بث تجريبي

المجتمع الكومينالي نموذج لحماية المجتمع ومواجهة الهيمنة والدولة القومية (1)

سلّطت مجلة “كومينال” الضوء على تقييمات ومقترحات قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان بشأن اشتراكية المجتمع الديمقراطي والاندماج الديمقراطي، متناولةً في ستة أجزاء مفهوم المجتمع الكومينالي وتطوره التاريخي وعلاقته بالدولة والهيمنة.

وتركز الرؤية المطروحة على أن المجتمع الكومينالي تشكل كصيغة مقاومة لحماية الوجود الاجتماعي في مواجهة الهيمنة الذكورية وآليات الدولة، وصولاً إلى طرح بدائل للدولة القومية تقوم على التنظيم المجتمعي والديمقراطي.

تشير المعطيات المتوفرة إلى أن عملية تشكل المجتمع وتطوره بدأت قبل نحو 30 ألف عام حول المجتمع الأمومي. وكان الكومين أول شكل من أشكال التنظيم الاجتماعي الذي أدت فيه المرأة دوراً أساسياً وجوهرياً. وتعد الحياة الجماعية والإنتاج والتوزيع من أبرز الخصائص الأساسية للمجتمع الكومينالي، ويمكن اعتبار هذه الخصائص أيضاً معايير أخلاقية وسياسية للمجتمع.

وقد أدت المعايير الأخلاقية والسياسية، في الوقت نفسه، دوراً حاسماً في حماية المجتمع الكومينالي واستمراره. ولا يمكن القول إن الحياة في المجتمع الأمومي، سواء في مرحلة الطبيعة الأولى أو خلال عملية بناء الإنسان لذاته بوصفه “طبيعة ثانية”، كانت خالية من المشكلات. فقد واجه الإنسان العديد من المشكلات وخاض تجارب مختلفة، لكن المشكلات المقصودة هنا نشأت ضمن المسار الطبيعي للحياة.

ومع تطور الدولة، أصبح التاريخ شاهداً على صراع غير مسبوق بين الدولة والمجتمع الكومينالي. وعندما بلغت المشكلات الاجتماعية في المدن أعلى مستوياتها، تطورت الدولة باعتبارها صيغة للحل. وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الحضارة السومرية، التي تعد أول مجتمع دولتي في التاريخ.

فالعديد من المدن التي نشأت في المجتمع السومري دخلت بعد فترة في صراعات بسبب مشكلاتها الداخلية، وبدأت بالاقتتال فيما بينها. كما أدت هجمات القبائل الصحراوية من الخارج، إلى جانب الفوضى والمشكلات الداخلية والصراعات بين المدن، إلى تعميق الحروب والمواجهات. ووصلت المدن إلى مرحلة لم تعد قادرة فيها على الاستمرار في وجودها، ولذلك بدأ الميل إلى الانهيار والتفكك يظهر في المجتمع السومري.

المجتمع الكومينالي شكل من أشكال حماية الوجود

المجتمع الكومينالي، الذي نشأ في مواجهة الهيمنة الذكورية المدمرة وآليات الدولة والنظام العائلي باعتباره نمطاً من المقاومة والحياة، انتقل من صيغة العشيرة الكبرى إلى القبيلة والعشائرية. وهو شكل اجتماعي مقاوم تطور لحماية المجتمع الكومينالي لنفسه وضمان استمراره في مواجهة الهيمنة الذكورية.

وفي مواجهة الدولة، ظهرت كونفدراليات القبائل والعشائر كنموذج للحل. وفي مواجهة الدولة المركزية، برزت أيضاً العشائرية والنظام العائلي كصيغ بديلة. وعندما أصبحت الدولة طريقاً للحل بالنسبة إلى الطبقات الحاكمة والمهيمنة، ظهرت كونفدراليات القبائل والعشائر كطريق للحل بالنسبة إلى الطبقات الخاضعة.

وكما كانت سومر مهد الحضارة الدولتية، أصبحت كونفدراليات القبائل والعشائر التي تطورت في المنطقة نفسها مهد تطور الحضارة الديمقراطية الكومينالية التي تعبر عن المجتمع الكومينالي.

الدولة تخلق المشكلات ولا تحقق الحل

في بداية ظهور الدولة، لم تكن تعد مصدراً للمشكلة، بل ظهرت أمام المجتمع باعتبارها وحدة تقدم نفسها كحل. وتعد دول المدن السومرية مثالاً على ذلك.

لكن تكمن الصعوبة في هذاالحلفي نقطتين:

أولاً: الدولة، بوصفها قوة تنتج المشكلات، لا تمتلك آلية استجابة قادرة على حل تلك المشكلات بما يخدم مصالح المجتمع.

ثانياً: الحل الذي تقدمه قوة من هذا النوع للمشكلات لا يكون حلاً اجتماعياً، بل حلاً دولاتياً. والدليل على ذلك أن المشكلات التي تسببت الدولة نفسها في ظهورها لا يمكن حلها من خلال الدولة. والمجتمع السومري هو أوضح مثال على ذلك.

ومن جهة أخرى، يظهر اتجاه مماثل نحو تركيز السلطة ومركزيتها في الحضارة الدولتية أيضاً بين القبائل والعشائر. فالطبقة العليا في المجتمع القبلي والعشائري، بدافع الرغبة في تأسيس دولة، تسعى إلى تمركز قوتها.

وقد تتمكن محاولات تطوير الحلول من جانب القبائل والعشائر التي تسعى إلى تأسيس دولها الخاصة في مواجهة الإمبراطوريات من تحقيق قدر من التحرر لمدة قرن، لكنها في نهاية المطاف لم تتمكن من تجنب خوض التجربة نفسها والوصول إلى النتيجة ذاتها المتمثلة في غياب الحل.

فمقاومة القوة التدميرية للدولة عبر تأسيس دولة خاصة هي نزعة واتجاه مستمران من السومريين حتى يومنا هذا.

وعلى امتداد التاريخ، ظهر المجتمع الكومينالي والحضارة الدولتية بصيغ مختلفة. وظهرت النسخة الثالثة من الحضارة الدولتية خلال مراحل الثورة الأطلسية في أمستردام بهولندا ولندن بإنجلترا. وهذه هي صيغة الرأسمالية الاحتكارية المدمرة، وشكل الدولة الذي طرحته هو الدولة القومية.

وفي مواجهة الدولة القومية، جرى تطوير الاشتراكية المبنية كنموذج للحل، بدلاً من كونفدراليات القبائل والعشائر. ورغم أن الاشتراكية المبنية حاولت أن تقوم على أساس كومينالي، فإنها في جوهرها كانت تشبه الدولة القومية.

وكانت أكبر عقبة أمامها أنها حاولت تجاوز الدولة القومية من خلال تقليدها ومحاكاتها. وهذا يثبت أن المشكلات الاجتماعية لا يمكن حلها عبر الدولتية، حتى لو اختلفت أشكالها ونماذجها.

الدولة القومية تعني مزيداً من العنف والحروب والصراعات

في النهاية، عندما نصل إلى عصرنا الحالي، نجد أن الدولة القومية، بدلاً من حل المشكلات التي خلقتها الحضارة الدولتية، تقف هي نفسها في قلب المشكلة باعتبارها مشكلة كبرى.

وما جلبته الدولة القومية للبشرية كان مزيداً من العنف والحروب والصراعات. والمصدر الأساسي للمشكلة هو استعباد المجتمع. وقد وصلنا إلى حقيقة مفادها أن استعباد المرأة يقع في جذور هذا الاستعباد.

فاستعباد المرأة يتحول خطوة بعد خطوة إلى استعباد عام للمجتمع، وبهذه الطريقة تصل المشكلة الاجتماعية إلى أعلى مستوياتها. والدولة التي توصل المشكلة إلى هذا المستوى تقدم نفسها في الوقت نفسه باعتبارها الخيار الوحيد لحلها.

والمجتمع الكومينالي، الذي يدرك أن الحل الدولاتي يعمق المشكلة في جوهرها ويدفع المجتمع نحو الكارثة، يبحث منذ البداية عن سبل لحماية نفسه في مواجهة الدولة.

فمقاومة العشائر الكبرى والقبائل والعشائر، والمقاومات الدينية بأشكالها المذهبية والطرق الصوفية والقومية، هي في جوهرها بحث عن حماية الوجود وإيجاد حلول للمشكلات الاجتماعية التي خلقتها الدولة.

إن الأشكال التي اتخذتها الدولة والمجتمع هي نتاج لهذه العملية المتناقضة والمليئة بالصراعات. ويضطر المجتمع إلى تطوير حركته الجدلية وفقاً للصراعات التي يخوضها مع خصمه، والوصول إلى أشكال وأنماط جديدة.

ومع تفكك المجتمع الكبير وتجزئته، أعاد المجتمع الكومينالي تنظيم نفسه في شكل قبائل، وسعى إلى الحفاظ على وجوده. ومع تأميم الدين وتحويله إلى أداة دولاتية، جرى التصدي للدولة من خلال المذاهب والطرق، ومع تمركز قوة الدولة، لجأت المجتمعات إلى الجبال.

وقد وحدت دول المدن قواها للسيطرة على وجود القبائل الحرة. وفي مواجهة التنظيمات الكونفدرالية للعشائر والقبائل، نشأت إمبراطوريات دولاتية.

فروما، وإمبراطوريات العصور الوسطى، والإمبراطورية الإنجليزية، وصولاً إلى مراكز القوة الجديدة التي تفرض نفوذها اليوم تحت اسم العولمة، كلها تعبر في جوهرها عن مركزية الدولة في مواجهة المجتمع.

فاشية الدولة القومية

هناك نقاش حول السؤال التالي: هل الرأسمالية هي التي خلقت الدولة القومية، أم أن الدولة القومية هي التي خلقت الرأسمالية؟

وتشير جميع المعطيات إلى أن الدولة القومية هي التي خلقت الرأسمالية. ولذلك فإن الفهم الصحيح لدور الدولة القومية ضمن هذه العلاقة التناقضية يكتسب أهمية كبيرة.

وعندما نصل إلى عصرنا الحالي، تنتهي الدولة القومية إلى الفاشية. فالدولة الفاشية هي شكل الدولة القومية في مرحلة الانحلال والتعفن.

وسواء اتخذت الدولة القومية لون الاشتراكية المبنية أو لون الليبرالية – الرأسمالية، فإنها في مرحلة التفكك تتحول إلى فاشية. فخوف الدولة القومية من الانحلال والسقوط ينتهي بها إلى الفاشية.

القبيلة مجتمع يحمي جوهره

القبيلة هي مجتمع يحمي جوهره. وفي مواجهة جماعات الصيد الكبرى، تتموضع في مناطق تستطيع فيها حماية نفسها، لأن جماعات الصيد تمتلك أسلحة متطورة وتتفوق في تقنيات الصيد. ولا تزال هذه التقنيات تستخدم حتى اليوم لاصطياد أفراد القبائل الحرة.

ويرفع الأفراد المتسلطون داخل هذه البنية الذكورية والنخبوية المهيمنة أنفسهم إلى مرتبة “الإله”.

وعندما يزداد عدد القبائل، فإنها تتجاوز الشكل القبلي البسيط، من خلال اتحاد عدة قبائل والوصول إلى تنظيم أكبر، لتنتقل إلى شكل العشيرة.

وكلما ازدادت قوة هجوم الدولة، وجب أن تزداد قوة حماية المجتمع بما يتناسب معها وبشكل موازٍ. وفي المرحلة اللاحقة، يظهر هذا الأمر في شكل اتحادات وكونفدراليات للعشائر.

وكما كان شكل التنظيم في المراحل الأولى هو القبيلة، فقد تغير في العصور الوسطى إلى شكل العشيرة. وفي العصور الوسطى، تطور شكل العشيرة بصورة أكبر.

ونرى أن تطور العشائرية استمر من العصور الوسطى حتى العصور المتأخرة، ثم بدأ يفسح المجال لشكل جديد هو القومية. فلم تعد أشكال التنظيم المحلية كافية، وظهر شكل القومية باعتباره مستوى أعلى من التنظيم.

الإسلام والكومين

الإسلام المحمدي هو في جوهره إسلام الكومين. فالمجتمع الذي بناه النبي محمد في مكة والمدينة كان مجتمعاً كومينياً. ونحن نؤكد على هذه النقطة بأهمية كبيرة.

وكان الصحابة أيضاً مجتمعاً كومينياً. وكان النموذج المحمدي في مكة على هذا الشكل. فمن النبي محمد إلى أبي بكر، ومن علي إلى بلال وسلمان الفارسي، كان كل واحد منهم كومينياً، أي ممن يعيشون حياة كومينالية ويساهمون في بناء الكومينات.

وفي المقابل، كانت شخصيات مثل أبي جهل وأبي سفيان، وهما من أرستقراطية قريش، تمثلان الدولة. وكانت مكانة قريش في مكة تعبر عن مرحلة التحول نحو الدولة.

وكان أبو سفيان من أبرز ممثلي هذا الاتجاه، فيما حول ابنه معاوية هذا الميل إلى الدولة باتجاه الإمبراطورية.

لقد رأى أبو سفيان هذا المجتمع الكومينالي الذي بناه النبي محمد، وحاول منذ أول فرصة تحويل هذا الكومين إلى قوة دولاتية واستخدامه كأداة لتحقيق ذلك.

واستمر الصراع بين الكومين والدولة داخل الإسلام حتى يومنا هذا. ولا تزال المواجهة والصراعات قائمة بين جماعات المعارضة التي تمثل الجوهر الكومينالي للإسلام، وبين الإسلام الدولاتي الذي يسعى إلى مواصلة تقليد الدولة الدولتية.

وفي القومية أيضاً توجد علاقة بين الخاضعين والمهيمنين. ومع ظهور الأمويين، برزت حقيقة قومية مهيمنة، وجاء العباسيون ليواصلوا هذا النهج.

والقومية هي شكل انتقالي بين العشيرة والأمة. ومن الضروري فهم هذه الحلقة الانتقالية بصورة جيدة.

وفي العصر الإسلامي، لم تكن البداوة بين العرب، والتركمان بين الأتراك، والكرمانج بين الكرد، مجرد أشكال عشائرية، بل كانت أيضاً أشكالاً من أشكال التكوين القومي.

غدًا الجزء الثاني..

 

قد يهمك