بث تجريبي

د. سوزان القليني تكتب: ماذا لو بقي الخبر واختفى المصدر من ذاكرة الجمهور؟

على مدى أكثر من عقدين، قامت معادلة الإعلام الرقمي على منطق يبدو بسيطا ومستقرا: تنتج المؤسسة الإعلامية الخبر، يظهر أمام الجمهور عبر محركات البحث أو منصات التواصل الاجتماعي، يضغط المستخدم على الرابط، ثم يصل إلى الموقع الأصلي ليقرأ التفاصيل. ومن هذه (النقرة) الصغيرة نشأ اقتصاد كامل فهي تعني قارئا، وزيارة، ووقتا يقضيه المستخدم داخل الموقع، وفرصة لعرض إعلان أو بناء علاقة مع الجمهور أو تحويله لاحقا إلى مشترك دائم.

لكن هذه المعادلة التي قامت عليها صناعة الإعلام الرقمي لسنوات بدأت تتعرض لتحول جوهري قد يكون من أعمق التحولات التي عرفتها الصناعة منذ ظهور الإنترنت نفسه.

فنحن ندخل تدريجيا ما يمكن وصفه بعصر (الإعلام بلا نقرة)Zero-Click Media

عصر يستطيع فيه المستخدم الحصول على الخبر، وملخصه، وخلفياته، وربما تفسيره ومقارنته بأحداث سابقة، من دون أن يزور المؤسسة الإعلامية التي أنتجت الجزء الأكبر من هذه المعلومات أصلا.

لم يعد السؤال إذن: كيف يصل الجمهور إلى الخبر؟

بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: هل سيظل الجمهور بحاجة إلى الوصول إلى المصدر أصلا؟

وهنا تحديدا تكمن الأزمة.

من محرك البحث إلى (محرك الإجابة)

عندما ظهرت محركات البحث، نشأت بينها وبين منتجي المحتوى علاقة شبه تبادلية. تقوم المواقع بإتاحة محتواها للفهرسة، ويقوم محرك البحث بإرشاد المستخدم إلى هذه المواقع. كان محرك البحث بمثابة الطريق، بينما ظلت المؤسسة الإعلامية هي الوجهة.

اليوم تتغير طبيعة هذه العلاقة.مع دمج الذكاء الاصطناعي التوليدي في البحث، وانتشار روبوتات المحادثة والمنصات القادرة على الإجابة المباشرة، لم تعد التكنولوجيا تكتفي بأن تقول للمستخدم: (هذه هي الأماكن التي يمكنك أن تجد فيها الإجابة)، بل أصبحت تقول له بصورة متزايدة: (هذه هي الإجابة).

وهذا فارق جوهري.فنحن ننتقل من (محرك البحث) Search Engine   إلى (محرك الإجابة) Answer Engine أي من محرك يساعد المستخدم على الوصول إلى المعلومات، إلى نظام يقوم بتجميعها وإعادة صياغتها وتقديمها إليه مباشرة.

وتكشف دراسات حديثة أن الأمر لم يعد مجرد افتراض مستقبلي. فقد أظهرت تحليلات لسلوك مستخدمي جوجل أن ظهور الملخصات المولدة بالذكاء الاصطناعي يرتبط بانخفاض واضح في الضغط على نتائج البحث التقليدية، كما أن الضغط على الروابط الموجودة داخل ملخص الذكاء الاصطناعي نفسه يظل محدودا للغاية.

هذه المعلومة تستحق أن نتوقف أمامها طويلا؛ لأنها تعني أن المستخدم قد يحصل على ما يبحث عنه، بينما لا تحصل الجهة التي أنتجت المعرفة الأصلية على زيارة واحدة.

وهنا تظهر المفارقة الجديدة: المحتوى يستهلك، لكن المصدر لا يزار.الخبر موجود. لكن أين المؤسسة الإعلامية؟

قد يبدو الأمر في ظاهره مشكلة تتعلق بأعداد الزيارات والإعلانات الرقمية، لكنه في تقديري يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقا يتعلق بهوية المؤسسة الإعلامية ذاتها.

فعندما يدخل القارئ إلى موقع صحيفة أو قناة أو وكالة أنباء، فإنه لا يستهلك معلومة فقط؛ بل يتعرف مع الوقت إلى هوية المؤسسة، وكتابها، وطريقة معالجتها، ومستوى مصداقيتها، وأولوياتها التحريرية.

هذه العلاقة التراكمية هي التي صنعت تاريخيا ما نسميه (العلامة الإعلامية) Media Brand

أما عندما يحصل المستخدم على الإجابة داخل محرك بحث أو منصة ذكاء اصطناعي، فإن العلاقة تصبح بين المستخدم والوسيط التكنولوجي، بينما يتراجع حضور المؤسسة الأصلية إلى الخلفية.

وقد نصل بذلك إلى مفارقة غير مسبوقة:أن يظل الخبر موجودا، بينما تختفي المؤسسة التي أنتجته من وعي الجمهور.

وهذه، في رأيي، أخطر من مجرد خسارة بعض الزيارات؛ لأنها تعني انتقال العلاقة المباشرة مع الجمهور من المؤسسات الإعلامية إلى المنصات التكنولوجية.

التحول بدأ بالفعل

تكشف التقارير الدولية الحديثة عن اتجاه واضح في حركة الجمهور نحو وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الفيديو، مع تراجع الاعتماد المباشر على مواقع وتطبيقات المؤسسات الإخبارية في كثير من الأسواق.

ويضاف الآن إلى هذه البيئة وسيط جديد هو روبوتات الذكاء الاصطناعي.

فقد بدأ استخدام روبوتات المحادثة للحصول على الأخبار ولا سيما بين الفئات الأصغر سنا والأكثر استخداما للتكنولوجيا. ورغم أن هذه النسب لا تعني أن الذكاء الاصطناعي أصبح المصدر الرئيسي للأخبار، فإنها تكشف عن بداية سلوك إعلامي جديد.

وخاصة أن من المزايا التي تجذب المستخدمين إلى هذه الروبوتات قدرتهم على طرح أسئلة متابعة للحصول على مزيد من الشرح

وهنا يجب أن ينتبه الإعلام جيدا.

فالذكاء الاصطناعي لا ينافس المؤسسة الإعلامية في سرعة تقديم المعلومة فقط، وإنما بدأ ينافسها في شيء أكثر أهميةهو تفسير المعلومة وتخصيصها وفق احتياجات كل مستخدم.

أزمة (النقرة) هي في الحقيقة أزمة اقتصاد حيث لم تكن (النقرة) يوما مجرد مؤشر تقني لقياس الزيارات بل

إنها جزء من النموذج الاقتصادي للإعلام الرقمي.

كل زيارة للموقع تعني إمكانية عرض إعلان، وقراءة موضوع آخر، والاشتراك في خدمة، والتعرف إلى منتجات المؤسسة، وجمع بيانات تساعدها على فهم جمهورها.

لذلك عندما يستهلك المستخدم المحتوى خارج الموقع، تفقد المؤسسة أكثر من قارئ؛ إنها تفقد جزءا من القيمة الاقتصادية التي كان هذا القارئ يمثلها.

ويظهر حجم الاختلال بصورة أوضح عندما ننظر إلى العلاقة بين ما تستهلكه أنظمة الذكاء الاصطناعي من المحتوى وما تعيده إلى أصحابه في صورة زيارات.وقد كشفت بيانات تقنية خلال الفترة الأخيرة عن فجوة كبيرة بين عمليات الإستقطاب  التي تقوم بها بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي للمواقع وبين حركة الإحالة التي تعيدها إليها.

هذه المعادلة تطرح سؤالا اقتصاديا وأخلاقيا في الوقت ذاته من يتحمل تكلفة إنتاج المعرفة التي تقوم المنصات الأخرى بتحويلها إلى إجابات؟فالصحافة الجادة ليست عملية مجانية. وراء التحقيق الصحفي محررون ومراسلون ومصورون ومصادر ووقت وسفر وتحقق ومراجعة قانونية وتحريرية.

إذا كانت المؤسسة تتحمل تكلفة إنتاج المحتوى، بينما تحصل منصة أخرى على الجزء الأكبر من انتباه الجمهور والقيمة الاقتصادية الناتجة عنه، فإننا أمام خلل في سلسلة القيمة الإعلامية يحتاج إلى إعادة نظر.

من يملك المحتوى.؟ ومن يملك الجمهور؟

لفترة طويلة كان امتلاك المحتوى الجيد يمثل أحد أهم مصادر قوة المؤسسة الإعلامية.لكن البيئة الجديدة تفرض علينا التمييز بين مفهومين:امتلاك المحتوى، وامتلاك الوصول إلى الجمهور.

قد تمتلك صحيفة أفضل تحقيق، لكن منصة تكنولوجية تمتلك بوابة الوصول إليه والي الجمهور .

وقد تمتلك وكالة أنباء شبكة واسعة من المراسلين، لكن المستخدم يحصل على خلاصة ما أنتجته هذه الشبكة عبر وسيط آخر.

وقد تنتج المؤسسة تحليلا استغرق ساعات من العمل، ثم يظهر جوهره للمستخدم في بضعة أسطر مولدة أليا.

وهنا تتحول القوة تدريجيا من الطرف الذي ينتج المعلومة إلى الطرف الذي يسيطر على واجهة الوصول إليها.

وهو تحول يستحق الدراسة إعلاميا؛ لأن تاريخ وسائل الإعلام كان دائما مرتبطا بمن يسيطر على قنوات التوزيع. الفارق أن قناة التوزيع الجديدة لا تكتفي بنقل المحتوى، وإنما تستطيع الآن قراءته وفهمه وتلخيصه وإعادة تركيبه والإجابة نيابةعن المصدر الأصلي .فهل يعني ذلك نهاية المواقع الإخبارية؟

الحديث عن إختفاء المواقع الإخبارية سيكون تبسيطا لتحول أكثر تعقيدا.

فاستخدام روبوتات المحادثة للأخبار، رغم نموه، لا يزال في مرحلة مبكرة، كما أن نسبة معتبرة من المستخدمين ما زالت تبحث عن المصادر الأصلية وتضغط للوصول إليها.إذن المؤسسة الإعلامية لم تفقد المعركة.لكن طبيعة المعركة تغيرت.

فلم يعد كافيا أن تنتج المؤسسات مئات الأخبار يوميا بهدف استقطاب  الزيارات القادمة من محركات البحث. فإذا كان الذكاء الاصطناعي قادرا على تلخيص الخبر الروتيني في ثوان، فما القيمة التي ستجعل المستخدم يذهب إلى المؤسسة الإعلامية نفسها؟

الإجابة، في رأيي، ستكون في الانتقال من اقتصاد الكم إلى اقتصاد القيمة.

ما الذي لا يمكن اختزاله في إجابة ألية؟

ربما تكون هذه هي الفرصة التي يفرضها التهديد نفسه.

فالخبر الخام أصبح سلعة وفيرة. المعلومة التي كانت تحتاج قبل عشرين عاما إلى البحث في عدة مواقع يمكن الوصول إليها اليوم في ثوان.لذلك ستكون القيمة المستقبلية للإعلام فيما يصعب اختزاله.

التحقيق الاستقصائي، والتفسير العميق، والوصول إلى المصادر الأصلية، والتحقق، والعمل الميداني، والسياق، والرأي المتخصص، والقصص الإنسانية، والصحافة المحلية، والصوت التحريري المميز.

هذه المجالات يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الصحفي فيها، لكنه لا يستطيع أن يحل محل المؤسسة التي قامت بالعمل الأصلي الذي أنتج المعرفة.

ومن هنا قد تدفعنا ثورة الذكاء الاصطناعي، بصورة غير متوقعة، إلى العودة إلى جوهر الصحافة نفسها.

فإذا كان الجميع يستطيع نشر ماذا حدث؟ تصبح القيمة الحقيقية في الإجابة عن:لماذا حدث؟ وكيف حدث؟ وماذا يعني؟ وما الذي لا نعرفه بعد؟

من جمهور عابر إلى علاقة مباشرة

هناك درس آخر ينبغي أن تدركه المؤسسات الإعلامية مبكرا: الاعتماد الكامل على المنصات الخارجية لبناء الجمهور أصبح استراتيجية شديدة الخطورة.فعندما تأتي غالبية الزيارات من محرك بحث أو شبكة اجتماعية، تصبح المؤسسة رهينة لأي تغيير في الخوارزمية.لذلك ربما يكون أهم استثمار للمؤسسات الإعلامية في المرحلة المقبلة هو استعادة العلاقة المباشرة مع جمهورها.

ليس فقط عبر الموقع، وإنما من خلال التطبيقات، والنشرات البريدية، والبودكاست، والعضويات، والمجتمعات الرقمية، والإشعارات المباشرة، والمحتوى المتخصص، والخدمات التي تجعل لدى المستخدم سببا للعودة إلى المؤسسة باسمها، لا أن يصادف محتواها داخل منصة أخرى.المؤسسة التي يعرف الجمهور لماذا يحتاج إليها ستكون أكثر قدرة على البقاء من المؤسسة التي لا يعرف الجمهور حتى من أين جاءت أخبارها.

أزمة أخرى أخطر: ماذا عن الثقة؟

هناك بعد آخر في (الإعلام بلا نقرة) لا يقل أهمية عن الاقتصاد، وهو مصدر المعلومة.

فعندما تقدم منصة الذكاء الاصطناعي إجابة مركبة من عدة مصادر، قد يعرف المستخدم النتيجة لكنه لا يعرف بالتحديد من قام بالعمل الصحفي الأصلي، وما طبيعة المصدر، وما الفرق بين معلومة صادرة عن مؤسسة صحفية محترفة وأخرى مأخوذة من محتوى غير موثوق.وهنا يظهر تناقض مثير.ففي الوقت الذي يتزايد فيه استخدام الذكاء الاصطناعي، لا تزال الثقة في إجاباته الإخبارية محدودة مقارنة بالثقة في الأخبار عموما.

وهذا يعني أن المؤسسة الإعلامية تمتلك شيئا لا ينبغي أن تفرط فيه المصداقية المؤسسية.

في عالم يستطيع فيه أي شخص إنتاج نص مقنع وصورة واقعية وصوت شبه حقيقي خلال دقائق، لن تصبح الثقة أقل أهمية، بل ستصبح أكثر ندرة، وبالتالي أكثر قيمة.فالإعلام لا يواجه التكنولوجيا. بل يعيد تعريف نفسه

الخطأ الأكبر أن تنظر المؤسسات الإعلامية إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوا يجب مقاومته.

التاريخ يعلمنا أن الإعلام لم ينتصر يوما برفض التكنولوجيا.

الصحافة لم تختف مع الراديو، والراديو لم ينته مع التلفزيون، والتلفزيون لم يمت مع الإنترنت، لكن كل وسيط اضطر إلى إعادة تعريف وظيفته عندما ظهر وسيط جديد.

والأمر نفسه يحدث الآن.

المطلوب ليس حماية (النقرة) القديمة بأي ثمن، وإنما بناء قيمة إعلامية جديدة تجعل الوصول إلى المصدر الأصلي أمرا يستحق وقت الجمهور.وفي الوقت ذاته، تحتاج صناعة الإعلام عالميا إلى نقاش أكثر جدية حول حقوق الناشرين، وترخيص المحتوى، والشفافية في استخدامه، ونسب المعلومات إلى مصادرها، والنماذج العادلة لتقاسم القيمة بين المؤسسات التي تمول إنتاج الصحافة والمنصات التي تستخدم هذا الإنتاج في بناء خدماتها الذكية.

فلا يمكن أن يستمر نظام معرفي طويلا إذا كان الطرف الذي يتحمل تكلفة إنتاج المعرفة هو الطرف الأقل استفادة اقتصاديا من تداولها.

المعركة القادمة ليست على الخبرربما يكون أهم تحول ينبغي أن نفهمه أن المؤسسات الإعلامية لم تعد تتنافس فقط فيما بينها.

المنافسة الحقيقية أصبحت على وقت الإنسان وانتباهه وثقته وعلاقته المباشرة بالمصدر.

وفي عصر الإعلام بلا نقرة، لن يكون السؤال الحاسم: كم شخصا شاهد المحتوى؟

بل: كم شخصا عرف من أنتجه؟ وكم شخصا وثق في منتجه؟ وكم شخصا عاد إليه بإرادته؟

وهذه النقلة تفرض علينا إعادة التفكير حتى في معايير النجاح الإعلامي. فقد يصبح عدد الزيارات وحده أقل دلالة، بينما تزداد أهمية الولاء، ومدة العلاقة مع الجمهور، والاشتراكات، والعودة المباشرة إلى المنصة، وقوة العلامة الإعلامية.

لقد قضى الإعلام سنوات طويلة يتعلم كيف يجعل الجمهور يضغط على الرابط.

أما المرحلة المقبلة فقد تتطلب منه شيئا أصعب بكثيرأن يجعل الجمهور يبحث عنه بالاسم.

وهنا تكمن المعركة الحقيقية.لأن أخطر ما يحمله عصر (الإعلام بلا نقرة) ليس أن يخسر الإعلام (نقرة)، ولا حتى أن يخسر زيارة أو إعلانا.

الخطر الحقيقي هو أن يستمر العالم في استهلاك ما تنتجه المؤسسات الإعلامية من أخبار ومعرفة وتحليلات، بينما تنفصل هذه المعرفة تدريجيا عن أسماء من أنتجوها.

وعندها قد نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل مؤسسة إعلامية اليوم:

ماذا لو بقي الخبر واختفى المصدر من ذاكرة الجمهور؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد، إلى حد بعيد، شكل الإعلام في السنوات القادمة.

=====

نقلاً عن مركز آتون للدراسات ومقره القاهرة

قد يهمك