بث تجريبي

أحمد حسن يكتب: هل سيكون قانون الإطار الخطوة الأولى للاندماج الديمقراطي؟

بعد لقاء وفد إمرالي مع السيد أوجلان الأسبوع الماضي، تحوّلت العملية إلى خطوة ملموسة في البرلمان التركي الكبير. لقد مرّ قانون الإطار من لجنة العدل ومن الهيئة العامة للمجلس. ولأول مرة منذ مئة عام، تدخل «المسألة الكردية» إلى جدول أعمال البرلمان، وهذا ما فتح الباب السياسي للحل.

بالطبع، هناك نواقص. إن عدم وجود ضمانة صريحة للحقوق القومية والديمقراطية للشعب الكردي في قانون الإطار هو نقص كبير. ورغم ذلك، أظهرت هذه الخطوة أن سياسة الإنكار والإبادة بالوسائل العسكرية لا يمكن أن تستمر. فعلى مدار مئة عام، لجأت القوى الاستعمارية إلى إنكار نضال الكرد من أجل الحرية، ثم إلى تجريمه. واستخدمت وصمة «الإرهاب» لدفع القضية الكردية وقضية كردستان، والقادة والرواد الأكراد إلى خارج السياسة، وتجاهلت المطالب الحقّة المشروعة.

وفي هذه النقطة بالذات، يبرز نضال حركة حرية كردستان وقائدها السيد أوجلان من أجل السلام على مدار ثلاثين عاماً. لم يقتصر هذا النضال على تركيا فقط، بل نقل المسألة الكردية على المستوى الإقليمي والعالمي من خانة «الإرهاب» و«التجريم» إلى أرضية سياسية. إن عملية «السلام والمجتمع الديمقراطي» التي أطلقها السيد أوجلان مجدداً في 27 شباط 2025، قد كسرت تابوهات سياسة الإنكار والإبادة الممتدة لمئة عام. وكما قال في اللقاء: «هذه العملية ستريح المنطقة كلها. إنها ليست حاجة فئة واحدة، بل حاجة كل الشعوب».

هاتان الجملتان أوضحتا أن المسألة لم تعد عنواناً أمنياً ضيقاً، بل أصبحت مسألة ديمقراطية تهم تركيا والمنطقة بأكملها. إن حصيلة ما يقارب خمسين عاماً من الصراع ثقيلة. عشرات آلاف القتلى، وسبعة عشر ألف جريمة مجهولة الفاعل، وتفريغ ما يقارب أربعة آلاف قرية، ونزوح الملايين، وخسارة اقتصادية تُقدّر بـ3 إلى 4 تريليون دولار. الأمر لا يتعلق بالمال الذي خرج من الميزانية فقط، بل بمدن لم تصلها الاستثمارات، ومصانع أغلقت، وأطفال لم يذهبوا إلى المدرسة، وعائلات اقتُلعت من أراضيها. وهناك فاتورة غير مرئية: جرح الأرواح. انعدام الثقة الذي خلفته الجرائم المجهولة، وتآكل الجوار بين الشعوب، وتآكل الأخلاق المجتمعية. الحرب لم تجرح الجغرافيا جسدياً فحسب، بل أتعبتها وأنهكتها روحياً أيضاً.

لذلك، ما يُناقش اليوم ليس حزمة قوانين ضيقة. إنه عقد اجتماعي جديد يحتضن المجتمع كله. تركيا جغرافياً متعددة القوميات واللغات والمعتقدات. يعيش فيها الأتراك والأكراد والعرب واللاز والروم والأرمن والشركس والعديد من الهويات الأخرى معاً منذ قرون. الطوائف والمعتقدات المختلفة جيران في الحي الواحد. وفي ظل هذا التنوع، لا يمكن للسلام أن يتحقق إلا بنظام دستوري ديمقراطي. لأن الدستور ليس نصاً يكرّس تفوق شعب على آخر، بل هو النص الذي يضمن المواطنة المتساوية للجميع.

هنا لا بد من النظر إلى التاريخ. دُستور 1921 كُتب على أرضية أكثر تعددية. كان يفسح المجال للإدارات المحلية ولا ينكر وجود الهويات المختلفة. أما نموذج الدولة القومية الذي تأسس مع معاهدة لوزان 1923 ودستور 1924، فقد سار في خط أحادي. ومنذ ذلك اليوم، تم إطالة أمد «المسألة الكردية» مئة عام بسياسات الإنكار والاستيعاب. ولم يخسر الشعب الكردي وحده من هذا التطويل، بل خسرت تركيا أيضاً اقتصادياً وسياسياً. ذهبت الموارد إلى الأمن، وتأخرت الديمقراطية، ولم تستخدم المنطقة قوتها الكامنة.

في المكان الذي وصلنا إليه اليوم، يرتكز نضال السيد أوجلان من أجل السلام والاندماج الديمقراطي على هذه الخلفية التاريخية. تمت الدعوة للسلام مرات عديدة على مدار ثلاثين عاماً. والمجتمع شاهد على هذه الدعوات. الجديد هو أن الدعوة لم تعد موجهة لفئة واحدة، بل لتركيا ولشعوب المنطقة جميعاً. ولهذا السبب، فإن جملة «هذه ليست حاجة فئة واحدة، بل حاجة كل الشعوب» مهمة. لأن السلام لا ينمو بالانقسام، بل بتعزيز الصداقة التاريخية بين الشعوب.

وفي هذه النقطة بالذات، لا يمكن فصل الخطوات التي ستكون ضمانة للسلام عن بعضها. كلها مترابطة، وعندما لا تُتخذ معاً، يتضرر منسوب الثقة. وفي مقدمة الخطوات التي يجب اتخاذها معاً: أولاً، يجب إطلاق سراح عشرات آلاف السجناء السياسيين الموجودين في السجون بسبب حرية الفكر والرأي. عندما يبقى الناس سنوات في الداخل بسبب أفكارهم، يفقد المجتمع ثقته بالدولة. الخطوة الثانية هي إعادة الإرادة المحلية. يجب أن يعود الرؤساء المشاركون الذين انتخبهم الشعب إلى مهامهم، وأن ينتهي تطبيق تعيين القيمين. لا يمكن للديمقراطية أن توجد دون احترام الصندوق وإرادة الشعب في الانتخاب والترشح. الثالثة هي عودة السياسيين الأكراد في المنفى إلى الحياة السياسية دون أي ملاحقة. وهذا يعني توسيع الحوار وإشراك تجربة خارج البرلمان في العملية. الرابعة هي حصول اللغة الكردية على وضع رسمي. استخدام اللغة الأم في التعليم والقضاء والخدمات العامة هو المؤشر الأساسي للمواطنة المتساوية. الخامسة والأكثر أهمية وحساسية هي الحرية الجسدية للسيد أوجلان، المعروف بأنه المهندس الرئيسي للعملية. مشاركة كبير المفاوضين السيد أوجلان، الذي ناضل من أجل السلام ثلاثين عاماً وقال عن المنطقة «سيستريح الجميع»، بشكل مباشر في تنسيق عملية «السلام والمجتمع الديمقراطي» ستعزز لدى المجتمع انطباع «أن الدولة تريد السلام حقاً».

هذه البنود الخمسة غير قابلة للمساومة. لأن المجتمع لم يعد يؤمن بالخطوات النصفية. إما تغيير شامل، أو هدنة هشة من جديد. السلام الدائم لا يُبنى إلا بهذه الحزمة.

هنا، المسألة لا تقتصر على تركيا فقط. سوريا والعراق وإيران. في هذه الدول الثلاث أيضاً تقع المسألة الكردية في مركز السياسة الداخلية. إذا تحقق الاندماج الديمقراطي في تركيا، فسيكون له تأثير إيجابي على إقليم كردستان العراق وروج آفا والأكراد في إيران. والعكس صحيح، إذا حدث انسداد في تركيا، ستتحرك خطوط الصدع الأخرى في المنطقة. أي أن الخطوة التي ستُتخذ في تركيا ستمنح الشرق الأوسط كله نفساً. ولهذا تحمل العملية مسؤولية إقليمية أيضاً.

إذن، كيف تبدأ عملية تحول كبيرة كهذه؟ الجواب كلمة واحدة: لغة السلام. لغة سلام متبادلة. لغة لا تتهم ولا تُقصي ولا تصنع رابحاً وخاسراً. تبدأ هذه اللغة من الإعلام أولاً. الأسلوب المستخدم في شاشات التلفزيون والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي هو الذي يحدد المزاج العام للمجتمع. عنوان الخبر وجملة المعلق تغيّران الحديث على مائدة البيت. إذا طبّع الإعلام الأمر، سيطبع الشارع. ثم يأتي منبر البرلمان. فكما يتحدث النواب، يتحدث البيروقراطي والشرطي والمعلم والمحافظ أيضاً. «لغة نحن» التي تُبنى في البرلمان تنهي الشجار في الحي. ثم المدارس والمساجد والمقاهي. أي أن جميع مؤسسات الدولة والمجتمع المدني يجب أن تتحدث بنفس النغمة. الحزب، منظمة المجتمع المدني، الجيش، الشرطة، الإعلام. إذا أُعطيت الرسالة نفسها في نطاق واسع، سيقول المجتمع «الأمر جدي» ويصدق.

المجتمع مستعد لذلك. هناك تعب استمر ثلاثين عاماً وانعدام ثقة ترك أثره على المجتمع. الأمهات والعائلات المهجرة والشباب. الأبحاث والملاحظات الميدانية تظهر أن أكثر من ستين بالمئة من الشعب مستعد للسلام. الناس تقول الآن «كفى». لأنهم هم من دفعوا فاتورة الحرب أكثر من غيرهم. الأزمة الاقتصادية والبطالة وانعدام الأمن. كلها تتراكم فوق بعضها. وهذه الجاهزية هي أكبر رأسمال. إذا جاءت خطوة صادقة من الأعلى، ستجد مقابلها في الأسفل.

بالطبع، لن يكون الأمر سهلاً. لأن كل عملية سلام تتطلب مواجهة الماضي. الجرائم المجهولة، إخلاء القرى، انتهاكات الحقوق. لا يمكن تطهير الذاكرة دون حساب مع هذه الأمور. يجب مناقشة لجان الحقيقة وآليات التعويض وعمليات الإعادة. بدون عدالة لا توجد ثقة. وبدون ثقة لا تأتي الاستثمارات، ولا ينمو الأمن في المجتمع، ولا تنهض المدن.

البعد الاقتصادي جزء من هذا أيضاً. لو أن التريليونات التي أُنفقت خلال ثلاثين عاماً استُخدمت في التعليم والصحة والصناعة، لكان الوضع في كردستان وتركيا مختلفاً تماماً. أحد أول الأشياء التي يجب القيام بها عند مجيء السلام هو هذا. إعادة بناء الأماكن المدمرة، وإعادة المهجرين، وخلق فرص عمل للشباب. السلام ليس مفهوماً عاطفياً فقط، بل هو أيضاً مشروع تنمية اقتصادية واجتماعية ومجتمعية. على الشعوب أن تعيد بناء نفسها من خلال السلام المجتمعي وأن تواجه الماضي.

بعض الأوساط التي لا تعطي معنى للسلام والسياسة الديمقراطية تقول «هذا تنازل». بينما يلجأ تجار الحرب الذين يتغذون على الدم إلى كل أنواع الاستفزاز لتخريب العملية. لكن العكس هو الصحيح. الدولة التي تُصر على السلام هي الدولة التي لا تنكر الاختلافات والهويات، بل تضعها تحت ضمان دستوري. الدولة الضعيفة تخاف وتحظر. والدولة القوية تثق وتحضن. وهذا هو الدستور الديمقراطي أيضاً. نص لا يرى أي هوية تهديداً، ويجد فيه الجميع أنفسهم.

في النهاية، أمامنا خيار. إما أن نواصل دفع فاتورة الخمسين عاماً، أو أن نفتح صفحة جديدة. الصفحة الأولى من هذه الصفحة يجب أن يكتبها الأطراف الملتزمون بالسلام حتى النهاية في نضال الحق والقانون. والأسطر التالية يجب أن تملأها اللغة والتعليم والاقتصاد والتمثيل. ويجب أن نضع في بدايتها لغة السلام.

دعوات الثلاثين عاماً يمكن أن تلقى استجابة هذه المرة. لأن المجتمع تعب. لأن أرواح الشعوب جُرحت وتَعبت من الخراب الذي خلفته الحرب. لأن الجميع يعلم الآن أن الحرب لا تجعل أحداً رابحاً. الخاسر هو الإنسانية دائماً.

إذا اتخذت تركيا هذه الخطوة، فستكون رائدة مناخ جديد ليس فقط داخل حدودها، بل في الشرق الأوسط كله. في سوريا والعراق وإيران سيقول الناس «لقد نجحت تركيا، ويمكننا نحن أيضاً أن ننجح». لذلك المسؤولية كبيرة.

السلام لا يأتي في ليلة واحدة. لكنه يمكن أن يبدأ بجملة واحدة. وهذه الجملة هي: نحن مواطنون متساوون في هذا البلد. ورغم أننا نتحدث لغات مختلفة، فإننا نشارك نفس المستقبل. وسنبني هذا المستقبل معاً.

قد يهمك