيقة الكردية: من المجتمعية التاريخية إلى أعتاب الإبادة الجماعية

لفهم كل هذه الحقائق بشكل أفضل، من المهم فهم البنية التاريخية والاجتماعية للكرد. يخبرنا علم التاريخ أن أشكال المجتمعية الأولى كانت على نمط العشيرة (الكلاّن)، وتلاها القبيلة التي يمكن اعتبارها أيضاً تنظيم دفاعي. وفي كردستان، عاشت فترة العشيرة والقبيلة القائمة على صلة الدم لآلاف السنين كشكل اجتماعي أساسي. وهذا هو الخلفية التاريخية لكون العائلية والقبائلية لا تزال قوية جداً لدى الكرد. ولكن مع سقوط اتحاد القبائل الميدية، الذي يمثل ذروة التنظيم الاجتماعي القبلي القائم على صلة الدم، انتقل الكرد إلى مرحلة تاريخية مختلفة.

سعى زردشت بدلاً من القبائلية القائمة على الدم، ومن خلال أيديولوجية تنبع من الثقافة التقليدية في كردستان، إلى إيجاد حلول لمشاكل الوجود والحرية لدى الكرد؛ أي إنه وضع الأيديولوجية بدلاً من صلة الدم الضيقة. ولكن بعد أن جعلت النخبة الحاكمة الفارسية من أيديولوجيته دينَ بلاط، لم يكن تأثيرها داخل المجتمعية الكردية طويل الأمد ولا بالشكل المطلوب. وما تلا ذلك كان مرحلة محاولة الكرد خلق مساحة عيش لأنفسهم داخل أيديولوجيات تابعة للآخرين. لم يكن المجرى جيداً، وأدى هذا الوضع بالكرد إلى أعتاب الإبادة الجماعية في ظروف الحداثة الرأسمالية. وبالفعل، فإن القرنَين الأخيرين يمثلان هذا المعنى تماماً بالنسبة للكرد.

في وقتنا الحالي، يعيش أكثر من 60 مليون كردي في جميع أنحاء العالم. ولكن حتى قبل نصف قرن، لم يكن وجود الكرد مقبولاً في أي مكان. وكان الكرد المقيمون في كل جزء من أجزاء كردستان المقسمة إلى أربعة، مجتمعاً محكوماً عليه بالفناء من قبل الدولة التي يقع ضمن حدودها الرسمية. وحتى قبل نصف قرن، ناهيك عن التمسك بلغة الكرد وهويتهم، لم يتركوا لهم حتى تاريخاً يمكنهم التمسك به. لقد مرت سياسات التذويب (الأسملة) كالجرافة على المجتمع الكردي في كل المجالات، وتمت إزالة جميع القيم الموجودة باسم الكردوارية تقريباً. كان هناك "كرد الجبال" الذين يتحدثون بلغة غير معروفة، و"أتراك الجبال" الذين أُطلق عليهم هذا الاسم من صوت "كارت كورت" عندما يطؤون الثلج، و"الكرد ذوو الأذيال"! لقد كان هناك مجتمع يخجل من ملبسه ويفر من حقيقته. لم يُترك تقريباً أي سند تاريخي أو مفهوم أو بيانات أو وجهة نظر أو بنية ذهنية يستطيع الكرد التمسك بها وبحثها وتطويرها. لقد قامت الأمة المهيمنة في كل جزء بفرز الثراء التاريخي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي للكرد وجعلته سنداً لنفسها؛ وربطت استمرار وجودها نتيجة لذهنية الدولة-القومية بإبادة ما هو ليس منها.

وحول هذه الآلية التي أُقيمت على الكرد، يذكر القائد عبد الله أوجلان (Önder APO) ما يلي: "إن انتهاء جميع الانتفاضات في القرنَين الأخيرين بمجازر مروعة، ونفي، وقمع، وعقوبات، وتفعيل سياسة التدمير الاقتصادي لاحقاً في جغرافية كردستان وتجويع الكرد، قد مزق النسيج الاجتماعي في كردستان، وجعل الناس لا يفكرون في شيء سوى إعالة عائلاتهم. إن إنقاذ الشعب الكردي من هذه اللوحة، وتمكينه من التمسك بوجوده ولغته وثقافته مجدداً، كان يتطلب نضالاً شاقاً. ولم يكن الوصول إلى الوضع الحالي ممكناً إلا من خلال المقاومة في السجون، والنضال البطولي للكريلا، والانتفاضات (السريهيلدان) التي انتشرت على نطاق المجتمع".

فلسفة الحياة القائدية وولادة "التاريخ الكردي المعاصر"

مع حركة الحرية التي طورها القائد أوجلان، ظهرت حقيقة جديدة بالنسبة للتاريخ الكردي والكردستاني. فبعد زردشت، نجح في تطوير عقل كردي وأيديولوجية كردية تستند إلى التقاليد الاجتماعية التاريخية للكرد وثقافتهم الأصيلة وتتجاوز صلة الدم. وهذه العملية التي بدأت مع المجموعة القائدية وزادت زخمها مع حزب العمال الكردستاني (PKK)، يعبر عنها القائد أوجلان بـ "التاريخ الكردي المعاصر". إن الميزة الأساسية التي تميز التاريخ الكردي المعاصر عن المرحلة السابقة هي تحقيق النظرية والتطبيق لـ "فلسفة الحياة القائدية" معاً. فمن ناحية، وعلى الرغم من البداية بمجموعة صغيرة، تم تنظيمها في كل مكان، ومن ناحية أخرى، تم القيام بأفعال نضالية لتعزيز هذا التنظيم وتحويل هذه القوة التنظيمية تدريجياً إلى جماهير. أي إنه من خلال إبراز الذهنية التي تعبر عن الهوية الأيديولوجية، تم خلق فلسفة الحياة؛ وبفلسفته ونظريته تم خلق التنظيم؛ وبتنظيمه تم خلق قوة الفعل والنضال، وتحويل كل ذلك عبر التجذر بالمقاومة إلى مؤسساتية. وبذلك تغير الطالع العاثر للكرد، وبدأت المرحلة المعبر عنها بالتاريخ الكردي المعاصر.

وبفضل النضال الممتد لـ 52 عاماً لقيادة حركة الحرية الكردية، تم عكس ممارسة الهروب من الذات التي تطورت لدى الكرد، وبدأت مرحلة تاريخية جديدة. وإلى جانب تمسك الكرد بوجودهم، فإن فرض هذا الوجود وقبوله من قبل العالم أجمع كان بفضل هذا النضال أيضاً. لقد مكنت مرحلة النضال هذه الكرد من الالتقاء مجدداً حول نفس القيم المشتركة كمجتمع قومي. وشكلت ميراثاً تاريخياً سيكون بمثابة أرضية للمجتمع الكردي لمواصلة نضاله القادم. وفي حين حقق حزب العمال الكردستاني قبول الوجود الكردي، فإنه فتح في الوقت نفسه الطريق أمام السياسة الديمقراطية ووفر تراكماً اجتماعياً مهماً لنضال ديمقراطي متكامل.

إن النقطة الأهم التي يجب اللفت إليها هي: أن قيادة حزب العمال الكردستاني قد خلقت بهذا النضال ولأول مرة في التاريخ "عقلاً كردياً". فالأقلية الاجتماعية التي تشتت تقريباً في المجتمع الكردي ومُحيت من الذاكرة المشتركة، أُعيد تشكيلها كعقل كردي مشترك من خلال النضال الذي قادته قيادة الحزب. وكان من المستحيل تشكيل العقل الكردي دون إنجاز مهام شاقة مثل إعادة تفسير التقاليد الثقافية، وتحديد المشكلة الاجتماعية بشكل صحيح، وتحديد القيم المشتركة التي ستؤدي إلى نهوض المجتمع وتوحيده كمجتمع، وتشكيل الاستراتيجيات والتكتيكات والأهداف السياسية والاجتماعية التي يحتاجها المجتمع في العالم المعاصر وفرض قبولها على المجتمع. ومن خلال الجهود متعددة الأوجه والتحليلات العميقة والشاملة، نجحت قيادة الحزب في خلق خط أيديولوجي وعقل كردي مشترك في آن واحد.

العقل الكردي المشترك في جدلية الكلي، الخاص، والمفرد

من الواضح أن عملية خلق العقل الكردي لدى القائد أوجلان قد حلت مسألة الوجود الكردي، ولكنه يخوض نضالاً لتحقيق "اشتراكية الأمة الديمقراطية" من أجل إيصال هذا الوجود إلى الحرية. وهذا يتطلب أساساً قوة ذهنية، ويتضح من الممارسات الناتجة أن القائد أوجلان خاض كل نضاله على أساس تشكيل هذا العقل. ذلك لأنه حتى الانتصارات العسكرية التي يُعتقد أنها تحققت دون تشكيل قوة ذهنية، لا يمكنها النجاة من مواجهة الخسارة مع مرور الوقت. إذ يمكن تحقيق أكبر نصر عسكري، ولكن إن لم يتم تشكيل عقله وفكره وفلسفته، فهو محكوم عليه بالخسارة. وبلا شك، يجب أن يكون هذا العقل متوافقاً مع جدلية الطبيعة والفكر؛ ويجب أن يراعي بحث الكرد عن الحياة الحرة والإنسان الحر والمجتمع الحر. وهذا ما قام به القائد أوجلان بالفعل.

كل شيء في الطبيعة يتحقق على أساس العلاقة بين "الكلي - الخاص - المفرد" (Universal - Particular - Singular). فالإنسان الذي برز من الطبيعة الأولى كـ "طبيعة ثانية" يشكل "الكلي"، بينما يشكل الكرد ارتباطاً بهذا الكلي بعدّهم "الخاص"، وكل فرد كردي يشكل "المفرد". أي إنه في حين يحاول كل فرد كردي التعرف على نفسه ومعرفتها، يجب عليه التعرف على الكردي كـ "خاص" يعيش فيه، وعلى الإنسان كـ "كلي". وبغير ذلك، فإن كل جهود الفهم ستكون هباءً لا محالة. ولهذا السبب، فإن القائد أوجلان أثناء محاولته فهم نفسه (المفرد) والكردي (الخاص)، ذهب إلى التفتيش عن الإنسان (الكلي) وأثناء بحثه في الإنسان وصل حتى الوجود الأول.

بالنسبة للكرد، فإن الاختلاف في أبحاث الخاص والمفرد هو التداخل الموجود بينهما وبين الكلي. ولهذا السبب فإن الأبحاث الأنثروبولوجية والفيلولوجية والإثنولوجية بل وحتى السوسيولوجية التي أُجريت في كردستان تجعل تاريخ البشرية جمعاء يُكتب من جديد. تماماً كما جعلت تنقيبات "غوبكلي تبه" (Göbeklitepe) كتابة التاريخ تتغير. والمقصود هنا هو أن كردستان هي المهد الثاني للبشرية بعد شرق إفريقيا. وإن المجتمعية الكيفية للبشرية وانتشارها تحقق من هنا لأول مرة. ومن هذا الجانب، فإن الفحوصات التي تُجرى في كردستان بالنسبة للتاريخ الكلي لا تشبه تلك التي تُجرى في جغرافية أخرى. ففي مجسَّم الكرد وكردستان، تداخل الكلي والخاص والمفرد بشكل لم يحدث في أي مكان آخر من العالم.

وهذا الوضع يجعل كردستان مكان الأسبقيات، ويجعل الكرد الشعب الذي عاش هذه الأسبقيات. وعندما نأخذ في الحسبان الحقيقة القائلة بأن التاريخ حي، وأن لا شيء يفنى ويضيع، وأن الماضي يعيش في الحاضر، يتضح من تلقاء نفسه مدى ضرورة فهم التاريخ ومعرفته لنفهم أنفسنا.

الكومونية الديمقراطية، الأمة الديمقراطية، وبناء المستقبل الحر

يشير القائد أوجلان إلى أن الفهم الكوموني والتراكم التاريخي القائم على الثقافة والقيم يستمران في العيش في الوجود الكردي، ويؤكد أن على الذين يعتمدون العقل الكردي الذي شكله الانتباه إلى ما يلي: "إن الكرد الذين اكتسبوا الوجود بنضال حزب العمال الكردستاني، يواجهون الآن واجب ضمان حرية ذلك الوجود. ولا يمكن ضمان حرية الوجود عبر التحول إلى دولة-قومية. فالدولة-القومية تتناقض مع خط الكومونية الديمقراطية والأمة الديمقراطية لنضال الحرية الكردي، كما أنها غير متوافقة مع الثقافة التاريخية والطابع الاجتماعي للمجتمع الكردي. لقد ابتعد الكرد على مر التاريخ دائماً عن الذهنية وأسلوب الحياة المعتمدين على الدولة. وبما أن شكل القبيلة-العشيرة يحتوي بدرجة كبيرة على الحياة الكومونية في بنيته، فقد حافظ على وجوده لآلاف السنين في المجتمع الكردي. وبالتالي، فإن الكومونية ستلعب مجدداً الدور الرئيسي في إعادة توحيد المجتمع والوصول إلى وجوده الذاتي. وستكون تاريخ الكرد من الآن فصاعداً هو تاريخ بناء الكومونية الديمقراطية والأمة الديمقراطية. وهذا هو الطريق الأكثر ملاءمة لتاريخ وثقافة والنسيج الاجتماعي للشرق الأوسط، وللطابع الاجتماعي للشعب الكردي."

ومما لا شك فيه، فإن الأوساط التي تعكس القوموية تهاجم هذا الخط الكردي الحر حالياً. وفي الحقيقة، لا علاقة لـ هؤلاء بالكردوارية أصلاً؛ فكل همهم هو معاداة القيادة والكردوارية. إنهم لم يناضلوا يوماً من أجل الكردوارية بالمعنى الحقيقي، وتصرفوا دائماً من الناحية الاقتصادية والسياسية على أساس المصالح العائلية الضيقة. قد يتحدثون الكردية، ويرتدون الزي الكردي، ويتحدثون عن الكردوارية، ولكنهم في الجوهر يريدون اقتلاع الكردوارية من جذورها. لقد عرّفهم القائد بـ "اليودنرات" (Judenrat - المجالس اليهودية التي تعاونت مع النازية). وفي هذه المرحلة أيضاً، يستخدم هؤلاء اليودنرات ألسنتهم السامة ضد حل "المجتمع الديمقراطي" الذي يسعى القائد أوجلان لتطويره. ومع ذلك، فإن الشعب الكردي، بالروح المشتركة وفلسفة العيش المتبادل اللتين تزود بهما ضد مثل هذه الهجمات القادمة من الخارج، مستنفر لحل مشاكل وجوده وحريته. وكلما فهم القائد أوجلان والحل الذي يريد تطويره، يتبين أنه سيتحد أكثر مع أيديولوجية الاشتراكية الديمقراطية، وسيبني مستقبله بما يتوافق مع جوهر الحياة الحرة بدرجة أكبر.

لقد واصل الكرد وجودهم دائماً بشكل كوموني على مر التاريخ، وسوف يضمنون وجودهم من الآن فصاعداً على أساس مفهوم الأمة الديمقراطية جنباً إلى جنب مع الشعوب المجاورة. وفي شكل القبيلة، حافظ التكافل الاجتماعي والتساوائية والدفاع الذاتي على وجودهم كسلوكيات أساسية. إن لجوء المجتمع الكردي إلى الجبال في شكل القبيلة-العشيرة جعله أحد أقل الشعوب تأثراً بتأثيرات الحداثة الرأسمالية. وعلى الرغم من عدم ظهور طليعة تحقق الوحدة السياسية للكرد منذ تفكك الكونفدرالية الميدية حتى اليوم، إلا أنهم نجحوا في الحفاظ على وجودهم بدرجة كبيرة من خلال خلق شكل دفاع ذاتي خاص بهم في نموذج القبيلة-العشيرة. وبناءً على العقل الكردي الذي شكله القائد أوجلان، سيحقق الكرد حريتهم من خلال بناء "اشتراكية الأمة الديمقراطية"، وإقامة الحياة الكومونية في الوطن المشترك في كل مكان.

قد يهمك