يطرح مفهوم الاندماج الديمقراطي نفسه، وفق رؤية قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان، بوصفه نموذجًا جديدًا لمعالجة القضية الكردية، ولا سيما بعد انتهاء مرحلة الصراع المسلح التي استمرت عقودًا بين حزب العمال الكردستاني والجمهورية التركية. وتقوم الرؤية على تجاوز نموذج الدولة القومية، والانتقال نحو الحداثة الديمقراطية ونظام الأمة الديمقراطية، باعتبارهما إطارًا لحل القضايا القومية والدينية والاجتماعية في الشرق الأوسط، بل وتقديمهما كنموذج يمكن أن يمتد إلى نطاق عالمي.
وبالاستفادة من مجلة “كومينال”، نستعرض في ستة أجزاء خلاصة تقييمات ومقترحات قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان بشأن اشتراكية المجتمع الديمقراطي والاندماج الديمقراطي.
الدولة القومية.. من أزمة الحل إلى تعميق الصراع
في الواقع، يمكن للاندماج الديمقراطي، الذي طُرح حلًا للقضية الكردية، أن يصبح بديلًا عن مفهوم الدولة القومية الذي أوصل القضية إلى مرحلة عجز فيها عن إيجاد حل، واتسم بممارسات استبدادية وعنيفة استندت إلى أخطاء تاريخية وكرّست الصراع والإنكار.
ولا يُقصد بالاندماج الديمقراطي أن يكون حلًا للقضية الكردية فحسب، بل يمكن أن يتحول إلى مقترح للحل ونظرية ورؤية تشمل العالم بأسره.
ويرى هذا الطرح أن الرأسمالية لم تستهدف الأقليات القومية وحدها، بل واجهت مختلف المكونات القومية والدينية في المجتمع بسياسات اتخذت، في حالات عديدة، طابعًا عنيفًا وإقصائيًا. كما أن فرض الفردانية والتجانس على مختلف الثقافات يُنظر إليه بوصفه مؤشرًا على النزعة التوسعية غير المحدودة للرأسمالية، وهي مسألة ترتبط، وفق هذه الرؤية، بجوهر النظام نفسه.
الإبادة الجماعية.. سلوك ارتبط بتاريخ الرأسمالية
سبق أن قيل إن الدولة القومية، في مرحلة انحطاطها، تحولت إلى الفاشية. وفي هذه المرحلة، استُخدمت بعض أفكار فلسفة التنوير وتوظيفاتها السياسية في مواجهة المجتمعات التقليدية والثقافات المختلفة، وتوسعت سياسات القمع والإنكار والاستبداد حتى وصلت إلى مستويات قصوى من العنف.
ومن هذا المنطلق، لم تُطرح الإبادة الجماعية بوصفها حدثًا منفردًا، بل باعتبارها ظاهرة تكررت في مراحل مختلفة من التاريخ الحديث. ووفق هذا التقييم، مارست الحداثة الرأسمالية أنماطًا من العنف والإقصاء في مناطق واسعة من العالم، من السكان الأصليين في القارة الأميركية إلى أفريقيا، ومن الصين والهند إلى آسيا والشرق الأوسط.
وخاصةً خلال القرن العشرين، شهدت دول عدة أنظمة شمولية وحروبًا وسياسات قمع واسعة النطاق، الأمر الذي جعل العنف السياسي والإقصاء القومي من أبرز مظاهر أزمات الدولة الحديثة.
محوران لعجز الدولة القومية عن حل القضايا
يمكن اختصار عجز الدولة القومية عن حل القضايا، وفق هذا الطرح، في محورين رئيسيين.
الأول هو الاستيعاب. فمنذ تأسيسها، عملت الدولة القومية على صهر العديد من القيم والهويات الاجتماعية والثقافية ضمن هوية وطنية موحدة، وغالبًا ما جرى التعامل مع الثقافات المختلفة بوصفها متخلفة أو عائقًا أمام بناء الدولة. ويرى هذا الطرح أن الاستيعاب قد يتطور، في أقصى مستوياته، إلى أشكال أكثر عنفًا من الإقصاء.
أما المحور الثاني فهو الجانب العددي. فعلى المستوى العالمي، تأسست دول قومية في مناطق مختلفة من العالم، حتى أصبحت الدولة القومية النموذج السياسي المهيمن، الأمر الذي جعلها الإطار الأساسي لتنظيم الحياة السياسية الحديثة.
كل دولة قومية تعمّق الحداثة الرأسمالية
تغذي هذه المسارات بعضها بعضًا. فالدول القومية التي تأسست من خلال حروب التحرر الوطني حملت، في كثير من الحالات، مستويات مرتفعة من العنف، وأدت إلى نتائج دموية. وحتى الدول التي لم تصل إلى تحقيق أهدافها، شهدت بدورها صراعات عنيفة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن النموذج الأول للحل يقود إلى الإقصاء الثقافي والجسدي، بينما يؤدي النموذج الثاني، من الناحية العددية، إلى زيادة عدد الدول القومية، وهو ما يوسع نطاق الحداثة الرأسمالية ويمنحها مزيدًا من الانتشار والقوة.
حل المجتمع ـ الأمة الديمقراطية
إن مفهوم الأمة الديمقراطية الذي طُرح في مواجهة الدولة القومية يمثل، وفق رؤية القائد أوجلان، حلًا مختلفًا وجديًا للقضايا القومية والاجتماعية. ولا يمكن تقييمه، بالمعنى الكلاسيكي، على أنه مجرد حل اشتراكي أو فوضوي؛ إذ يرى هذا الطرح أن الاشتراكية القائمة لم تتمكن من تجاوز حدود الدولة القومية، فيما لم تستطع الفوضوية بدورها تقديم نموذج سياسي متكامل وقابل للتطبيق على نطاق واسع.
وفي الوضع الراهن، خلقت المشكلات التي تسببت بها الدولة القومية في أميركا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وآسيا، وبخاصة في الشرق الأوسط، أزمات ومآزق متراكمة.
وعلى الرغم من طرح صيغ انتقالية، مثل حل الدولتين في فلسطين، فإن هذا الطرح يرى أن الحل لا يعالج جذور الصراع بصورة كاملة، حتى وإن أسهم في تخفيف حدة الحرب في بعض المراحل.
وبحسب الرؤية المقدمة هنا، فإن جانبًا مهمًا من المشكلات التي تقف وراء الحروب والصراعات في الشرق الأوسط يرتبط بطبيعة الدولة القومية وبكيفية تشكل الأنظمة السياسية في المنطقة.
أنظمة الشرق الأوسط أمام أزمات متراكمة
في عدد من الدول العربية، لم تتخلَّ أنظمة البعث عن ممارساتها السلطوية، بينما اتخذت القومية العلمانية في تركيا، ونظام الشاه في إيران، مسارات سياسية اتسمت بدورها بالسلطوية والقمع. وقد انتهت بعض هذه الأنظمة أو تغيرت، من دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمات التي ارتبطت بها.
فقد سقطت أنظمة البعث في العراق وسوريا، بينما لم يتمكن النظام الإسلامي في إيران، الذي حل محل نظام الشاه، من تجاوز أزماته الداخلية والإقليمية، وفق هذا التقييم.
وفي تركيا، حلت الهيمنة الإسلامية القومية تدريجيًا محل الهيمنة العلمانية القومية. أما الصراع الإسرائيلي العربي، والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، فتحولا بدورهما إلى أزمات طويلة الأمد ما زالت مستمرة، وسط مستويات مرتفعة من العنف والمعاناة الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، يرى الطرح أن الحل في الشرق الأوسط يجب أن يقوم على أساس الحداثة الديمقراطية والأمة الديمقراطية.
وقد قدم أوجلان، خلال مسيرته السياسية والفكرية، وفي إطار القضية الكردية والحل القائم على الأمة الديمقراطية، ومؤخرًا في «مانيفستو السلام والمجتمع الديمقراطي»، تقييمات موسعة للحل القائم على الأمة الديمقراطية، ووضع إطارًا عامًا للأفكار المرتبطة بهذا الموضوع.
الاندماج الديمقراطي.. نموذج جديد للحل
ينبغي تعميق هذه القضايا في إطار مفهوم الاندماج الديمقراطي والقضية الكردية، وليس القضية الكردية وحدها؛ إذ يرى هذا الطرح أن المشكلات القومية والدينية في الشرق الأوسط تحتاج إلى مسار سياسي جديد قائم على الديمقراطية والتعددية.
ويجب، وفق هذه الرؤية، ربط الاندماج الديمقراطي بالحداثة الديمقراطية ونظام الأمة الديمقراطية، والتعامل معه ضمن هذا الإطار. كما تبرز الحاجة إلى مراجعة النتائج التي أفرزها تطبيق نموذج الدولة القومية، فضلًا عن إعادة تقييم إرث الاشتراكية القائمة وتجاربها التاريخية.
فالاندماج الديمقراطي يمثل نموذجًا جديدًا للحل، ولا سيما الحل الذي أصبح يحظى باهتمام أوسع بعد الصراع الذي استمر نحو خمسين عامًا بين حزب العمال الكردستاني والجمهورية التركية.
وقد أوضح أوجلان، سواء في المانيفستو الأخير أو في التقييمات التي تطورت خلال هذه العملية، أن استراتيجية حرب التحرير الوطني لم تعد تمثل المسار المعتمد. ومن الضروري، وفق هذا الطرح، فهم أسباب تجاوز حزب العمال الكردستاني لهذه الاستراتيجية.
والمطلوب هنا ليس الإلغاء الشامل، بل طرح القنوات السياسية على جدول الأعمال، على أساس حل حقيقي ومن منظور الحداثة الديمقراطية. وقد انتقل حزب العمال الكردستاني، بحسب هذا التقييم، نحو مفهوم المجتمع الديمقراطي من خلال التغيير، وطُرح المجتمع الديمقراطي ضمن إطار الأمة الديمقراطية بوصفه حلًا استراتيجيًا قائمًا على برنامج سياسي.
وقبل كل شيء، يجب توضيح أن مضمون الاندماج الديمقراطي، وفق هذا الطرح، بسيط وواضح: فعندما يتم تجاوز الدولة القومية بوصفها هدفًا سياسيًا، يصبح من الضروري التخلي عن التنظيم والبرنامج والاستراتيجية المرتبطة بها، والانتقال إلى برنامج اندماج يستند إلى أرضية ديمقراطية.
وقد أنهى حزب العمال الكردستاني، خلال مؤتمره الثاني عشر، القضايا التنظيمية والاستراتيجية المرتبطة بمشروع الدولة القومية، بحسب ما ورد في هذا الطرح، مؤكدًا أن ذلك جاء نتيجة مراجعة ونقد ذاتي داخليين.
إرث خمسين عامًا يبحث عن تنظيم جديد
لا شك أن إرث خمسين عامًا يبحث بدوره عن استراتيجية جديدة وتنظيم جديد يعبّر عن نفسه من خلالهما. وقد جرى تحديد ذلك في المانيفستو تحت مسمى الاستراتيجية الديمقراطية والسياسة الديمقراطية، كما أقر المؤتمر الثاني عشر لحزب العمال الكردستاني هذا التوجه.
وفي المقابل، يصور بعض التيارات السياسية هذه المرحلة باعتبارها حلًا لحزب العمال الكردستاني لنفسه أو نهاية لدوره. إلا أن هذا التفسير، وفق الطرح الذي نقدمه، لا يعكس التحول السياسي والتنظيمي المقصود.
فعندما يُقبل الحق في ممارسة السياسة الديمقراطية بصورة متكاملة، وبما ينسجم مع مضمونها وشكلها، يمكن فهم هذه الخطوة بوصفها انتقالًا من مرحلة إلى أخرى، وليس مجرد نهاية لتنظيم أو مشروع سياسي.
ولهذا السبب، تبرز مهمة تنفيذ الخطوات الضرورية على أرض الواقع. فإذا جرى تطوير تنظيم للكومونة الديمقراطية والمجتمع الديمقراطي بدلًا من تنظيم مقاتل ومحارب، فإن العملية يمكن أن تتجه نحو مسار سياسي جديد. وفي هذا الإطار، طُرح تأسيس اتحاد الكومونات الديمقراطية هدفًا لهذه المرحلة.
الدولة القومية تقدمت على حساب الأمة الديمقراطية
يبدو أن هناك قضايا لم تُفهم أو تُدرك بعمق كافٍ، ولذلك تبرز الحاجة إلى توضيحها من جديد.
فوفق هذا الطرح، تقدمت الدولة القومية تاريخيًا من خلال إضعاف أو القضاء على أشكال الأمة الديمقراطية، ويتجلى ذلك في تجارب عدد من الدول الأوروبية، مثل إنجلترا وفرنسا وهولندا وألمانيا.
وكان المجتمع الكومينالي حاضرًا في أوروبا خلال مراحل طويلة من العصور الوسطى، كما حافظت المجتمعات القبلية والقومية التي امتلكت أنماطًا من الحياة الكومينالية على العديد من قيمها الاجتماعية والديمقراطية. ومن هنا تُستمد، وفق هذه الرؤية، أرضية الأمة الديمقراطية.
وقد وجدت هذه المجتمعات، التي عاشت في ظل الملكيات والإمارات المحلية، فرصًا للاستمرار، لكنها تعرضت لتحولات عميقة مع فرض نموذج الدولة القومية الحديثة.
وفي جوهرها، فإن قصة الصراعات التي تطورت بين حضارة الدولة والمجتمع الكومينالي في كردستان وبلاد الرافدين تعود، وفق هذا الطرح، إلى آلاف السنين.
وتظهر بعض معالم هذه الصراعات في القصص والألواح والوثائق التي خلفتها الدول القديمة ووصلت إلى عصرنا الحالي.
وفي هذه المنطقة، استندت الدولة الحديثة، وفق هذا التقييم، إلى تقاليد سياسية سلطوية، وقامت في مراحل مختلفة على إنكار بعض المجتمعات ومعتقداتها وهوياتها القومية ورفضها، الأمر الذي أدى إلى نتائج مدمرة.
الأمة الديمقراطية تحيي التقاليد من جديد
تستمد الأمة الديمقراطية جذورها، وفق هذا التصور، من تقاليد المجتمع الكومينالي. وفي مواجهة حضارة الدولة السلطوية، تمثل الاتحادات القبلية والعشائرية والمجتمعات الدينية أحد أشكال المجتمع الديمقراطي.
ولا تزال التقاليد القبلية مستمرة في مناطق مختلفة من العالم، كما توجد مجتمعات دينية ذات أنماط حياة جماعية وكومينالية في العديد من المجتمعات.
وعلى خلاف النظرة التي تعتبر هذه المجتمعات مجرد مراكز للتخلف أو امتدادًا للعصور الوسطى، يرى هذا الطرح أنها يمكن أن تمثل جانبًا من التنظيم الاجتماعي القائم على التضامن والتكافل، وأنها قادرة على الإسهام في بناء نموذج الأمة الديمقراطية.
وتعيد الأمة الديمقراطية، وفق هذه الرؤية، إحياء التقاليد التاريخية والكومينالية، إلى جانب المكونات القومية والمجموعات الدينية، بوصفها عناصر للمجتمع الديمقراطي، والعمل على تجديدها في إطار الحداثة الديمقراطية.
وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه مفهوم الأمة الديمقراطية.
======
المصدر: مجلة الكومينالية - الجزء الثالث
غداً الجزء الرابع
القصة كاملة