بث تجريبي

د. صونيا الأشقر تقدم قراءة لتطورات عملية السلام والمجتمع الديمقراطي وفلسفة أوجلان

تحت عنوان «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي.. قراءة في التطورات والسياق»، عقد مركز آتون للدراسات، مساء الإثنين 31 أغسطس، ندوة جديدة تحدثت خلالها الدكتورة صونيا الأشقر، الكاتبة والروائية اللبنانية، فيما أدارها وقدمها الكاتب الصحفي محمد عامر.

وناقشت الندوة مستجدات مسار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، المبادرة التي أطلقها الزعيم الكردي عبد الله أوجلان، والأسس الفلسفية التي قامت عليها، والتحولات السياسية والفكرية المتصلة بها، إلى جانب السياق الإقليمي الذي رافقها وتأثير عملية السلام على منطقة الشرق الأوسط.

محاور الندوة

وفي مستهل تقديمه للندوة، رحب الكاتب الصحفي محمد عامر بالدكتورة صونيا الأشقر، مستعرضًا تطورات عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها أوجلان، ولا سيما في ضوء موافقة البرلمان التركي على القانون الإطاري وما أثاره من نقاشات، معتبرًا أن هذه التطورات تمثل محطة مهمة في تاريخ القضية الكردية والمنطقة، وقد تؤسس لمرحلة جديدة تنتقل فيها القضية من منطق الكفاح المسلح إلى النضال الديمقراطي السلمي.

وأشار إلى أن الندوة تتناول الأبعاد الفكرية والفلسفية لهذا التحول، من خلال قراءة رؤية أوجلان للإنسان والمرأة والمجتمع، مؤكدًا أن الأدب ينظر إلى الإنسان باعتباره قيمة إنسانية وليس مجرد رقم في معادلة سياسية، على نحو يتلاقى مع فلسفة عبد الله أوجلان.

كما استعرض جانبًا من السيرة العلمية والأدبية للدكتورة صونيا الأشقر، مشيرًا إلى حصولها على الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها، وعملها أستاذة جامعية وصحفية، إلى جانب إسهاماتها الثقافية والاجتماعية ومؤلفاتها الشعرية والأدبية.

القضية الكردية

انتقلت الكلمة إلى الدكتورة صونيا الأشقر التي بدأت حديثها بالإجابة على تساؤل حول كيفية تعرفها إلى القضية الكردية ومتى بدأت الكتابة حولها، وقالت إن تعرفها إلى القضية الكردية والشعب الكردي ارتبط بما يتميز به الكرد من قدرات عقلية وأدبية وإنسانية واجتماعية، موضحة أن هذه الجوانب دفعتها إلى التعمق في قضية الشعب الكردي وما تحمله من قضايا متعددة، فضلًا عما لحق بالكرد من ظلم وجودي في الشرق الأوسط، وفي تركيا وإيران.

وأضافت أنها، كلبنانية، فإن معاناة اللبنانيين جعلتها شريكة في قضية إنسانية غايتها العيش بسلام ومحبة، مشيرة إلى أن اللبنانيين يعيشون صراعًا دائمًا، ما يدفع إلى تقبل الآخر والاعتراف بالصراعات والقضايا الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أن القضية الكردية، بحسب رؤيتها، قضية محقة وتمثل دافعًا أساسيًا لإحقاق السلام في الشرق الأوسط والمجتمعات.

وأوضحت أن ما يشدها إلى القضية الكردية هو فلسفة عبد الله أوجلان، الذي جعل من فكره وفكر الشعب الكردي «نشيدًا إيمانيًا» يقوم على أن الحق ملك لأصحابه.

وأشارت إلى أن ما لفت انتباهها بصورة خاصة هو دور المرأة في فكر أوجلان، موضحة أنه عرف المرأة عن قرب وناشدها لكي تكون ركيزة في الأمة الكردية.

وأكدت أن هذا المسار يجعلها تؤمن بأن خلاص القضية الكردية يمثل دافعًا قويًا لزرع بذور السلام في المنطقة، مشددة على أنه من دون حل القضية الكردية لا يمكن الوصول إلى السلام بكل أبعاده.

وفي حديثها عن مفهوم المجتمع الديمقراطي، قالت الكاتبة اللبنانية إن الجميع يسمع عن هذا المفهوم، لكن لكل شخص تطلعاته المختلفة وطريقته الخاصة في التعامل مع الآخر، مؤكدة أن المجتمع الديمقراطي يعني حقوق الإنسان واحترامه.

وتساءلت عن مدى وجود ديمقراطية تحترم الإنسان وتعمل على إصلاح المجتمع الذي نعيش فيه، قائلة إن الديمقراطية موجودة، ولكن ضمن أقليات، وإن الحديث عن الإصلاح يعني بدء مرحلة السلام التي بات الشرق الأوسط في أمسّ الحاجة إليها، واصفة المنطقة بأنها «الشرق الدامع».

شخصية أوجلان

ودعت صونيا الأشقر إلى النظر إلى عبد الله أوجلان باعتباره إنسانًا وفيلسوفًا معاصرًا وحكيمًا وقائدًا ومدافعًا عن السلام من خلال مجتمع ديمقراطي يخدم الإنسانية، وقالت إن أوجلان يمثل، في رؤيتها، «فيلسوف المرحلة الاستثنائية المعاصرة لمرحلة السلام المنتظرة»، واصفة إياه بـ«الذكي الواضح والعميق».

وأشارت إلى أن من أبرز مميزات شخصية أوجلان إيمانه بأن الرجولة تكمن في احترام المرأة، موضحة أن الفكرة التي ترى أن الرجل صاحب السلطة والقوة والحضور ليس بحاجة إلى حضور المرأة تمثل خطأً شائعًا لا يمكن علاجه إلا من خلال احترام المرأة.

وأكدت أن أوجلان استطاع الجمع بين حضور الرجل وحضور المرأة، مشددة على أن الرجولة تكمن في احترام المرأة.

ومن هذا المنطلق، شددت الدكتورة صونيا الأشقر على ضرورة منح عبد الله أوجلان حريته من سجنه الجسدي، معتبرة أنه «مسجون جسديًا» فقط، بينما يظل فكره خارج هذا السجن، وفي المطلق الذي تحكمه الإنسانية والديمقراطية.

وأكدت أن فلسفة عبد الله أوجلان، من وجهة نظرها، فلسفة موضوعية ومنطقية وواعدة، وأن اعتمادها أصبح حاجة ماسة للسير نحو السلام داخل مجتمع ديمقراطي.

وأوضحت أن هذا المجتمع الديمقراطي يجب أن يحافظ، في المقام الأول، على كل دمعة زُرفت قهرًا في سبيل النهوض من جديد، مشيرة إلى أن المطالبة بالحقوق والمساواة تعني الدفاع عن كل مقهور وعن كل إنسان يعاني.

الإطار القانوني لعملية السلام

وفي هذا السياق، قالت صونيا الأشقر إن القانون الإطاري الذي وُضع لحل القضية الكردية في تركيا يمثل سبيلًا أراده أوجلان ليكون همزة وصل بين تركيا ودول الشرق الأوسط وإيران، مؤكدة أن لهذا القانون انعكاسات إيجابية على تعافي الشعوب والمجتمعات.

وتناولت دلالة «الإطار» في سياق حديثها عن عملية السلام، مشيرة إلى أن التمعن في مفهوم الإطار يقود إلى الشكل الدائري للكرة الأرضية، وهو ما يعني، بحسب رؤيتها، أنه لا توجد نقطة تلاقٍ تحدد المكان والزمان للسلام، وإنما يوجد التزام لا يتزعزع.

وربطت الكاتبة اللبنانية بين هذا المعنى وبين ذكاء أوجلان، معتبرة أنه تحول إلى «إطار منقذ» لا حد له إلا حدود المنطق والعقل والجسد.

وشددت على أن القانون الإطاري يحتاج إلى رقابة برلمانية ومجتمعية، موضحة أن القضية الكردية تتجاوز البعد الأمني والعسكري، وأنها تحتاج إلى ضمانات قانونية لجميع الأطراف، وبخاصة ما يتعلق بالوضع القانوني للقائد عبد الله أوجلان.

وأشارت إلى أن هذا البعد المستقبلي يجبر الدولة التركية على التعمق أكثر في أطر السلام من خلال القانون الإطاري، والتمسك به ووضعه أمام أعينها، معتبرة أن المرحلة المقبلة تفرض التعامل مع هذا المسار باعتباره مدخلًا إلى السلام.

مستقبل الأمة الكردية

وفيما يتعلق بمستقبل الأمة الكردية، تساءلت الدكتورة الأشقر عما إذا كان يمكن لها أن تشعر بالخوف تجاه مستقبلها، وأجابت بالنفي، معتبرة أن وجود عبد الله أوجلان يجعل الشعور بالخوف يتبدد، وأن المستقبل سيبدأ في التفتح تدريجيًا، وقد بدأت معالمه في الظهور بالفعل.

وأكدت أن امتلاك الفهم والإدراك لعمق الموضوع يمثل شرطًا أساسيًا لتجاوز الخوف، مضيفة أن الوصول إلى بر الأمان لا يمكن أن يتحقق من دون الذكاء والعمق والإدراك، ومؤكدة أن «الحل قريب، والخلاص قريب، والحرية المنتظرة قريبة».

فلسفة أوجلان وواقع الشرق الأوسط

وفي معرض إجابتها عن سؤال حول الانتقال بفلسفة أوجلان من الإطار النظري إلى الواقع، وعن مدى قدرتها على التعامل مع واقع الشرق الأوسط وحاجته إلى التعايش والتسامح، قالت إن الشرق الأوسط يمثل حالة استثنائية في العالم.

وأوضحت أن اهتمامها كان منصبًا على البحث في طرق تحقيق السلام الداخلي للمجتمع الديمقراطي في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن تشابك مكونات المجتمع الديمقراطي من أجل السلام المنتظر يفرض خوض ما وصفته بـ«المعركة السلامية» دون تردد، لأن المصير واحد والهدف واحد والحقيقة واحدة.

وشددت على ضرورة التركيز على خطورة المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة، مؤكدة أن الموضوع الإنساني يثير الكثير من الجدل نظرًا إلى أهميته بالنسبة إلى كل من يتمسك بالحقيقة الوجودية، وليس بالنسبة إلى الأمة الكردية وحدها، وإنما لدول الشرق الأوسط جميعها.

وأكدت أن انعكاسات هذه التطورات على الشرق الأوسط ستكون إيجابية شيئًا فشيئًا، مشيرة إلى أن ذلك أصبح ملموسًا، ومشددة على ضرورة تفسير مسار فلسفة أوجلان واعتمادها في الساحة السلمية من خلال القواعد التي رسمها للوصول إلى السلام والمجتمع الديمقراطي.

المرأة في فلسفة أوجلان

وقدمت الدكتورة صونيا الأشقر قراءة لرؤية عبد الله أوجلان من منظور نسوي، ومن زاوية المرأة ودورها في عملية السلام والمجتمع الديمقراطي، مؤكدة أن نجاح نماذج الأمة الديمقراطية والسلام والمجتمع الديمقراطي والاندماج الديمقراطي يمثل انتصارًا إيجابيًا لقضايا المرأة.

وأشارت إلى فلسفة أوجلان ورؤيته لموقع المرأة ومكانتها، ولا سيما في ضوء الندوتين اللتين عقدتهما في لبنان ومصر حول المناضلة سكينة جانسيز.

وأوضحت أن التمعن في أفكار أوجلان وتطلعاته يكشف تركيزه على ما وصفته بـ«سيكولوجية التعاسة»، مشيرة إلى أن أوجلان اعتبر أن شخصًا واحدًا تعسًا يمكن أن يؤثر في منزل بأكمله، بينما لا تنتقل السعادة بالقدر نفسه.

وقالت إن معالم التعاسة لم تستطع السيطرة على مساره النضالي، معتبرة أن دعمه للمرأة في المجتمع الديمقراطي كان جزءًا من رؤيته، حيث اعتبر نضالها نقطة ركيزة في حياة المجتمع الكردي والمجتمعات كافة.

كما استشهدت بما قاله سيجموند فرويد: «وجود الرأس في الجسد حقيقة ثابتة، لكن وجود العقل داخل الرأس فتلك مسألة فيها نقاش»، معتبرة أن هذا النقاش هو ما يجب على الدولة التركية الاعتراف به، وأن منطق العقل لدى أوجلان يمثل محورًا للنقاش.

وتناولت كذلك ما وصفته بصفوة كتاب «الوجود والعدم» للفيلسوف جان بول سارتر، معتبرة أن هذه الأفكار تتقاطع مع رؤية أوجلان للمرأة والفكر والفلسفة، وترتبط بمعايير السلام من خلال اتفاق الإطار لحل القضية الكردية عبر المفاوضات.

عملية السلام من منظور أدبي

وفي محور آخر، قدمت الدكتورة صونيا الأشقر قراءة لعملية السلام والمجتمع الديمقراطي من منظور ثقافي وأدبي، مؤكدة أن الأدب لا ينظر إلى الإنسان باعتباره رقمًا في معادلة سياسية، وإنما يراه حكاية كاملة تحمل الذاكرة والخوف والحلم والانتماء.

وأوضحت أن فكرة المجتمع الديمقراطي يمكن قراءتها، من هذه الزاوية، باعتبارها انتقالًا من منطق «نحن» في مواجهة «هم» إلى فضاء أوسع يصبح فيه الاختلاف جزءًا من معنى الاجتماع الإنساني.

وأضافت أن المجتمع، في الرؤية الأدبية، ليس كتلة متجانسة، وإنما روايات متعددة تتجاور وتتقاطع، ولكل جماعة ذاكرتها ولغتها وأسئلتها وحقها في أن تُسمع، معتبرة أن ذلك يتفق مع رؤية عبد الله أوجلان.

وتطرقت إلى الوضع في سوريا، في ظل وجود الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، معتبرة أن هذا الوضع يحتاج إلى مساءلة بشأن وجود الكرد ودورهم الفاعل في النظام الجديد، مشيرة إلى ضرورة ضمان حقوق انتخابية متساوية والاعتراف بحقوق الكرد في تركيا وسوريا والعراق وإيران.

وأضافت أن مجموعات من الشهداء الكرد دفعت ثمن الاستقلال والسيادة والقرار الوطني الحر، معتبرة أن مستقبل الأمة الكردية سيبقى غامضًا من دون ظهور ضوء الإفراج عن أوجلان.

دعوة للأمم المتحدة

ودعت صونيا الأشقر هيئة الأمم المتحدة إلى الاجتماع بكامل هيئتها، ولو لمرة تاريخية، من أجل وضع مخطط مفصلي للقضية الوجودية للأمة الكردية، يبدأ بحرية أوجلان.

وحذرت من أن عدم اتخاذ خطوات عملية قد يعيد الوضع إلى نقطة الصفر، داعية الدولة التركية إلى التوقف عن «البازار» السياسي والابتعاد عن زواريب السياسة الانتهازية بحق الأمة الكردية.

واستعرضت خلفية تاريخية للعلاقة بين الكرد والحركة القومية التركية، مشيرة إلى أن مصطفى كمال أتاتورك تحالف مع زعماء الكرد خلال حرب الاستقلال التركية بين عامي 1919 و1925 ضد اليونانيين والاحتلال، ووعد الكرد بحكم ذاتي وحقوق ثقافية في الدستور.

وأوضحت أنه بعد عام 1925 بدأ الصدام عقب تأسيس الجمهورية التركية، مع بدء مشروع الدولة القومية الواحدة، ووقوع مشكلات من بينها منع اللغة الكردية وتغيير أسماء القرى والمناطق إلى أسماء تركية، ما أدى إلى اندلاع عدد من الثورات الكردية، من أبرزها ثورة الشيخ سعيد عام 1925، وثورة آرارات بين عامي 1927 و1930، وثورة درسيم بين عامي 1937 و1938.

وأضافت أن الانتفاضات استمرت وصولًا إلى تأسيس حزب العمال الكردستاني عام 1978 على يد أوجلان، مشيرة إلى أن هدفه كان إقامة دولة كردية مستقلة تضم الكرد، قبل أن ينتقل إلى المطالبة بـ«حكم ذاتي ديمقراطي».

وأشارت إلى أن أوجلان يطالب اليوم بنزع السلاح، معتبرة أن حكمته وزعامته واحترام الأمة الكردية له تجعله مرجعًا للحوار، موضحة أنه من داخل سجن جزيرة إمرالي يناشد بعملية السلام التي، بحسب رؤيتها، لن ترى النور من دون حريته.

وأكدت أن الحل يكون من خلال حكم ذاتي ديمقراطي بعيدًا عن الغرف المغلقة والدهاليز السياسية، مشيرة إلى ضرورة أن يكون تنفيذ عملية السلام تحت المجهر الإقليمي والدولي بصورة مباشرة، من خلال آليات تضمن تحقيق الحقوق الوجودية للأمة الكردية.

وفي ختام الندوة، فُتح الباب أمام الحضور لطرح تساؤلاتهم ومداخلاتهم، ومناقشة ما جرى طرحه من رؤى وأفكار بشأن عملية السلام والمجتمع الديمقراطي وتداعياتهما على المنطقة.

وتنوعت المداخلات بين أسئلة حول مستقبل القضية الكردية، ودور المرأة في مسار السلام، وإمكانات تطبيق الرؤية الديمقراطية على أرض الواقع، إلى جانب طرح وجهات نظر متعددة حول التطورات السياسية والإقليمية المرتبطة بعملية السلام.

قد يهمك