في غضون ساعات من سقوط نظام "الأسد" في الثامن من ديسمبر 2024، كان الجيش الإسرائيلي يتحرك بسرعة لافتة على محورين متزامنين: جوي وبري. على الجبهة الجوية، أطلقت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 350 غارة خلال الـ48 ساعة الأولى وحدها، استهدفت طيفاً واسعاً من منظومات الأسلحة التي تركها النظام السابق – طائرات ومروحيات وسفناً حربية وصواريخ ومستودعات أسلحة كيميائية وقواعد جوية وموانئ – قبل أن تتمكن أي جهة من الاستيلاء عليها. وعلى الجبهة البرية، تجاوزت القوات الإسرائيلية حدود المنطقة العازلة المنزوعة السلاح المُنشأة منذ 1974، لتضم نحو 350 كيلومتراً مربعاً إضافية من الأراضي السورية تمتد من جبل الشيخ شمالاً إلى حوض اليرموك جنوباً. أعلن رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" صراحةً أن اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 "لم يعد سارياً"، مُبرراً التحرك بمبدأ "الدفاع الأمامي" وعدم السماح لأي تهديد بالتموضع على الحدود قبل معالجته.
ما كشفته تلك الصدمة، في التقييم الإسرائيلي، ليس مجرد إخفاقاً استخباراتياً، بل فشلاً في منطق الردع الكلاسيكي القائم على الاعتماد على خطوط الحدود المُقننة دولياً وقوات حفظ السلام الأممية والاتفاقيات الثنائية، فالاستنتاج الذي ترجمته العقيدة العسكرية الجديدة - بحسب ما وصفه معهد المجلس الأطلسي في تقرير يوليو 2026 - هو أن إسرائيل "لم تعد تبدو راغبة في الاعتماد على القوات الدولية أو اتفاقيات وقف إطلاق النار أو حكومات الجوار لإبعاد الفاعلين المعادين عن مجتمعاتها الحدودية". بدلاً من ذلك، تسعى إلى "دفع خط السيطرة للخارج، وتفريغ أو تقييد المناطق الواقعة خلف الحدود الرسمية، ثم معاملة تلك المساحات كحزام أمني ضروري".
منذ يناير 2026، انخرطت إسرائيل وسوريا في خمس جولات من المفاوضات الأمنية برعاية أمريكية مباشرة، شملت "ويتكوف" و"كوشنر" و"باراك" جنباً إلى جنب مع "الشيباني" و"السلامة" و"ليتر" و"غوفمان". وقد كشف محتوى المقترح الإسرائيلي، الذي رصدته أكسيوس وهآرتس والـFDD في أغسطس وسبتمبر 2025 ثم لاحقاً، عن أهداف تتجاوز الأمن الحدودي بكثير، مثل تمديد المنطقة العازلة بكيلومترين إضافيين، وحظر الطائرات السورية فوق مساحة شاسعة تمتد من دمشق إلى الحدود، والاحتفاظ بمنشأة عسكرية إسرائيلية دائمة على قمة "تاج الحرمون"، والأهم من ذلك هو الإبقاء على "ممر جوي" عبر الأجواء السورية لضرب إيران مستقبلاً إذا دعت الحاجة. هذه البنود مجتمعة تقدم صورة لا تشبه "اتفاقية أمنية" بالمعنى الكلاسيكي بقدر ما تشبه إعادة هيكلة إقليمية تحول سوريا من دولة جارة إلى فضاء عازل مُدار إسرائيلياً.
تحولات العقيدة الأمنية:
طوال العقود الماضية، اعتمدت إسرائيل مع سوريا سياسة "الغموض الاستراتيجي المحسوب"، عبر ضربات نوعية متفرقة ضد مواقع بعينها، بلا إعلان عقيدة شاملة، لكن الفترة الممتدة من ديسمبر 2024 حتى منتصف 2026 مثلت تحولاً من هذا الغموض إلى وضوح عقائدي علني غير مسبوق، إذ أعلن وزير الدفاع "يسرائيل كاتس" في مارس 2025 أن الجيش الإسرائيلي مستعد للبقاء في سوريا "إلى أجل غير مسمى" لضمان أن تكون "منطقة الأمن الجنوبية منزوعة السلاح وخالية من الأسلحة والتهديدات"، وأن حقل الحرمون تحديداً "محمي لصالح سكان الجولان والجليل". هذه الصراحة تجاوزت بكثير لغة "ردود الفعل الدفاعية" المعتادة، وأعلنت بشكل لا لبس فيه أن إسرائيل تتعامل مع الجنوب السوري كمنطقة نفوذ دائمة، لا كميدان طارئ تُخليه حين تستقر الأوضاع.
شكلت حملة القصف الجوي المتواصلة على سوريا بين ديسمبر 2024 ونهاية 2025 أحد أعنف حملات تدمير البنية العسكرية في تاريخ المنطقة، شملت ألف غارة جوية موثقة خلال العام الأول وحده، وكان الهدف المُعلن لهذه الحملة هو منع "الجماعات الجهادية" من امتلاك أسلحة نوعية، لكن الهدف الفعلي أوسع من ذلك، يشمل إعادة سوريا إلى نقطة الصفر العسكري – دولة بلا منظومات تسليح متطورة، وبلا قوات جوية فاعلة، وبلا سيطرة ذاتية على أجوائها – بحيث تصبح قدرتها على التهديد أو حتى على الردع مقيدة بنيوياً لسنوات مقبلة. وهذا ما يفسر الاشتراط الإسرائيلي في المفاوضات بحظر الطائرات السورية فوق مساحات شاسعة من أراضيها، إذ يعيد إنتاج هذه المعادلة عبر الاتفاق بعد أن كرسها ميدانياً عبر القصف.
يحتل جبل الشيخ مكانة مزدوجة في الحسابات الإسرائيلية، بين الرمزية والعملياتية في آن واحد، فعلى الصعيد الرمزي سارع الجيش الإسرائيلي إلى نشر صور جنوده على قمة الجانب السوري من الجبل في ديسمبر 2024، في رسالة قصدية تُعلن السيطرة على أعلى نقطة جغرافية في المنطقة. وعلى الصعيد العملياتي، يمنح الموقع قدرات استخباراتية ورادارية تغطي مساحة تمتد من دمشق إلى بيروت إلى الحدود الأردنية. والإصرار الإسرائيلي في المفاوضات على الاحتفاظ بمنشأة دائمة عليه جحتى في حال تحقق انسحاب جزئي من سائر المناطق يُقرأ في دمشق بوصفه تثبيتاً لموقع رقابي استخباراتي لا انسحاباً عملياً بأي معنى حقيقي. في المقابل، تتمسك دمشق في ردودها التفاوضية بالعودة الكاملة إلى خطوط 1974، وقد صرح "الشيباني" لمنفذ يورونيوز في مايو 2026 بأن سوريا "تريد اتفاقاً أمنياً يحترم سيادتها"، وأن التطبيع والاتفاق الأمني "مساران منفصلان".
وفي السادس من يناير 2026، أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا معاً إنشاء "آلية تنسيق مشتركة" تشمل تبادل الاستخبارات وخفض التصعيد العسكري والتواصل الدبلوماسي وفرص تجارية، تحت الإشراف الأمريكي، وقد وصف بعض المراقبين الخطوة بأنها "بداية تطبيع"، في حين نفى الجانب السوري هذا الوصف بحزم، مؤكداً أن الآلية أداة تقنية لمنع الاشتباكات لا مسار تطبيع. بيد أن ما يلفت في هذه الآلية، أن الجانب الإسرائيلي نشر بنوداً إضافية لم ترد في البيان الرسمي السوري، مما أثار تساؤلات جدية حول مضمون ما لم يُعلن. هذا التفاوت في التفاصيل المُصرح بها يعكس أن الآلية تحمل مستويات مزدوجة، متمثلة في سقف دبلوماسي معلن وقاع أمني يبقى في منطقة الغموض المقصود.
ساحة نفوذ:
توظف إسرائيل أدوات عسكرية وسياسية وطائفية وتفاوضية في آن واحد، مُنتجةً ضغطاً متراكماً يصعب على دمشق الرد عليه في كل هذه الاتجاهات في آن، والنمط العام لهذا التوظيف المتعدد هو ما يوصف بـ "التكريس التدريجي"، لا إعلان ضم رسمي واحد يُثير الرأي العام الدولي، بل سلسلة وقائع ميدانية متراكمة تكرس السيطرة دون استدعاء التداعيات القانونية الكاملة للضم، وفي هذا السياق سنستعرض الأدوات الخمس التي تشكل معاً البنية التحتية للنفوذ الإسرائيلي في الجنوب السوري:
(1) الاقتحامات البرية المنهجية: منذ يونيو 2025، بلغ معدل الاقتحامات الإسرائيلية البرية داخل الأراضي السورية ما يقارب 17 اقتحاماً أسبوعياً، هذه الاقتحامات ليست مجرد دوريات حدودية، بل تنطوي على نمط منهجي يشمل دوريات بالمركبات المدرعة عبر المناطق السكانية، ونصب نقاط تفتيش مؤقتة على الطرق الرئيسية يوقف فيها جميع المدنيين السوريين ويخضعون للتفتيش والاستجواب وفحص هواتفهم وجمع بياناتهم البيومترية في بعض الحالات، ومداهمات على مباني سكنية ومحلات تجارية، واحتجاز عشرات الرجال السوريين وترحيلهم إلى الأراضي الإسرائيلية للاستجواب. يبقى ما لا يقل عن اثني عشر رجلاً في الاحتجاز الإسرائيلي مجهول المصير، وينتج هذا النمط سيطرة تشغيلية فعلية على الأرض دون إعلانها قانونياً، كما يكرس وقائع تحول تراكمها إلى سابقة يصعب عكسها.
(2) ورقة الدروز: في يوليو 2025، حين اندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن السورية ومسلحين من الدروز في محافظة السويداء، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي "كاتس" عن انتهاء التحذيرات في دمشق، الآن ستأتي الضربات المؤلمة، قبل أن ينفذ الجيش الإسرائيلي غارات على مقر وزارة الدفاع السورية ومحيط القصر الرئاسي في دمشق في السادس عشر من يوليو 2025. وقد كان الإطار المُعلن "حماية الأقلية الدرزية"، غير أن تحليلاً أعمق لتوقيت الضربة وأهدافها يكشف أنها استهدفت قدرات عسكرية حكومية بعيدة عن أي محور طائفي حقيقي. هذا التكتيك، الذي كرره "نتنياهو" لاحقاً بقوله إن "إخواننا الدروز في إسرائيل، يمكنكم الاعتماد على الجيش الإسرائيلي لحماية إخوانكم في سوريا"، ما يضفي شرعية إنسانية على عمليات ذات أهداف استراتيجية، ويجعل الرد السوري المسلح مكلفاً دولياً لأنه قد يُصوَر بأنه "اعتداء على الأقليات".
(3) الممر الجوي: يطالب المقترح الإسرائيلي في المفاوضات بالإبقاء على ممر جوي عبر الأجواء السورية، ظاهرياً لتمكين إسرائيل من ضرب إيران مستقبلاً إذا دعت الحاجة. هذا البند، الذي لم تنشره دمشق في بياناتها الرسمية لكنه ورد في مصادر متعددة من بينها Axios وFDD وجيروزاليم بوست، يحول المفاوضة حول الجنوب السوري من اتفاقية حدودية ثنائية إلى اتفاقية تخصص الأجواء السورية لأغراض استراتيجية إسرائيلية-إيرانية. وإذا كانت المحادثات السورية-الإيرانية حول الهدنة قائمة في الوقت ذاته، فإن إسرائيل تسعى إلى تأمين حق عبور يبقي سوريا في معادلة الصراع الإقليمي حتى بعد التوقيع على أي اتفاق.
(4) التكريس التدريجي: اتخذت إسرائيل منذ ديسمبر 2024 خطوات لتوسيع احتلالها في هضبة الجولان، ووفق القانون الدولي الإنساني، تُعتبر الأراضي محتلة حين تُوضع تحت سلطة جيش معادٍ. إن ما يميز المرحلة الراهنة عن سابقاتها هو أن الضم، الذي اعترفت به واشنطن عام 2019، يتوسع الآن بأدوات ميدانية دون الحاجة لإعلان رسمي إضافي عبر بناء حواجز أمنية، وإزالة ألغام بذريعة إنسانية تمهد للاستيطان، وتثبيت قواعد عسكرية دائمة. وكشفت تقارير i24NEWS في يناير 2026 أن المفاوضات تشمل بنداً عن "استئجار الجولان لخمسة وعشرين عاماً"، وهو إن صح يعني ترتيباً لا يقل ضرراً من "الضم" لأنه يقنن الوضع القائم بصيغة تعاقدية.
(5) جسر التطبيع: جاء في البيان المشترك الصادر في يناير 2026 أن الآلية تتضمن "خلية ارتباط دائمة لتبادل الاستخبارات وخفض التصعيد العسكري وتعزيز التواصل الدبلوماسي وبحث الفرص التجارية". عبارة "الفرص التجارية" هي التي أثارت توترات واسعة في الرأي العام السوري والعربي، إذ يرى المنتقدون أن إدراجها في آلية أمنية يُهدف منها تدريجياً إلى تطبيع اقتصادي يسبق التطبيع السياسي الرسمي، دون أن تستعيد سوريا أراضيها أولاً. في المقابل، يدافع المؤيدون عن المقاربة بأنها "تقنية لمنع التصادم" لا شيء أكثر. الفجوة بين القراءتين تلخص جوهر المعضلة السورية في التعامل مع إسرائيل، بأن الحكومة الانتقالية تحتاج إلى وقف العدوان، لكن الوقف نفسه يأتي بشروط قد تُفسر بوصفها اعتراف ضمنياً بالوضع القائم.
حدود الردع والتصعيد:
وجدت الحكومة السورية الانتقالية نفسها في معادلة غير مسبوقة التعقيد، كدولة لا تعترف رسمياً بإسرائيل، وترفض التطبيع كمبدأ، وتصف الغارات الإسرائيلية بأنها "انتهاك صريح للسيادة"، لكنها في الوقت ذاته تُفاوض تل أبيب في خمس جولات وتمنع أي رد عسكري على الاقتحامات المتواصلة. هذا التناقض المُعلن بين خطاب السيادة وغياب الرد العسكري لم يمر دون ملاحظة، ويفسره مراقبون بأن دمشق تدرك جيداً أن أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل في هذه المرحلة ستكون كارثية بالنسبة لجيش لا يزال يُكمل هيكلته. فضلاً عن ذلك، طوال العام الماضي، اقتصر الرد السوري الوحيد على الاقتحامات الإسرائيلية على الاستنكار الدبلوماسي. هذا الضبط النفسي يُوصَف بـ"القبول الضمني"، بينما يقدمه المؤيدون بوصفه "براغماتية وجودية"، والحقيقة تقع في المنتصف، فإنه قبول بالوقائع ريثما تكتمل القدرة على تحديها.
فحين قصف الجيش الإسرائيلي مقر وزارة الدفاع السورية في دمشق في يوليو 2025 بذريعة أحداث السويداء، كان يرسل رسالتين في ذات الوقت، للداخل السوري بأن إسرائيل مستعدة لاستهداف مراكز القرار ذاتها إذا تصاعدت الأحداث الطائفية، وللخارج بأنها "القوة الحامية للأقليات" في سوريا. هذا التوظيف الطائفي الذكي يضع الحكومة الانتقالية في مأزق مزدوج: فإذا تصرفت بحزم أمنياً في السويداء، تعرضت لضربات إسرائيلية جديدة تحت مسمى "الحماية"؛ وإذا أبدت تساهلاً خوفاً من الضربات، قدّمت ذلك على أنه ضعف أمام الطوائف الأخرى التي تُراقب كيفية تعامل الدولة مع ملف السويداء. أكدت هذه الأزمة المخاوف من أن سوريا لا تزال تكافح من أجل الاستقرار، وأنها تقوض بشكل حاد جهود الدولة السورية الجديدة لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل.
وقد جرت الجولة الخامسة من المفاوضات عقب جمود امتد لنحو شهرين بسبب "الفجوات الكبيرة بين الطرفين"، كما بسبب استقالة المفاوض الإسرائيلي الرئيسي "رون ديرمر" من منصبه في نوفمبر 2025. وقد طلب "ترامب" صراحةً من "نتنياهو" استئناف المفاوضات، وهو ما يكشف أن الضغط الأمريكي هو المحرك الأساسي لاستمرار الجلسات، لا الاقتناع الإسرائيلي بجدوى الانسحاب. دمشق من جهتها تُعلن عبر الشيباني وفي كل مناسبة أن هدفها "العودة إلى خطوط 1974"، بينما تصف الموقف الإسرائيلي بأنه "غير هادئ، يهدد الاستقرار في سوريا، ويزعزع استقرارها ويستهدف البنية التحتية العسكرية والمدنية بحجج كاذبة وغير موثوقة". تريد دمشق (الانسحاب الكامل) وما تعرضه إسرائيل (انسحاب منقوص مع إبقاء مواقع استراتيجية)، وبالتالي لا تزال الفجوة واسعة، وهو ما يجعل التوصل لاتفاق نهائي أمراً يُرجَح أن يستغرق وقتاً أطول مما يفيد به الخطاب الأمريكي المتفائل.
وختاماً، يبقى الثمن الأعلى في هذه المعادلة تدفعه سوريا، فأي اتفاق أمني يبقي على قواعد إسرائيلية في الجنوب ويحظر الطائرات السورية فوق مساحات من أراضيها ويتيح ممراً جوياً لضرب إيران عبر الفضاء السوري يجعل من "السيادة السورية" مفهوماً نظرياً لا واقعاً عملياً. والحكومة الانتقالية تدرك هذه المعادلة جيداً، لكنها في الوقت ذاته تعلم أن قدرتها التفاوضية ستتعزز تدريجياً كلما رسخت بناءها المؤسسي وتماسكها، وهنا تكمن الرهانات الحقيقية للمرحلة الانتقالية السورية في ملفها الأشد تعقيداً.
من زوايا العالم