بث تجريبي

د. رائد المصري يكتب: مظلة الأمن الإقليمي والفراغ الإستراتيجي في المنطقة العربية

كشفت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، والمواجهة الأميركية مع إيران، والإستهدافات العسكرية الإيرانية لدول الخليج العربي على البنية التحتية للنفط والغاز، تحت عناوين ضرب القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، بأنَّ واشنطن لم تعُدْ تشكل درعاً أمنياً يُمكن الإئتمان عليها، فلم يعُدْ أمام النظام العربي الرسمي سوى بناء إستقلالية إستراتيجية، ولم تَعدْ المنظومة الأمنية الراهنة، القائمة على المظلة الأميركية وصفقات السلاح الثنائية، وإرتباط القرار العربي الإستراتيجي بإرادات خارجية، قادرة على إحتواء هذه المرحلة، أو السير كما في السابق، بعد أن شكَّلت الضربات الإيرانية على منشآت النفط والغاز في الخليج، تصعيداً خطيراً، هدَّد الأسس الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وألقى بظلاله على أمن الطاقة العالمي، فلطالما إرتكز الأمن العربي وطوال عقود إلى إفتراض وحيد، هو أن الولايات المتحدة الأميركية، تتكفَّل بحماية حلفائها في الشرق الأوسط، مقابل ضمان تدفق الطاقة، وإتاحة التمركز العسكري، والإلتزام بخيارات إستراتيجية تنسجم مع أولويات واشنطن، لكن ذلك سقط اليوم، وبدأ بالتغيُّر تحت وقْع التحوُّلات الأخيرة، فحين عجزت إيران عن مواجهة القوة العسكرية التقليدية الغربية، إتجهت نحو إستنزاف غير متماثل، يرفع كلفة الصراع إلى مستويات يصعب على حكومات الخليج تحمُّلها، فهذه الحروب التي إمتدَّت إلى دول مجلس التعاون الخليجي، قد أوضحت أنَّ الرهان إلى دعم الآخرين لم يعُد آمناً، بل صار خطراً مباشر،على أمن المنظومات الإقليمية العربية، ولم يعُدْ العالم العربي يواجه شبح حرب مقبلة، بل بات يعيش حرباً قائمة بالفعل ومستمرة، وأصبحت الحاجة ضرورية لبناء هندسة أمنية جديدة، تنهض على قدرات عربية جماعية وإقليمية، وإستراتيجية مستقلة فعلية، قادرة على إرساء إطار إقليمي أوسع تفرضه تحوُّلات المرحلة.

من هنا حيث تمرُّ البيئة الأمنية في المنطقة العربية عامة، وفي الخليج العربي بشكل خاص، بلحظة تحوُّل جذري، تشهد إعادة تشكيل كاملة لخرائط التهديد التقليدية، فلم تعُد الصيغ والمفاهيم الأمنية السابقة، قادرة على ضبط التفاعلات الإقليمية، ففي هذه الدراسة سنحاول تفكيك مسارات التنافس والإضطراب الجيوسياسي الراهن، من باب رصد التحوُّلات في المنطقة، من نموذج الأمن الجماعي التقليدي، القائم على المظلَّة الأمريكية، إلى واقع جديد تتصادم فيه الرؤى والمصالح، مما يفرض على دول المنطقة إعادة تقييم إستراتيجياتها الدفاعية والسياسية في مواجهة بيئة إقليمية شديدة السيولة والتعقيد،كما نناقش صعود أطر وتحالفات أمنية جديدة، تحاول ملء الفراغ الإستراتيجي، مسلِّطين الضوء على المستجدات الجديدة في الخليج ودنيا العرب، وكذلك التكتلات الرباعية الناشئة، العربية والإسلامية في الشرق الأوسط، إلى جانب رصد التحوُّلات الهيكلية في مواقف القوى الفاعلة، مع تحليل لأبعاد المواقف الإقليمية المعقدة، بدءاً من المسارات الراهنة لعملية التطبيع والإتفاقيات والصراع العربي_الإسرائيلي، وموقف المملكة العربية السعودية الرابط بين الإنضمام لهذه الإتفاقيات، وإيجاد مسار واضح للدولة الفلسطينية، وصولاً إلى قراءة دلالات ومآلات حرب ما بعد غزة، والحرب الأميركية_الإسرائيلية على إيران، وإختبار مدى تماسك دول مجلس التعاون الخليجي ودول إقليم الشرق الأوسط، أمام هذه العواصف المتلاحقة، أخيراً، تستشرف الدراسة الإتجاهات المستقبلية الناتجة عن هذه المسارات المتصادمة، والإهتمام بمناقشة مستقبل الأمن الإقليمي في هذه المنطقة من العالم، مستعرضين التحوُّلات الإستراتيجية العميقة، مع بعض التطورات الخاصة بالتفاعلات الإقليمية على مستوى منطقة الشرق الأوسط، ومن خلال هذا التحليل، تضع الدراسة بين يدي القارئ خارطة طريق معرفية، لفهم إعادة هذه التفاعلات المتشابكة في صياغة معادلة الأمن الإقليمي، وتهيِّء الرأي العام لإستيعاب ملامح النظام الأمني الجديد الآخذ في التشكُّل.

تميَّز العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين بتفاعلات دولية متسارعة، عاش فيها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بمرحلة السيولة الإستراتيجية، وتعدُّد الأقطاب، وإحتدام التنافس الجيوسياسي، وهي تحوُّلات فرضت ضغوطاً غير مسبوقة على بُنية الدولة الوطنية العربية ومفهوم الأمن الإقليمي، إن التحليل الإستراتيجي المعمَّق للواقع الراهن، وما يحمله من بوادر لأزمات هيكلية، يقتضي تفكيك الروابط المعقَّدة، القائمة بين إستقرار الدولة الوطنية ككيان سياسي ومؤسّساتي، وبين منظومة الأمن القومي العربي، التي تواجه اليوم تحديات وجودية، تتجاوز بكثير التهديدات العسكرية الكلاسيكية، وباتت هذه التحدِّيات تشمل مجالات أكثر تركيباً وخطورة وتعقيداً، يأتي على رأسها حروب الجيل السادس، وأمام هذه السيولة الإستراتيجية تفرض المقاربة التكاملية نفسها كضرورة حتمية، وهي مقاربة ترفض منطق الإنكفاء على الذات، وتنطلق من حقيقة جيوسياسية راسخة، أكَّدتها الدروس المأهوذة من التاريخ المعاصر، تعتبر أنَّ الأمن القومي المصري، يمثل النواة الصلبة وحجر الزاوية لأي ترتيبات أمنية عربية يُراد لها الصمود والبقاء، فالتجربة أثبتت أنَّ تآكل قدرات الدولة الوطنية، لا يتوقف عند حدود الجغرافيا السياسية للدولة المأزومة، بل يمتد كأحجار الدومينو ليحدث إختراقات مزلزلة في جدار الأمن الإقليمي برمته.

ومع تحوُّل أدوات الصراع، لم تعُد السيطرة المادية على الأرض والموارد هي الغاية القصوى للقوى المعادية، بل إنتقل ميدان المعركة الأهم إلى العقل البشري والوعْي الجمْعي، حيث يتم إستهداف الهوية وتزييف الوعْي، لذا فإن بناء إستراتيجية عربية شاملة يقتضي تعظيم قوى الدولة الشاملة لحماية أمن المواطن والدولة معاً، ضمن مظلة أمنية موحَّدة، دون أن تمسَّ جوهر الخصوصية الوطنية لكل دولة. 

إن القراءة المتأنية لتحديات الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، تستوجب كمنطلق منهجي، فحص بنية الدولة الوطنية العربية، والوقوف على طبيعة التحديات الهيكلية التي واجهت مسيرة بنائها، فمن ناحية، تعود الجذور التاريخية لنموذج الدولة الحديثة إلى صلح وستفاليا عام 1648، الذي أرسى دعائم السيادة الوطنية والحدود الجغرافية الواضحة، وهو النموذج الذي إستمر حاكماً للمجال الدولي لعقود طويلة، قبل أن تبدأ مفاهيم الأمن الجماعي والإعتماد المتبادل في البروز، مع تصاعد موجات العولمة في الثلث الأخير من القرن العشرين، غير أنَّ تطبيق النموذج الوستفالي في السياق العربي، واجه جملة من التحديات المركَّبة، حيث تسلَّمت دول ما بعد المرحلة الإستعمارية، أطراً مؤسسية كانت لا تزال في طور التكوين، وسط بيئة إجتماعية وإيديولوجية متعدِّدة الولاءات، وقد أدَّى ذلك في بعض الأحيان إلى صعوبة التحول الكامل نحو دولة المؤسسات، القائمة على قواعد المواطنة المدنية الشاملة، إذ إستمرت الأنماط التقليدية للولاءات الإجتماعية، في ممارسة دور مؤثر داخل البنية السياسية، مما أوجَد توازنات دقيقة بين الطابع المؤسسي للدولة، وبين الخصوصيات الإجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية.

فهذه الوضعية وما رافقها من ضغوط سوسيو_إقتصادية متزايدة، أضعفت قدرة الدولة على التكيُّف والإستجابة أمام إختبارات دقيقة، وقد ظهر ذلك حين شهدت المنطقة موجات من عدم الإستقرار، أدَّت في بعض الأقطار إلى تراجع دور المؤسسات المركزية، ممَّا أحدث فراغاً أثَّر بشكل مباشر على ديناميكيات الأمن الإقليمي، وضاعف من تقاطع تلك التحوُّلات الداخلية، ضغوط العولمة النيوليبرالية العابرة للحدود، والتي سعت في أبعادها الثقافية والإقتصادية إلى تجاوز الأطر الوطنية التقليدية، ممَّا فرض على الدولة الوطنية العربية، ضرورة الموازنة بين متطلِّبات الإندماج العالمي وبين الحفاظ على الهوية الوطنية والتماسك المؤسسي.

واليوم، يمرُّ الشرق الأوسط بمرحلة ينهار فيها النظام الأمني القديم، من دون أن يظهر البديل، ففي السنوات الأخيرة، سعت الدول العربية إلى البقاء من خلال صفقات منفصلة، فإعتمد بعضها على الحماية الأمريكية، وقام بعضها الآخر بتطبيع علاقاته مع إسرائيل، وتردَّد عدد منها بين واشنطن وإيران، وسعت أخرى، كسوريا في عهد الأسد، إلى تحالفات مع روسيا، لكن هذا المزيج من الإعتماد الخارجي والتحالفات التنافسية والدبلوماسية الإقليمية المجزأة، فشل في تحقيق الأمن أو الإستقرار، بل ترك المنطقة أكثر في حال من الإستنفار والعسكرة، وأكثر تفكُّكاً إقتصادياً، وأضْعفها أمام ضغوطات الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية، وفي عام 2024، بلغت النفقات العسكرية في الشرق الأوسط ما يقدر بـ 243 مليار دولار، بزيادة قدرها 15% في عام واحد، وإنْ ظلَّت المنطقة من بين الأقل تكاملاً إقتصادياً والأكثر تضرراً من النزوح في العالم.

لذلك، تبرز الحاجة إلى نظام إقليمي جديد، ليس تحالفاً هجومياً، ولا إحياءً للعروبة الخطابية التي أَفُل زمنها على شعوب المنطقة، بل عقيدة أمنية إقليمية عملية، مبنية على الدفاع عن السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية والرفاهية الإقتصادية، تضعها بلدان الشرق الأووسط الأكثر تأثراً بالفوضى الحالية، كدول مجلس التعاون الخليجي وسوريا ولبنان والأردن ومصر، ويمكن ضم دول عربية أخرى، كالعراق وليبيا واليمن والسودان، تدريجياً إذا كان ذلك سيساعدها على التوصُّل إلى تسوية سياسية دائمة وفعالة، تركيا ليست دولة عربية، لكنها الآن ضالعة بعمق في الأمن والإقتصاد في سوريا والعراق وشرق المتوسط، وفي التوازن الإقليمي الأوسع نطاقاً، بدرجة لا يمكن معها تجاهلها في أي هيكل جديد، لن يكون الغرض من هذا الحلف شن هجمات بل إحتواؤها، عبر معارضة العدوانية العسكرية الإسرائيلية وإفلاتها من العقاب، ووقف إستراتيجيات التدخُّل الخارجي الإيراني، والحدّ من التنافسات داخل المنطقة، ودعم عادل للقضية الفلسطينية، ومنح المنطقة فاعلية جماعية أكبر، في عالم يزداد تشكّلُه عن طريق المنافسة بين الولايات المتحدة والصين والاتجاه الأوسع نحو التعددية القطبية.

لكن على أي نظام إقليمي جديد، أن يواجه أيضاً مشكلة أعمق، لا يمكن معالجتها بالدبلوماسية بين الدول وحدها، فأزمة الشرعية التي تواجه العديد من الدول العربية في المنطقة، والإستقرار الحقيقي لا يمكن أن يرتكز على مجرَّد تحالفات جديدة بين الحكومات، أو تحسين الردع ضدَّ إسرائيل وإيران، بل يتطلّب أيضاً المزيد من التمثيل الشرعي، وتجديد العقود الإجتماعية، وأشكالاً من الحكم قادرة على توفير الكرامة والحماية والأمن الإقتصادي للمواطنين، وبالتالي، النظام الإقليمي الدفاعي هنا، ليس غاية في حدِّ ذاته، بل شرطاً ضرورياً لتمكين المجتمعات من رسم مساراتها الخاصة، وبهذا المعنى، سيساعد إتفاق إقليمي جديد، على إتاحة المجال للدول لإستعادة فاعليتها، لكنه لن يدوم إلاَّ إذا ترافقت إعادة التوازن الخارجية مع أنظمة سياسية داخلية أكثر مصداقية.

إعتمد النظام الإقليمي الذي تبلور خلال العقود الثلاثة الماضية على ثلاثة ركائز أساسية:

 الأولى، كانت نظاماً تُهيمن عليه الولايات المتحدة وإسرائيل، يُمنَح فيه التفوُّق الإستراتيجي لإسرائيل،وتُنظِّم الدبلوماسية الإقليمية حول تلبية مصالحها وطموحاتها العدوانية، وكانت الإتفاقيات الإبراهيمية أوضح تعبير عن هذا النهج، منطلقة من أنَّ التطبيع والتجارة والتكنولوجيا والتعاون الإستخباراتي، يمكن لها الإسهام في إستقرار المنطقة مع تجاهل القضية الفلسطينية، ورُبما ذروة هذا النهج كانت خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2023، حيث رفع خريطة الشرق الأوسط الجديد، بلا فلسطين مع إستبعاد لبنان وسوريا وعمان واليمن والعراق، فلم يفشل هذا النظام في تحقيق السلام فحسب، بل حفَّز ودفع إسرائيل للسَّعي وفرض الحقائق بالقوة الخشِنة وغير المشروعة، فالإبادة الجماعية في غزة، وتسريع توسيع المستوطنات، وسياسات الضم في الضفة الغربية، لم تهدِّد وجود الفلسطينيين كشعب فحسب، بل هددت أيضاً المصلحة الحيوية للأردن، في الحفاظ على الأساس الإقليمي لدولة فلسطينية، وعرَّضت الأمن القومي المصري للخطر من خلال السَّعي إلى طرد سكان غزة نحو سيناء قسراً وإلى الأبد، وقد دفع لبنان مرة أخرى ثمن الهجمات المتكرِّرة على أراضيه، حيث إرتكبت إسرائيل أكثر من 10 آلاف إنتهاك جوي وبري لإتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، المبرم في تشرين الثاني 2024 في جوٍّ من الإفلات التام من العقاب، وفي الوقت نفسه، تعرَّضت سوريا لمزيد من الغزو الإسرائيلي لأراضيها ولضربات جوية متكرِّرة، بما في ذلك تدمير أصول أساسية للجيش، وهجمات على دمشق، وتحذيرات صريحة بعدم السماح للقوات السورية بالإنتشار جنوب العاصمة من دون موافقة إسرائيلية، لقد بُني هذا الشرق الأوسط الجديد في الواقع على جغرافيا الإقصاء، وكان التصوُّر الإقتصادي وراءه ممرات تربط الخليج وإسرائيل وأوروبا، بكون المستفيد الأساسي منه تل أبيب.

أما الركيزة الثانية للنظام الحالي، فهي تتعلق المنافسة داخل المنطقة، فقد شهدت فترة ما بعد الربيع العربي، تنافساً بين المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر من جهة، وتركيا وقطر من جهة أخرى، عبر عدد من ساحات الصراع بالوكالة، أسفرت عن مقاطعة قطر من جيرانها لمدة ثلاث سنوات، ولا تزال اليمن وليبيا والسودان تعاني من هذه المنافسة والتفكُّك الإقليمي.

أما الثالثة، فكانت إيران الساعية إلى بسط نفوذها الإقليمي، ليس من خلال تحالفات رسمية بين الدول، بل من خلال جهات مسلَّحة غير حكومية، وفي حين شكَّل إعتمادها على الجهات الفاعلة غير الحكومية لتوسيع نفوذها بكلفة منخفضة نسبياً لطهران، حالة إضعاف للدول العربية المتأثرة، وأدخلها في دوامات إنقسام عامودي، وعزَّز من إنعدام الأمن وضعف الحكم، ولا تزال آثار تشوهاتها حاضرة، فلم يقتصر دور حزب الله والحوثيين والفصائل العراقية الموالية لإيران، على توسيع نفوذ إيران في بلدانهم فحسب، بل عملوا أيضاً كأدوات يمكن لإيران من خلالها بسط نفوذها إقليمياً، وتهديد نقاط الضعف في النظام الإقليمي والدولي، عبر طرق الطاقة وممرات الشحن ونقاط الضعف في البنية التحتية لإقتصادات الخليج، ورأينا مصير مضيق هرمز في الحرب الأخيرة.

إن فشل هذا النظام الإقليمي واضح، فلم يسبق للشرق الأوسط أن أنْفق هذا القدر من المبالغ المالية على الدفاع، حيث تُظهر أحدث أرقام معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، إرتفاعاً إقليمياً كبيراً في الإنفاق العسكري في عام 2024، بما في ذلك زيادات حادة من جانب إسرائيل وتركيا، فضلًا عن إستمرار الإنفاق المرتفع من جانب دول الخليج، في وقت لا تزال المنطقة تعاني نقصاً شديداً في التكامل الإقتصادي، إذ تُظهر بيانات صندوق النقد الدولي، أنَّ التجارة داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لم تمثِّل سوى 17.8% من إجمالي التجارة في عام 2021، على الرغم من القرب الجغرافي واللُّغة المشتركة في معظم أنحاء المنطقة، وقد شددت لجنة الأمم المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لغربي آسيا مؤخراً، على أنَّ نقاط الضعف الهيكلية المعلقة، لا تزال تجعل الإقتصادات العربية عرضة للصدمات الخارجية، في حين أن سلاسل التوريد غير الملائمة والتنسيق الإقليمي الضعيف، يكشفان عن هشاشة أنماط التجارة والأمن الغذائي الحالية، ولكن الأهم من ذلك، أن البؤس والمعاناة الإنسانية، بلغتا مستويات قياسية في المنطقة، فقد أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أنه كان هناك أكثر من 17.8 مليون شخص لا يزالون نازحين قسراً، أو عديمي الجنسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إن فشل النظام الإقليمي الحالي في الشرق الأوسط، هو فشل جيوسياسياً وفشل داخلي أيضاً، ففي معظم أنحاء المنطقة، دفع ضعف شرعية الأنظمة الحاكمة، إلى السَّعي للحصول على دعم من قوى خارجية، ليس لمجرَّد الدفاع عن الدولة من التهديدات الخارجية، بل لحماية نفسها من شعوبها، فقد إعتمد بقاء نظام الأسد على التدخل الروسي والإيراني ضدَّ إنتفاضة شعبية، وفي هذا السياق، كان الإعتماد الخارجي أحد أعراض الهشاشة الداخلية وضعف الشرعية المحلية، كما كان نتيجة لهما، وبناءً على ذلك، فإنَّ أي محاولة لإقامة نظام إقليمي جديد يعمل على إستقرار الحدود، ويترك الدول فارغة من الداخل وقمعية يحكمها الإستبداد، وغير قادرة على توفير نتائج إجتماعية عادلة، سيظل هشاً في صُلبه، وبالتالي سوف تصبح نقطة الضعف هذه بوابة لتدخل خارجي متجدِّد، حتى دول مجلس التعاون الخليجي، التي طالما إعتقدت أنها قادرة على التحوُّط وتنويع مصادرها وشراء الأمن، واجهت حدود النظام القديم، فقد شكّل الهجوم الصاروخي الإسرائيلي على الدوحة، إنتهاكاً للتفاهمات الراسخة بشأن الأمن الإقليمي والمظلة الأمريكية، وأبرز حقيقة أنَّ التهديدات التي تواجه الخليج لا تنبع من إيران فحسب، بل من إسرائيل أيضاً، ويحمل قرار شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، على الرغم من تحفّظات دول الخليج، والدعم المحدود الذي تلقَّته هذه الدول من الولايات المتحدة حين بدأت إيران بمهاجمتها، درساً قاسياً مؤداه، أن تحالفات دول الخليج مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لا تقضي على الضعف الإستراتيجي، بل ولَّدت في الواقع، أشكالًا جديدة من الضعف.

شكَّلت الضربات الإيرانية على منشآت النفط والغاز في الخليج العربي الأخيرة، تحت عناوين إستهداف القواعد الأميركية، تصعيداً خطيراً، هدَّد الأسس الإقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، وألْقى بظلاله على أمن الطاقة العالمي، وزاد في الأمر محاولة فرض الهيمنة على مضيق هرمز، وإغلاقه مرات عديدة، في محاولة لإستنزاف غير متماثل من أجل رفع كلفة الصراع، إلى مستويات يصعب تحمُّلها وبذلك أميركياً وعالمياً، فصار الشرق الأوسط يواجه بل بات يعيش حرباً قائمة بالفعل.

لقد تعامل الخطاب الأمني والرسمي العربي، في حقبة ما بعد الحرب الباردة مع إيران، على أنها التهديد الأول لإستقرار دول الخليج، في حين أخذ البعض التعامل مع إسرائيل، على نحو متزايد، بوصفها شريكاً بحكم الأمر الواقع في مواجهة طهران، ولذلك تمَّ النظر الى الإتفاقيات الإبراهيمية وما تلاها، على أنها تمهيد لإستقطاب عربي مع إسرائيل في مواجهة إيران، ممَّا ضلَّل من عملية التشويش للرؤية الإستراتيجية، وإضعف القدرة على قراءة توازنات المنطقة على نحو سليم، فلم تُصَغ العلاقات مع إسرائيل أساساً كأداة لمواجهة إيران، بل مثَّلت هذه الإتفاقيات خياراً براغماتياً مصلحي في إدارة الدولة، ضمن إطار ثنائي لتنظيم العلاقة، وليس عقيدة للأمن الإقليمي، ومن هنا، فإن رأياً قد تبلور ويميِّز بضرورة الإبتعاد عن الخلط بين البُعدين، وإضفاء حوامل إستراتيجية معادية لإيران، على إطار تطبيعي لم يوضع أصلاً لهذا الغرض، بل إن فاعلين خارجيين، قادوا وسعوا إلى تسخير الخيارات العربية لخدمة أهدافهم الإستراتيجية.

ومع تطورات الأحداث في المنطقة، أنتجت حرب غزة بيئة إقليمية، عطَّلت عملياً حتى الأهداف المحدودة التي قامت عليها أي إتفاقيات مع إسرائيل، فقد قادت الحملة العسكرية الإسرائيلية إلى كارثة بأَبْعاد تاريخية، وأظهرت أنَّ القوة العسكرية الإسرائيلية تهدِّد العرب مباشرة، وتهدِّد أيضاً الإستقرار الداخلي للبلدان العربية، ومع إمتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى لبنان، وإندلاع أعنف مواجهات مباشرة بين إسرائيل وإيران في تاريخ المنطقة، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها، عالقة بين قوتين متعاديتين، لا يمكن للترتيبات القائمة ضبط التوتُّر بينهما.

وفي نهاية الأمر، صار العرب أمام حقيقة واضحة وثابتة لا يمكن التنكُّر لها، وهي أنَّ إسرائيل وإيران تمثِّلان التحدِّيين الأمنيين الرئيسين للبلدان العربية، وأنَّ التعامل معهما يجب أن يتمَّ في وقت واحد، ضمن سياق مشروع ثابت موحَّد، فقد جعلت الهجمات الإيرانية على البُنية التحتية للطاقة في الخليج من التهديد الإيراني مباشراً وملموساً، فيما جعل إستعداد إسرائيل الواضح لشنِّ عمليات عسكرية مدمِّرة في المشرق، إلى جانب قدراتها النووية وتمتُّعها بحصانة من أي كبح أميركي فعلي، من التهديد الإسرائيلي تهديدا بنيوياً، وعليه، فإن الإنحياز إلى أحد طرفي الصراع بين إسرائيل وإيران ليس سوى فخٍّ خطير، أما الموقف الأفضل لمستقبل المنظومة العربية، فهو ما يتصدَّى للتهديدين معاً، وفق شروط تكاملية حقيقية.

العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ تشرين الأول 2023 ، ليست ردوداً أمنية منفصلة، بل هي إمتدادٌ لعقيدة إستراتيجية متماسكة، هدفها الإضعاف المستمر لأي قوة تملك قدرة على ردع التحرك الإسرائيلي، وإقامة مناطق عازلة، وحضور عسكري دائم في أراض عربية مجاورة، وتدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية، ومنع قيام أي إئتلاف عربي قادر على إقامة توازن مع إسرائيل، فإسرائيل تسعى إلى فرض هيمنتها على الشرق الأوسط كلِّه، فقد تمَّ سحق أكثر من سبعين ألف فلسطيني في غزة، الغالبية الساحقة منهم من المدنيين، خلال أطول حملة عسكرية متواصلة في التاريخ الحديث للصراع العربي-الإسرائيلي، وَصَفتها محكمة العدل الدولية بأنها إبادة جماعية، وفي لبنان، تعاملت إسرائيل مع وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024 بوصفه مجرَّد توقُّف عملياتي مؤقَّت، فأنشأ جيشها خمسة مواقع عسكرية دائمة داخل الأراضي اللُّبنانية، وقتل أكثر من خمسة آلاف شخص و15 ألف جريح، وفي آذار 2026، وسَّعت إسرائيل عملياتها، فقصفت بيروت ومناطق واسعة من الجنوب، وإحتلت مزيداً من المواقع ووصلت الى النبطية وقلعة الشقيف، وفي سوريا، أقامت إسرائيل ستة مواقع، داخل المنطقة منزوعة السلاح المنصوص عليها في إتفاق عام 1974، ونفَّذت عمليات أمنية إمتدت خمسة عشر كيلومتراً داخل الأراضي السورية، بعد أن تعاملت مع سوريا ما بعد الأسد، ليس بوصفها فرصة دبلوماسية، بل بإعتبارها فراغاً إستراتيجياً يجب ملؤه، وما الضربات الإسرائيلية على اليمن، وشنِّ هجمات عسكرية بقطع مسافات تمتد إلى آلاف الكيلومترات خارج حدودها، وكذلك محاولة إغتيال مسؤول بارز في حركة حماس على الأراضي القطرية، إلاَّ دلالة شديدة الخطورة، فهو إعتداء وقع في دولة خليجية عربية، ترتبط بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة، وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، كما حمل غياب ردّ عربي جماعي وحاسم، رسالة واضحة إلى صناع القرار في إسرائيل عن حدود التضامن العربي.

ومثَّلت الحملة الأميركية_الإسرائيلية المشتركة الأخيرة ضدَّ إيران، تتويجاً واضحاً لهذه العقيدة، فبعد الحملة الإسرائيلية في حزيران 2025، التي أضعفت_وبحسب وسائل إعلام أميركية وإسرائيلية_ القدرات النووية الإيرانية من دون أن تقضي عليها، جاءت عملية شباط 2026، بما تضمنته من إغتيال المرشد الأعلى علي الخامنئي، وتدمير منشآت نووية وعسكرية كبرى، وإعلان صريح بالسَّعي إلى تغيير النظام، لتستكمل منطقاً ورؤية إستراتيجية تتشكَل منذ وقت طويل، وتقوم على فرض نظام إقليمي، لا تملك فيه أي دولة أي حركة أو قدرة عسكرية، من شأنها تقييد حرية إسرائيل، في إستخدام القوة في أي موضع من الشرق الأوسط، وهذه ليست إسرائيل التي قُدمت بوصفها شريكاً في صناعة الإستقرار، بل قوة مُهيمِنة، تسعى إلى تغيير الوضع الراهن، وتعمل خارج أي إطار لضبط النفس المتبادل.(2)

إنَّ تعرُّض دول مجلس التعاون الخليجي للإستهداف في الصراع الراهن، ليس أمراً عادياً، فقد أمَّنت القواعد الأميركية ردعاً فعلياً في مواجهة الإستهدافات الإيرانية، لكن العلاقة مع الخليج ساهمت إستراتيجياً في بسط النفوذ الأميركي، وعندما وضعت إيران خطط ضرباتها الإنتقامية بعد الهجمات عليها، تصدَّرت القواعد الأميركية في البحرين وقطر والكويت والإمارات قائمة الأهداف، إذ دخلت المطارات ومنشآت الطاقة والمراكز السكانية القريبة من تلك القواعد، ضمن دائرة الأهداف الإيرانية، فدول مجلس التعاون الخليجي، تُنفق مجتمعة على مشتريات السلاح، ما يُعادل إنفاق دول أوروبية كبرى في حلف شمال الأطلسي، ومع ذلك، لم يكُن لها القرار في إشعال الحرب، وقد أفادت تقارير دبلوماسية وصحافية، بأن الرياض مارست ضغوطاً على واشنطن لمنعها عن مهاجمة إيران، في مقابل النفوذ المتزايد لدى تل أبيب ونتنياهو بالتحديد على الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وكشفت الأزمة الراهنة أيضاً حدود التطبيع حين يُحمّل وظيفة أمنية، وبهذا المعنى، فقد حافظت السعودية، التي ربطت أي تطبيع بإحراز تقدُّم حقيقي نحو قيام دولة فلسطينية، على قدر أكبر من التنسيق الإستراتيجي من الدول التي إنجرفت مبكراً إلى الفلك الأميركي_الإسرائيلي، واليوم، باتت هذه المقاربة السعودية تعبِّر فعلياً عن الموقف العربي الجَماعي وصوابية القرار، فليس من قبيل المصادفة أن تضطلع السعودية ومصر معاً، بصوغ قرار صدر عن مجلس وزراء الخارجية العرب في أيلول 2025، واضعاً الأساس العقائدي للهندسة الإقليمية الآخذة في التبلور، حيث تشكل الشراكة الإستراتيجية بين مصر والسعودية، الركيزة التي تقوم عليها هندسة الأمن العربي، الآخذة على ما يبدو في الظهور، وهي غير نابعة من مصلحة عابرة فرضتها الأزمة الراهنة، لكن بات هناك خلل أكبر وأعمق بدأ يبرز، في الفصل المنهجي بين أمن الخليج ومنظومة الأمن العربي الأوسع، فمنذ حرب الخليج الأولى، إعتمدت دول مجلس التعاون الخليجي مقاربة أمنية، بإعتبار شبه الجزيرة العربية ساحة يُمكن عزلها عن أمن مصر والمشرق والأراضي الفلسطينية، إذ لا يُمكن فصل أمن الخليج، عن البيئة السياسية والعسكرية العربية الأوسع، لأنَّ التهديدات التي تصل إليه تنشأ في تلك البيئة نفسها، وتستمد منها أسبابها ومبرِّراتها، ونرى ذلك من خلال ما خلَّفته حرب غزة من تدمير ممنهج، ما تركته من ضغوط سياسية داخلية في مختلف المجتمعات العربية، بما فيها الدول الخليجية، فلم توفِّر الموارد المالية الخليجية، في غياب إطار سياسي متماسك أمناً حقيقياً، وكانت التدخُّلات تجاه مصر والأردن ولبنان وليبيا واسعة النطاق، لكن الدعم المالي الذي لا يقوم على وُجهة ربط أو تعزيز مصالح الخليج بحل الصراع العربي_الإسرائيلي سرعان ما يتبدَّد، من غير أن يؤدي إلى بيئة إقليمية مستقرة، تحتاج إليها التحوُّلات الإقتصادية في الخليج.

أما على مستوى الأمن الدفاعي العربي وبناء مظلة إقليمية لدول الشرق الأوسط والخليج العربي، فليس ضرورياً أن تُبنَّى هذه الإستقلالية الإستراتيجية العربية على توجُّه معادٍ للغرب، بل على مطلب أبسط وأقوى، قائم على إمتلاك القدرة الجماعية، بما يتيح لها الإسهام في صياغة بيئة أمنية، بدلاً من أن تبقى محصورة في موقع الإستجابة لما يُفرض عليها، وفي هذا المجال، يوفِّر محور مصر والسعودية الإرادة السياسية والمرجعية المؤسسية لهذا المسار، لكن هندسته يُفترض أن تقوم على أساس تكاملي بين الجميع، خصوصاً بعد إدراك التهديد من قبل الجميع، كما كشفته حرب غزة والهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة، إلى قيام أساس سياسي حقيقي للعمل الجماعي، وهذا التقارب يحتاج إلى أن يتمأسس، طالما أنَّ المنطقة هي في مرحلة تحوُّل اليوم، وذلك عبر إصلاح جامعة الدول العربية على نحو يفرض أغلبية موصوفة في قرارات الأمن، ويدمج الترتيبات الأمنية دون الإقليمية رسمياً في إطار الجامعة، بتأسيس مجلس أمن دائم يتبع له جهاز عسكري، وهيئة أركان قادرة على التنسيق في الأزمات على الدوام، كما يتوجب العمل على تعميق علاقات البلدان العربية والخليجية مع الصين وروسيا ودول أوروبية رئيسة، إلى جانب علاقتها بالولايات المتحدة، من دون إستهداف العلاقة مع واشنطن، بل الحدِّ من الضعف اذي يخلقه الإعتماد الحصري المفرط عليها، فحين لا يواجه الراعي أي منافسة، لا يجد ما يدفعه إلى الوفاء بإلتزاماته، وهو ما حصل ويحصل مع الولايات المتحدة.

فالبلاد العربية تُنفق مجتمعة على الدفاع من حصص ناتجها المحلي الإجمالي، بما يفوق أي منطقة أخرى في العالم، لكنها لا تزال تعتمد إلى حدٍّ بعيد، على مورِّدين أجانب، أما القدرات العسكرية التي راكمتها دول مجلس التعاون الخليجي خاصة، فتبقى في معظمها عصيَّة على الإدماج ضمن هندسة دفاع عربي جماعي ومشترك، لأنها إشترت السلاح وتنظَّمت عقائدياً، بما يخدم الإندماج في عمليات تقودها الولايات المتحدة، وليس بما يُتيح لها دفاعاً مستقلاً عن المصالح السيادية العربية، إذ تعتبر هذه الأولوية ضرورية، فحماية آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب والمنصَّات البحرية، ومحطَّات الغاز الطبيعي المسال، ومرافق معالجة الطاقة، تتطلَّب منظومة متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي، تمتد عبر دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب أنظمة إنذار مبكر مشتركة، وبروتوكولات إستجابة سريعة، وقدرات موحدة للتصدي للطائرات المسيّرة والصواريخ، ولا يمكن بناء هذه المتطلبات بترتيبات ضعيفة ومرتجلة تحكمها الشعارات، أو بالركون إلى حسن نية ضامنين خارجيين.

هذا على المقلب الأميركي، أما على الضفة الثانية من الخليح العربي، فتشكِّل طهران قوة إقليمية كبرى، لها شبكات نفوذها تصل عبر أكثر من ساحة عربية، ولديها من الأسباب ما يدفعها إلى تقويض أي هندسة أمنية يُراد لها أن تقوم من دونها أو عزلها، فلا بدَّ من الإنخراط المنظَّم معها، لإدارة الأزمات ممَّا يحول دون الإنزلاق إلى الحرب، فالحرب التي تستهدف بُنية الطاقة في الخليج، لا تستدعي رداً عسكرياً فحسب، بل تتطلَّب أيضاً مساراً سياسياً موازياً، وتبدو خبرة مصر قوية ومتجذِّرة في الوساطة الإقليمية للدعوة إلى هذا الحوار ورعايته، فيما تبقى القضية الفلسطينية عبئاً إستراتيجياً ما دامت بلا حل، فهي الأداة الأشد فاعلية في يد أي طرف يسعى إلى دفع المجتمعات العربية نحو التطرُّف، وتقويض شرعية الحكومات العربية، ومنع قيام علاقات إقليمية مستقرة، هنا بالتحديد لا يمكن لأي هندسة أمنية عربية، أن تكتسب شرعية داخلية أو تحافظ على تماسكها الخارجي، من دون تقدم ملموس نحو قيام دولة فلسطينية، ولذا يُصبح التمسُّك الجماعي بالشرط السعودي بقيام دولة فلسطينية، أمراً لا بدَّ منه، وهنا يفترض بهذه الهندسة أيضاً، أن تقوم على أربعة عناصر متكاملة: الأول بعد عسكري ينهض على بناء قوة ردع جدية بما يكفي لتعديل حسابات المخاطر لدى إسرائيل، والثاني بُعد سياسي يتمسَّك بحق عربي فعلي في التشاور بشأن العمليات التي تنطلق من الأراضي العربية، والثالث بعد قانوني يقوم على حضور دائم وحازم في جميع المحافل الدولية ذات الصلة، والرابع بعد إقتصادي يحافظ جماعياً على شروط التطبيع التي أرستها السعودية، من دون أي إقصاء دائم لأي فاعل إقليمي، فقيام نظام أمني مستقر في الشرق الأوسط يقتضي، في نهاية المطاف مشاركة جميع الدول الرئيسية فيه، غير أنَّ ذلك يظل مشروطاً بتحوُّل إستراتيجي جذري، فطالما بقيت السياسة الإسرائيلية قائمة على تكريس الهيمنة العسكرية، وحرمان الفلسطينيين من دولة ذات سيادة وقابلة للحياة، سيبقى إندماجها في نظام إقليمي جماعي أمراً مستحيلاً، أما إذا قبلت بقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وتخلَّت عن منطق الهيمنة الإقليمية، أمكن النظر في إدماجها في الهندسة نفسها، التي بدأت الدول العربية في بنائها، فما تتطلَّبه اللَّحظة الراهنة، ليس إستكمال للمسار الطويل نحو إستقلالية إستراتيجية عربية كاملة، بل الشروع فيه من دون عودة على طريق لا رجعة فيه، عبر قرار سياسي جماعي يترسَّخ في أطر عربية شرعية، ويقر بأنَّ أمن الشعوب العربية هو في نهاية المطاف مسؤولية عربية، وأنَّ أمن الخليج وأمن العالم العربي الأوسع، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وقد صاغت مصر والسعودية ذلك في أيلول 2025، عبر بدء تشكل لهندسة أمن جماعي متكاملة غير منقوصة، وتربط ثروة الخليج بالعمق الإستراتيجي العربي، وتجعل من السيادة الفلسطينية حجر الزاوية في النظام الإقليمي، وليس ضحيته في حروب لا طائل منها.(2)

تعيش منطقة الشرق الأوسط على وقع زلزال جيوسياسي متلاحق، يُعيد رسم خطوط الصدع الإستراتيجية التي إستقرت لعقود طويلة، فلم يعد خافياً من خلال النظر للتحوّلات الدولية، إيجاد الصِّيغ التقليدية لإدارة الأزمات، والتي كانت ترتكز تاريخياً على التدخّلات العسكرية المباشرة للقوى الدولية، أو الاعتماد شبه الكلِّي على المظلة الأمنية الأميركية، قد دخلت كلها في طور الأفول الشامل، لتجد القوى الإقليمية الوازنة نفسها اليوم مضطرة للاعتماد على الذات، وسدّ الفراغات الإستراتيجية الناجمة عن إعادة تموضع القوى العظمى، وتوجيه تركيزها الدولي نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والصراع المحتدم في شرق أوروبا.

وفي قلب هذا المخاض المعقّد، تبرز إلى العلن ملامح حراك رباعي واعد، يجمع أربع عواصم من أثقل القوى الجغرافية والعسكرية والسياسية في العالم الإسلامي، وهي القاهرة، والرياض، وأنقرة، وإسلام آباد، وهذا الحراك الدبلوماسي المكثَّف، الذي تمثَّل في لقاءات تشاورية رفيعة لوزراء خارجية الدول الأربع، لا يمكن التعامل معه كحدث عابرـ أو تحالف تكتيكي مؤقت فرضته ظروف آنية، بل إننا أمام إرهاصات حقيقية لولادة منظومة إقليمية مُقَرِّرة وفاعلة، تسعى بوضوح إلى صياغة أمن إقليمي مستقل يدير أزمات المنطقة من الداخل، ويمنع تدويلها بما يضرُّ بالمصالح العليا والمشتركة لهذه الدول، حيث تتجلّى أولى إختبارات النجاح لهذه الرؤية المشتركة في الهندسة الدبلوماسية الدقيقة التي واكبت جهود خفض التصعيد العسكري في المنطقة، لا سيما في الممرات المائية الحيوية ومحاور الإشتباك الإقليمي، ولم تكن هذه التفاهمات وليدة الصدفة، بل جاءت ثمرة جهود وساطة باكستانية محورية، بتنسيق دبلوماسي وسياسي عالي المستوى مع مصر والسعودية وتركيا، لضمان ألاَّ تأتي أي تسوية دولية في المنطقة، على حساب أمن وإستقرار دول المشرق العربي والخليج، ولتأكيد أنَّ أي ترتيبات أمنية مستقبلية، يجب أن تمرّ حتماً عبر بوابة القبول الإقليمي المشترك.

وفي الوقت الذي تتَّجه فيه هذه الأطراف نحو تعزيز لقاءاتها التشاركية، وبحث آفاق مأسستها وتحويلها إلى إطار دائم، تبدو جبهات عمل هذا المحور ممتدة لتشمل كافة الملفات الساخنة في المنطقة، حيث تتصدر صياغة مستقبل الإستقرار جدول الأعمال، عبرتشديد هذا المنظور الرباعي، على محددات حاسمة، تشمل الإلتزام الصريح بمبادئ حسن الجوار، وإحترام سيادة الدول، والوقف الفوري لدعم الميليشيات المسلحة والفاعلين من غير الدول، وضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز والبحر الأحمر كخط أحمر لا يقبل المساومة، إستناداً إلى القرارات الأممية والإتفاقيات الدولية المنظمة للممرات المائية.

قد لا بدَّ أن إنطلاقة النظام الإقليمي الجديد، يركِّز على المعارضة الجماعية للعدوان الإسرائيلي، وهذا يعني تجاوز مجرد إصدار الإدانات، إلى إعادة بناء موقف إقليمي حول مبدأ كانت الدول العربية نفسها قد عبَّرت عنه بوضوح في السابق، لكنه تعرَّض للتمييع منذ ذلك الحين بفعل الإتفاقيات الإبراهيمية، مبادرة السلام العربية لعام 2002، فقد عرضت تلك المبادرة على إسرائيل التطبيع الكامل مقابل الإنسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967، والتسوية العادلة لمسألة اللاجئين الفلسطينيين، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.

ولا بدَّ أن تكون الركيزة الثانية، إعتماد عقيدة إقليمية للتعامل مع إيران، وهنا، يختلف التحدي، إذ يبدو النظام الإيراني، بصرف النظر عن مآل الصراع الحالي، في طريقه إلى التعافي من الهجمات الحالية، التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه سيخرج على الأرجح محاطًا بالعقوبات وغير آمن داخلياً، وهذا يخلق حافزاً قوياً لطهران، لتصدير الضغط، بدلاً من إستيعابه داخلياً، فقد قال المرشد الأعلى الجديد لإيران، مجتبى خامنئي، إن مضيق هرمز يجب أن يظلَّ مغلقاً كأداة للضغط، ودعا إلى إغلاق القواعد الأمريكية في المنطقة، محذراً من أنها ستكون هدفاً للهجمات، كما تدرك دول الخليج ودول عربية أخرى، كالعراق ولبنان واليمن، أنها ستبقى تشكل نقاط الضغط التي يُمكن لإيران من خلالها، تهديد النظام الإقليمي والدولي الأوسع.

لا تكمُن أهميّة الإجتماعات المتتالية التي جمعت مصر والمملكة السعوديّة وتركيا وباكستان، خلال الأشهر الأخيرة في البيانات الرسميّة التي صدرت عنها، ولا في العبارات الدبلوماسيّة المعتادة التي أكّدت دعم الإستقرار الإقليمي وخفض التصعيد، بل في ما تعكِسه هذه اللِّقاءات من تحوُّل أعمق تشهده المنطقة بأسرها، فوسط الحروب المتلاحقة، والتفاوض الأميركيّ الإيرانيّ، والتوتّرات الممتدّة من غزّة إلى لبنان والخليج والبحر الأحمر، بدأت مجموعة من القوى الإقليميّة الرئيسة، تبحث عن صيغ جديدة تُتيح لها المشاركة في إدارة مستقبل المنطقة، بدلاً من الإكتفاء بالتكيّف مع قرارات تُصنع في عواصم أخرى، وقد جاء إجتماع القاهرة الأخير، تتويجاً لمسار تشاوريّ بدأ في الرياض، ثمّ إنتقل إلى إسلام آباد وأنطاليا، في وقت تشهد المنطقة، واحدة من أكثر مراحلها حساسيّة منذ عقود، فالشرق الأوسط يقف اليوم أمام إعادة تشكيل واسعة للتوازنات السياسيّة والأمنيّة، فيما تتراجع كثير من المسلّمات التي حكمت الإقليم منذ نهاية الحرب الباردة.(3) وفي هذا السياق بالتحديد، تكتسب الدعوة المصريّة إلى تحويل الآليّة التشاوريّة الرباعيّة، إلى إطار مؤسّساتي دائم، دلالةً تتجاوز البُعد الإجرائيّ أو التنظيميّ، فتطرح سؤالاً أكبر يتعلّق بمستقبل النظام الإقليميّ نفسه.

فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، لعبت الولايات المتّحدة دور الضامن الرئيس للتوازنات الأمنيّة في الشرق الأوسط، لكنّ السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح، أنّ واشنطن باتت أقل إستعداداً للإنخراط المباشر في أزمات المنطقة، وأكثر ميلاً نحو توزيع الأعباء على الحلفاء والشركاء الإقليميّين، من دون أن يعني ذلك إنسحاباً أميركيّاً كاملاً أو تخلّياً عن المصالح الإستراتيجيّة، بل هو عملية إنتقال تدريجيّ من نموذج الهيمنة المباشرة، إلى نموذج إدارة التوازنات عن بُعد، دفع هذا التحوّل العديد من القوى الإقليميّة إلى إعادة النظر في حساباتها، إذ تدرك الدول العربيّة الكبرى وتركيا وباكستان، بأنّ الإعتماد الكامل على المظلّات الأمنيّة الخارجيّة، لم يَعُد كافياً لضمان الإستقرار في بيئة دوليّة متغيّرة وسريعة التحوّل، وتدرك أنّ الفراغ النسبيّ الذي يتركه تراجع الإنخراط الأميركيّ المباشر، يمكن أن يتحوّل إلى مصدر تهديد، إذا لم تبادر القوى الإقليميّة نفسها إلى تطوير أدوات للتشاور والتنسيق وإدارة الأزمات.

وفي الوقت نفسه، كشفت السنوات الأخيرة حدود القوّة العسكريّة، بوصفها أداة وحيدة لإعادة تشكيل المنطقة، فلا تزال إسرائيل، على الرغم من إمتلاكها تفوّقاً عسكريّاً وتكنولوجيّاً واضحاً، تواجه صعوبة في تحويل هذا التفوّق إلى نظام إقليميّ مستقرّ، أو إلى قبول سياسيّ واسع داخل المنطقة، وأظهرت الحروب المتكرّرة، أنّ إمتلاك القوة، لا يعني بالضرورة القدرة على فرض ترتيبات دائمة أو إنهاء الصراعات بصورة نهائيّة، أمّا إيران، التي بنَت خلال العقود الماضية، شبكة واسعة من النفوذ والعلاقات الإقليميّة، فتبدو أيضاً أمام مرحلة إعادة تموضع إستراتيجيّة، فالضغوط الإقتصاديّة والعقوبات والتحدّيات الداخليّة، إلى جانب المتغيّرات الإقليميّة الجديدة، دفعتها إلى تبنّي مقاربة أكثر مرونة وواقعية تجاه بعض الملفّات، بما في ذلك الإنخراط في مسارات تفاوضيّة تهدف إلى تخفيف التوتّر، وإعادة ترتيب الأولويّات.

هنا تزداد أهميّة هذا التقاطع ربطاً بطبيعة الدول المشاركة فيه، فتمثّل مصر مركزاً جيوسياسيّاً عربيّاً أساسياً، يربط بين المشرق والمغرب، ويُشرف على قناة السويس والبحر الأحمر، وتمتلك المملكة السعوديّة ثقلاً إقتصادياً ومالياً وطاقوياً، يجعلها لاعباً محورياً في أية ترتيبات إقليميّة، أما تركيا فتملك قاعدة صناعيّة وعسكرية متقدّمة، وحضوراً مؤثّراً في ملفّات عديدة تمتدّ من شرق المتوسّط إلى القوقاز وآسيا الوسطى، فيما تمثّل باكستان، عمقاً سكّانياً واستراتيجياً مهمّاً، يربط الخليج بجنوب آسيا والعالم الإسلامي الأوسع، فإجتماع هذه العناصر في إطار واحد، يمنح المسار الرباعي ثقلاً ووزناً لا يمكن تجاهله، وإنْ بقي حتّى الآن في مرحلة التشاور والتنسيق السياسي، ومع ذلك، سيكون من المبالغة إعتبار أنّ المنطقة تشهد ولادة تحالف جديد بالمعنى التقليديّ للكلمة، فالفوارق في أولويّات الدول الأربع لا تزال قائمة، ولكلٍّ منها علاقات وحسابات مختلفة تجاه الولايات المتّحدة وإيران وإسرائيل والقوى الدوليّة الأخرى.

لذلك يبدو أنّ الحديث عن حلف عسكري، أو محور صلب لا يزال سابقاً لأوانه، لكن الأقرب إلى الواقع، هو أنّنا أمام محاولة لبناء منصّة إقليمية مرِنة لإدارة التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، يمكنها أن تسمح بتبادل الرؤى وتنسيق المواقف وإحتواء الأزمات قبل إنفجارها، وتمنح القوى الإقليميّة مساحة أوسع للتأثير في القرارات التي تمسّ أمنها ومصالحها، ولا يقلّ البُعد الاقتصاديّ أهميّة عن البُعد الأمني في هذا المسار، إذ تحتاج المملكة السعوديّة إلى بيئة مستقرّة لإنجاح مشاريعها التنمويّة الضخمة من غزة الى الخليج ومن مصر الى السودان، وتحتاج مصر إلى حماية طرق التجارة الدوليّة وقناة السويس، وتحتاج تركيا إلى أسواق مستقرّة وممرّات آمنة لصادراتها، فيما تحتاج باكستان إلى إستثمارات وشراكات تساعدها على تجاوز تحدّياتها الإقتصاديّة.

لذلك أصبح الإستقرار الإقليميّ شرطاً ضرورياً، لتحقيق الطموحات الإقتصاديّة لهذه الدول جميعاً، وعليه يمكن فهم هذا المسار الرباعي، بوصفه تعبيراً عن تحول أوسع تشهده المنطقة، حيث لم يَعُد الأمن هدفاً منفصلاً عن الإقتصاد، بل أصبح الإقتصاد نفسه أحد أهمّ دوافع الأمن والإستقرار، وفي النهاية، قد يكون من المبكر الحديث عن نظام إقليميّ جديد مكتمل الأركان، أو الجزم أنّ الآليّة الرباعيّة ستتطوّر إلى تحالف سياسي أو أمني دائم، لكنّ المؤكّد أنّ ما يجري اليوم، يعكس إتجاهاً متزايداً لدى القوى الإقليميّة الكبرى نحو تحمّل مسؤوليّة أكبر، في إدارة شؤون المنطقة وصياغة مستقبلها، فالقرن الماضي شهد هيمنة منطق الأحلاف الصلبة والإستقطابات الحادّة، وما يتشكّل اليوم، يبدو أقرب إلى شبكات مرنة من التعاون والتنسيق تقوم على المصالح المشتركة، أكثر ممّا تقوم على الإنتماءات الإيديولوجيّة، ولهذا السبب تحديداً، يستحقّ المسار الرباعي الإستمرار والمتابعة، ليس لأنّه يعمل على تغيير المنطقة بالفعل، بل لأنّه قد يكون أحد المؤشّرات المبكِّرة، إلى الطريقة والأسلوب التي ستُدار بها توازنات الشرق الأوسط في السنوات المقبلة، ففي خضمِّ هذه التحوّلات جميعها، بدأت البراغماتيّة تحلّ تدريجاً محلّ الإستقطابات الإيديولوجيّة الحادّة التي طبعت مرحلة ما بعد الربيع العربيّ، فالتقارب التركيّ مع كلّ من مصر والمملكة السعوديّة، والجهود المتزايدة لإدارة الخلافات الإقليميّة عبر الحوار، يعكسان إدراكاً متنامياً بأنّ إستمرار الصراعات المفتوحة يستنزف الجميع ويقوّض فرص التنمية والإستقرار، ومن هنا تبرز أهمّيّة هذا المسار الرباعيّ، الذي لا يقوم على أسس أيديولوجيّة أو عقائديّة، ولا يستند إلى رؤية موحّدة بالكامل تجاه جميع الملفّات، بل يعتمد على تقاطع المصالح بين دول تمتلك أوزاناً مختلفة، لكنّها تشترك في الحاجة إلى بيئة إقليميّة أكثر استقراراً.

فما يجعل هذا التكتل الإقليمي لاعباً رادعاً ومقرِّراً في معادلات القوى العالمية، هو إمتلاكه لعناصر تفوق إستراتيجي فريدة، تتكامل فيها الجغرافيا السياسية مع المال، والسلاح التقليدي مع العمق البشري والقدرة الردعية العالية، فوفقاً لتقارير معاهد الدراسات الاستراتيجية والدفاعية مثل معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ( SIPRI)، فإنَّ القدرات العسكرية المجتمعة لهذه الدول الأربع، تضعها في مصاف القوى الكبرى عالمياً، وهو ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على فرض الإستقرار.

فمن ناحية الهندسة الإقليمية المتشكلة أو التي هي قيد التشكل، فإن مشاركة مصر في هذه المعادلة تمثِّل بصفتها العمق الجيوسياسي والتاريخي الحاضن، وهي التي تمتلك واحداً من أكبر الجيوش التقليدية وأكثرها جاهزية في المنطقة، فضلاً عن تحكُّمها الإستراتيجي بقناة السويس التي يمرّ عبرها نحو 12% من حركة التجارة العالمية، ممَّا يجعل القاهرة صمَّام أمان الملاحة الدولية، وخط الدفاع الأول عن أمن البحر الأحمر، وتضيف المملكة العربية السعودية إلى هذه المعادلة ثقلها المالي والإقتصادي الضخم، كعضو فاعل في مجموعة العشرين (G20)، وقدرتها التنافسية الفائقة في توجيه أسواق الطاقة العالمية، والإستثمارات العابرة للحدود، فضلاً عن قيادتها الوازنة وروابطها الروحية والدبلوماسية في العالمين العربي والإسلامي، أما تركيا، فتمثِّل الجسر البري والعسكري الرابط بين الشرق والغرب، وعضواً فاعلاً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتكتمل هذه التركيبة الإقليمية بجمهورية باكستان الإسلامية، التي تمنح هذا التكتل عمقاً إستراتيجياً وقدرات ردع متطورة، تجعله محصَّناً ضدَّ الضغوط الخارجية، بالإضافة إلى خبرتها الدبلوماسية الفريدة وقنواتها المفتوحة، مع القوى الدولية المؤثرة في الشرق والغرب على حد سواء.

أماعلى صعيد الأزمات الإقليمية المزمنة، يمتد دور هذا التحرك ليشمل التدخل الفعال، لإعادة بناء الدول المنهكة جراء النزاعات، والحد من التدخّلات الخارجية الهدّامة، ففي الملف اللِّيبي، تتلاقى الرؤى لدفع خارطة الطريق السياسية، نحو إنتخابات وطنية برلمانية ورئاسية متزامنة، مع ربط الإستقرار بالخطوات التنفيذية على الأرض، مثل توحيد المؤسسات السياسية والإقتصادية والأمنية، ومكافحة الإرهاب، لدمج ليبيا ضمن منظومة الأمن الإقليمي، وعلى الجبهة السودانية، فتبذل القاهرة والرياض جهوداً حثيثة لأجل إحتواء الأزمة الإنسانية والعسكرية، وتجنُّب تفكُّك مؤسسات الدولة الوطنية، وينطلق هذا الدور من خلال الضغط المستمر في المحافل الدولية، وفرض صيغ تفاوضية ملزمة للأطراف المتحاربة، ترتكز على مبادئ إعلان جدة لحماية المدنيين، والوصول إلى وقف دائم لإطلاق النار، والعودة إلى مسار سياسي إنتقالي شامل يحفظ وحدة السودان وسلامة أراضيه.

وعليه، رغم الإنشغال بهذه الملفات الأمنية المعقّدة، فإنَّ الرؤية المشتركة، تؤكِّد بشكل قاطع، أن القضية الفلسطينية تظلُّ في صميم الجهود الرامية لتحقيق أي سلام عادل، وتشكِّل الركيزة الأساسية لبناء نظام إقليمي مستقر، ويأتي الدعم الحازم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقّه في تقرير المصير، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبادرة السلام العربية، فولادة هذا المحور الإقليمي، يُمثِّل صياغة عملية لواقع جيوسياسي جديد في الشرق الأوسط، يُدار بأيدي قوى كبرى ووفقاً لمصالح شعوبه الإستراتيجية، ومن خلال إمتلاك هذه العواصم لأوراق القوة العسكرية والإقتصادية والتكنولوجية، فهي تضع نفسها كلاعب أول ومقرر، لا يمكن تجاوزه في رسم توازنات المستقبل، وبناء مظلّة أمنية وإقتصادية قادرة على تحويل المنطقة، من ساحة للصراعات الدولية إلى مركز للنمو الإقتصادي والمالي والطاقوي والإتصال الجغرافي العالمي.

لقد أدركت دول الخليج بحكمة حتى الآن على أي حال، أنه لا يجب أن يكون الردّ بالعداء المفتوح تجاه إيران، فالإستراتيجية الأفضل تتمثّل، في السَّعي إلى إبرام إتفاق رسمي لعدم التعدي مع إيران، يركِّز على عدم التدخل، وخفض التصعيد البحري وحماية البنية التحتية الأساسية، لا سيما الطاقة والنقل وتحلية المياه، والتخلِّي عن الهجمات بالوكالة، من قبل الجهات الفاعلة غير الحكومية، لن يقضي هذا الإطار على الصراع ولن يعالج مسألة وجود القواعد الأمريكية في العديد من الدول العربية، لكنه سيخلق قناة أفضل لخفض التصعيد عند ظهور بؤر جديدة للتوتر، وما نشهده اليوم هو أكثر من جولة جديدة من التفاوض بين واشنطن وطهران، إذ توحي المؤشّرات المتراكمة، بأنّ المنطقة أمام إعادة تموضع إستراتيجيّة كبرى، عنوانها إنتقال إيران من موقع الخصم الدائم للولايات المتّحدة، إلى موقع الشريك الضروريّ في إدارة توازنات الشرق الأوسط، فلا يرتبط المنطق الذي يحكم هذا التحوّل بالإيديولوجية بقدر ما يرتبط بالمصالح، فالولايات المتّحدة التي تخوض المنافسة الكبرى مع الصين، تحتاج إلى إستقرار مناطق الطاقة وإبعادها عن النفوذ الصينيّ المتزايد، وإيران التي أنهكتها العقوبات والعزلة الإقتصاديّة، تحتاج إلى نافذة واسعة على الإقتصاد العالميّ، وإلى إستثمارات قادرة على تحديث بنيتها الإقتصاديّة وإطلاق دورة نموّ جديدة.

في هذا السياق، يمكن فهم الحديث المتزايد عن تفاهمات تتجاوز الملفّ النوويّ إلى إعادة صياغة العلاقة بين البلدين، وإذا ما تكرّست هذه التفاهمات، فإنّ الشركات الأميركيّة ستجد طريقها إلى السوق الإيرانيّة، وسيصبح النفط والغاز الإيرانيّان، جزءاً من شبكة المصالح الغربيّة والأميركيّة، بما يحوِّل إيران خلال فترة قصيرة، إلى لاعب مندمج في النظام الاقتصاديّ الدوليّ، بدلاً من أن تكون خارجه،لكن وحتماُ، ستكون النتيجة الأولى لهذا التحوّل تهدئة شاملة مع إسرائيل، ليس بالضرورة عبر تحالف مباشر أو تطبيع كامل، بل عبر إنتقال الطرفين من منطق الصراع الوجودي، إلى منطق إدارة المصالح والتوازنات، وعندما تتراجع إحتمالات المواجهة الكبرى، تتغيّر تلقائيّاً وظيفة أغلب الملفّات الساخنة في المنطقة.

هنا سيكون لبنان من أكثر الساحات تأثّراً، فحزب الله بوصفه أبرز أدوات النفوذ الإيراني، لن يختفِ ولن يتراجع إلى الهامش، بل قد يتحوّل إلى أحد المستفيدين من الإستقرار الجديد، وسيستمرّ الدعم الإيرانيّ له ضمن معادلة إقليميّة أكثر هدوءاً وأقلّ صداميّة، في المقابل، سيواصل السعوديّون دعم حلفائهم السياسيّين داخل لبنان، هكذا يتشكّل نموذج جديد للدولة اللُّبنانيّة، يتمثّل في إدارة توازن النفوذين الإيرانيّ والسعوديّ بدلاً من صراعهما، دولة تُدار بتفاهمات أكثر ممّا تُدار بمواجهات، وقد يكون هذا النموذج، على كلّ ما يحمله من تناقضات، أقرب إلى الواقع اللُّبنانيّ من أيّ مشروع إقصائيّ أو إنتصاريّ لطرف على حساب آخر، لكنّ الصورة لا تكتمل من دون إسرائيل وتركيا، إذ ستسعى الأولى إلى تثبيت مكاسبها الأمنيّة والسياسيّة ضمن النظام الإقليميّ الجديد، بينما ستعمل الثانية على توسيع حضورها في ملفّات الطاقة والتجارة والأمن، وسيبقى حجم دور كلّ منهما، مرهوناً بتطوّر الأحداث، وبقدرتهما على التكيّف مع التوازنات المستجدّة، وعليه، سوف يدخل الشرق الأوسط مرحلة ما بعد الحروب الكبرى، مرحلة لا تُقاس فيها قوّة الدول بعدد الصواريخ، بل بحجم الإستثمارات والتفاهمات والشراكات الإقتصاديّة، أو مرحلة إنتقال المنطقة من ساحات المواجهة إلى أسواق المصالح.

في الختام، يعيش إقليم الشرق الأوسط والخليج العربي لحظات إضطراب عميقة، تتطلَّب إعادة تفكير إستراتيجية، بعد أن تحمَّلت المنطقة تكاليف بشرية وإقتصادية وبيئية هائلة على مدى العقدين الماضيين، الغزو الأمريكي للعراق، والحرب الطويلة في سوريا، وإنهيار الدولة في أجزاء من ليبيا واليمن والسودان، والإبادة الجماعية في غزة، والحروب المتكرِّرة في لبنان، والنزوح الجماعي عبر جبهات متعددة، وإضطرابات متكرِّرة من إنعدام الأمن في الخليج العربي والبحر الأحمر، لم يتمكَّن النظام القديم من إحتواء هذه الأزمات، بل في معظم النواحي زاد في تفاقمها.

لقد حاولت بلدان الشرق الاوسط والخليج العربي لفترة طويلة جداً حماية نفسها، من خلال الإستعانة بمصادر خارجية لتأمين أمنها عبر واشنطن، أو تفاهمات ضمنية مع إسرائيل، أو خفض مؤقَّت للتصعيد وتسويات مع إيران، فهذا الأسلوب قد إنهار بالفعل اليوم لدى العديد من دول المنطقة، والمنطقة اليوم أمام إعادة تشكُّل جديد، في صياغة وإنتاج بديل أكثر جدية، قبل أن يُعيد الخارج تنظيمها مرة أخرى وعلى حساب دول الإقليم، من هنا يجب أن تكون الركيزة، بالبدء في تطوير القدرة على التفاوض ككتلة إقليمية موحَّدة، من أجل تعزيز الموقف التفاوضي للجميع، في عالم تتنافس فيه القوى العظمى، فالنظام الذي أعْقب الحرب الباردة فشل وهو تلاشى، ولم تَعد الولايات المتحدة ضامنة للإستقرار، وتعمل القوى الصاعدة في جميع المجالات على توسيع هامش مناورتها في فترة الفراغ السياسي الحالية، وقد بدأت بالفعل الدول العربية، أو على الأقل مَن يملك منها مؤسسات حكومية قوية على تكييف سلوكها، عبر التوفيق بين واشنطن وبكين بمروحة علاقات متوازنة، وتطوير علاقات إقتصادية قوية مع الهند مع الحفاظ على علاقات إستراتيجية مع باكستان، وإدارة العلاقات مع روسيا بناءً على كلِّ حالة على حدة، وتنويع الشراكات الدفاعية والتكنولوجية، لكن التوفيق بغياب تنسيق جماعي، ينطوي على مخاطر إعادة إنتاج التشرذم، أو على الأقل إضعاف الموقف التفاوضي لدول المنطقة والإقليم، لذلك، يجب أن يتضمَّن أي حلف جديد، مشاورات إستراتيجية منتظمة حول التحالفات خارج المنطقة، ومنابر لمناقشة التعاون بشأن التحديات الإستراتيجية التي تواجه دولها، فلا يتعلَّق الأمر بالإختيار بين الولايات المتحدة والصين، بل بضمان أن لا تُجبر المنطقة على إتباع أولويات القوى الخارجية.

إن إحدى العقبات الرئيسة في طريق ذلك، ستكون عبر الضغط الأجنبي من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك الإفتقار إلى الثِّقة السياسية، وإغراء كل دولة بمواصلة لَعِب لعبتها التوازنية الخاصة، كما حصل ويحصل في اليمن أو السودان، كما لا تزال العديد من دول المنطقة ضعيفة، مع شرعية داخلية مهتزة ومهترئة، ومؤسسات متحلِّلة، وعقود إجتماعية متوتِّرة، فهذه الهشاشة تُصَعِّب التنسيق الإستراتيجي، لأنَّ الحكومات التي تشعر بعدم الأمان في الداخل، تفضِّل في الغالب الصفقات الخارجية قصيرة الأجل على الأطر الإقليمية طويلة الأجل، لذلك يجب أن يصاحب أي إتفاق جديد، جهود لتعزيز شرعية الدولة وإشراك الجميع والإستجابة في الداخل.

والمأمول، أن هذه الحكومات وبعد سنوات إفترضت فيها أنها تستطيع إدارة إنعدام الأمن من خلال العلاقات الثنائية مع واشنطن، أو التطبيع الإنتقائي مع إسرائيل، أو التفاهمات الظرفية مع طهران، قد وصلت الآن إلى لحظة إدراك، بأن حتى أقوى هذه الدول تبقى في اللَّحظات الحاسمة، شركاء من الدرجة الثانية، يمكن للقوى الأكبر التنازل عن أمنها وأولوياتها، فوجود عقيدة إقليمية أكثر تنسيقاً، تقوم على شرعية داخلية أقوى وتكامل إقليمي أفضل، لن يقضي على التبعية بين عشية وضحاها، لكنه سيخفِّف بعض التفاوت الذي تستغلِّه الأطراف الخارجية حالياً في تشكيل المنطقة، في المقابل، من الخطأ تصوّر أن إتفاقاً جديداً على مستوى الدول يكفي بحد ذاته، فالمنطقة لا تحتاج إلى توازن جديد بين الدول فحسب، بل تحتاج أيضاً إلى دول تتمتَّع بقدر أكبر من الشرعية، وإشراك جميع الفئات الشعبية بالحكم، وقادرة على توفير الأمن والرفاه لشعوبها، وإذا لم تحقَّق دول المنطقة هذا، فقد تُعيد إنتاج نقاط الضعف القديمة ونفس المعاناة، حتى لو توصَّلت إلى إطار إقليمي أكثر إستقلالية، إذًا، لا تكمن قيمة النظام الإقليمي الجديد في أنه قد يجعل المنطقة أكثر أمانًا للدول فحسب، بل في خلق فضاء سياسي وإستراتيجي لتحسين العلاقات بين الدولة والمجتمع، وإدارة أكثر مصداقية، ومفهوم مناسب للأمن البشري يستجيب للإحتياجات المحلية، إذ يتَّضح بشكل متزايد من خلال التفاعلات في الشوارع، أو قاعات المؤتمرات والتوسع في الرأي العام، والتفاعل بين النخب والجمهور العام على حد سواء، بأن النظام الحالي لا يحمي المصالح الجوهرية للمنطقة، والتحدي الآن يتمثّل في تحويل هذا الإدراك إلى مشروع، يدافع عن السيادة ويقاوم الإكراه الخارجي، ويبدأ في إعادة بناء العلاقة بين الدول والمجتمعات على أرضية أصلب.

فقد أُعلن وقف الحرب الكبرى في الإقليم بين إيران وأميركا، لكن لا أحد يعرف إذا كانت إنتهت فعلاً، أم دخلت فقط في إستراحة مؤقّتة، ويتحدّث الجميع عن السلام، فيما يستعدّ الجميع لإحتمالات أخرى، والأخطر أنّ كلّ طرف يقرأ مذكّرة التفاهم بطريقة مختلفة، وكأنّنا أمام إتّفاقات متعدّدة لا إتّفاق واحد، فما تعتبره واشنطن أنه بداية نظام إقليميّ جديد، تنظر إليه طهران على أنّه إثبات لصمود النظام، وتتعامل معه إسرائيل كمرحلة مؤقّتة لا نهاية للصراع، وتنظر إليه دول المنطقة بقلق متزايد، خشية أن تكون مقدّمة لترتيب جديد يُرسم فوق رؤوسها لا بمشاركتها، ولهذا السبب قد لا تكون أهمّ نتيجة للحرب أنّها إنتهت، بل فتحت باباً واسعاً من الغموض الإستراتيجيّ لم تعرفه المنطقة منذ عقود.

فالحقيقة أنّ ما جرى لا يشبه نهاية حرب، بقدر ما يشبه نهاية لإنهيار نظام إقليمي، وبداية البحث عن نظام جديد، فقد كان النظام القديم قائماً على ثلاث مسلّمات، الأولى أن الولايات المتّحدة هي الضامن الأمنيّ الأوّل للمنطقة، والثانية أن دول الخليج تتحرّك ضمن رؤية أمنيّة متقاربة، والثالثة أن القوّة العسكريّة قادرة على فرض وقائع سياسيّة دائمة، فقد هزّت الحرب الأخيرة هذه المسلّمات الثلاث دفعة واحدة، فواشنطن أثبتت أنّها قادرة على التدخّل العسكريّ، لكنّها لا تبدو راغبة في البقاء طويلاً لإدارة نتائج تدخّلها، وخرجت دول الخليج بمقاربات مختلفة للأمن الإقليميّ حتى الآن، أمّا فكرة إعادة تشكيل المنطقة بالقوّة العسكريّة، فقد أثبتت مرّة أخرى أنّها أسهل بكثير على الورق منها على أرض الواقع، وفي ظلّ هذا الفراغ، بدأت ملامح توازنات جديدة تظهر للمرّة الأولى منذ سنوات، فالمملكة السعوديّة التي راهنت طويلاً على المظلّة الأميركيّة، خرجت أكثر قناعة بضرورة تنويع شراكاتها الإستراتيجيّة، فيما يصعب الحديث عن نصر حاسم لأيّ طرف، لكنّ المشكلة ليست هنا، بل أنّ الإتّفاق ترك لكلّ طرف مساحة كافية ليُعلن الإنتصار، كما أن تركيا رأت في الحرب فرصة لتعزيز دورها كقوّة إقليميّة، لا يمكن تجاوزها في أيّ ترتيبات أمنيّة مقبلة، أمّا باكستان فإكتشفت أنّ موقعها النوويّ والجيوسياسيّ، يمنحها دوراً يتجاوز حدود جنوب آسيا إلى قلب معادلات الشرق الأوسط.

في المقابل، لم يَعد يُنظَر إلى إيران بالطريقة نفسها التي كان يُنظر بها إليها قبل الحرب، فبعد الضربات التي تعرّضت لها وخسارتها جزءاً مهمّاً من نفوذها الإقليميّ، لم تعُد بعض العواصم العربيّة ترى أنّ عزلها بالكامل هو الخيار الواقعيّ أو الممكن، لذلك بدأ يظهر توجُّه يقوم على إحتواء إيران والتفاهم معها في بعض المِلفّات، بدلاً من الدخول في مواجهة مفتوحة معها، فوقف هذه الحرب جمّد مشروعين، الأول، مشروع توسيع إتّفاقات أبراهام ليشمل المملكة السعوديّة وعدداً من الدول الإسلاميّة الكبرى، فالحرب جعلت التطبيع أكثر تعقيداً سياسياً وأعلى كلفة شعبيّة، والمشروع الثاني، بناء محور إقليميّ واضح المعالم، تقوده الولايات المتّحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، فبدلاً من ولادة محورين متقابلين، أنتجت الحرب شبكة أكثر تعقيداً من العلاقات والتفاهمات المتقاطعة، تتعاون من خلالها الدول في ملفّ وتختلف في ملفّ آخر، بل باتت بعض الدول تخشى أن يؤدّي أيّ تفاهم أميركيّ _ إيرانيّ مستقبلي، إلى تكريس إنطباع خطير مفاده أنّ المنطقة تُدار بين قوّتين فقط هي إسرائيل وإيران، فيما يُطلب من بقيّة دول الشرق الأوسط، التكيّف مع نتائج هذا التفاهم، وهذا تحديداً ما يدفع دولاً مثل المملكة السعوديّة وتركيا ومصر وباكستان إلى البحث عن مساحات أوسع من التنسيق فيما بينها، ليس لمواجهة إيران بالضرورة، بل لمنع إختزال مستقبل المنطقة بثنائيّة إسرائيليّة_ إيرانيّة تعيد ترتيب الإقليم وفق حساباتهم.

لهذا، تبدو المنطقة اليوم وكأنّها عالقة بين نظامين، نظام قديم فقد قدرته على الإستمرار، ونظام جديد لم يولد بعد، وما بين الإثنين، تتشكّل تحالفات مؤقّتة، وتُعاد صياغة أولويّات، وتُختبر موازين قوى جديدة، قد تحدّد شكل الشرق الأوسط لعقد كامل مقبل، فما يُثير القلق ليس ما ورد في مذكّرة التفاهم، بل ما لم يرِد فيها، ولا أحد يعرف شكل الإتّفاق النهائيّ بعد ستّين يوماً، ولا أحد يعرف حدود النفوذ الإيرانيّ المقبولة أميركيّاً، وكذلك لا أحد يعرف ما إذا كانت إسرائيل ستلتزم المسار السياسيّ أم ستعود إلى الخيار العسكريّ، ولا أحد يعرف ما إذا كانت واشنطن تنظر إلى ما جرى كصفحة تم إقفالها، أم كورقة ضغط مؤقّتة في مفاوضات أطول، ومن هنا تأتي خطورة الأسابيع الستّين المقبلة، ليست فترة إنتقال من الحرب إلى السلام، بل فترة إنتقال من المعلوم إلى المجهول، مرحلة تتعايش فيها التهدئة مع إحتمالات التصعيد، وتتعامل الدبلوماسيّة مع الحسابات العسكريّة، فأيّ خطأ في جنوب لبنان، وأيّ ضربة إسرائيليّة كبيرة، وأيّ ردّ غير محسوب من الحزب، قد لا تهدّد الجبهة اللُّبنانيّة فقط، بل قد تنسف الإطار الهشّ الذي قامت عليه مذكّرة فرساي بأكملها، أمّا ما إذا كانت المنطقة دخلت فعلاً مرحلة سلام أم هدنة طويلة بين جولة وأخرى، فهذا سؤال لن تجيب عنه البيانات الرسميّة ولا الصور التذكاريّة، بل سيأتي الجواب من بيروت، ومن جنوب لبنان، ومن الخليج، ومن طهران، خلال الأسابيع والأشهر المقبلة.

قد يهمك