مؤكد أن الوقت لازال طويلا كى تودع دمشق سنوات الحرب و السقوط و القهر والموت والدمار والضياع والتشرد والفقر، كما لازال الوقت طويلا طويلا كى تودع دمشق أيضاً مشاهد عودة "لاجئيها" فرادى بعد أن لفظتهم بعضا من دول أوروبا فى سعيها لإجبارهم على العودة إلى بلدهم.
ومن المؤكد أيضاً ان سوريا لن تتعافى ولو بمقدار أنملة من منطق "من يحرر يقرر"، كما لن تكون موحدة مالم يتصالح السوريون فيما بينهم وبذل جهودا سياسية واخلاقية وثقافية تتجاوز فيه الطائفية ومحنة التفكك والصراع ومكافحة مشاعر الإنتقام والإنتقام المضاد.
فيما يطرح الكثير من المراقبين والمتابعين للشأن السورى بعد مرور قرابة العامين على التخلص من حكم الديكتاتور الهارب بشار الاسد، العديد من التساؤلات .. حول ..ما الذي تغير فى حياة السوريين فى ظل حكومة الأمر الواقع الانتقالية؟!!! و يقودها الرئيس المؤقت احمد الشرع " ابو محمد الجولاني" زعيم تنظيم القاعدة وجبهة تحرير الشام .. و بتعليمات أمريكية .
ومع اشكالية فهم حقيقة ما يجرى فى سوريا برغم رفع امريكا العقوبات عن سوريا كقانون قيصر ومن قوائم الأرهاب، بوصفها عقوبات تتناسب مع حجم ومقدار الطاعة والقبول وعما إذا كان ابو محمد الجولاني قد قدم سوريا على طبق من ذهب إلى نتنياهو كما ينبغى .
المراقبون يرون أن سقوط النظام السورى فى الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤ لم يكن سقوطا لنظام عائلة الاسد بل كان سقوطا كاملا للوطن وللدولة ولما يسمى بسوريا اليوم لتصبح احدى الولايات التركية استطاعت خلالها أنقرة أن تستعيد بعضا من حلمها العثماني القديم عبر تمكنها من استغلال مشهد النفوذ و الصراع بذكاء وبرجماتية وتوظيف الفصائل الموالية لها" الجيش الحر” لتملأ بهم الفراغ الموجود بالقطاع المالى والاقتصادي والصناعى والصحى وحولت سوريا إلى سوق للمنتجات التركية لترفع اقتصادها بنسبة ٢،٥ فى المائة من الناتج المحلى التركى.
ففى سورياً المنهكة والتى تحيا بالكاد اوضاع اقتصادية بائسة وظروف وفوضى أمنية غير مسبوقة فى العديد من مناطق سوريا وغياب الامن والاستقرار بما يتعارض مع مصالحها بسبب استمراء إسرائيل انتهاكها للأراضي والأجواء السورية فى الجنوب السورى أو فى قصفها للعديد من المواقع العسكرية التى ترى فيها تل ابيب تشكل خطرا على أمنها.. اخرها وليس بآخر قصف مطار أبو الظهور العسكرى" خارج الخدمة منذ عام ٢٠٢٣" فى محافظة ادلب بشمال سوريا والواقع على مسافة ٧٠ كم من العاصمة انقرة .
فيما تطابقت معظم التقارير فى أن عملية القصف جاءت ردا على ما اثير حول تحرك خبراء عسكريين أتراك فى محاولة لاعادة تطوير وتحديث المطار الحربى الذى جرى تدميره عبر ثمانى غارات، وبالرغم من ذلك لم تكتفى إسرائيل السيطرة على ٤ محافظات " الجولان والقنيطرة ودرعا والسويداء وريف دمشق " بل زادت أطماعها فى مد سيطرتها ونفوذها على كل سوريا و ضمن مداها الاستراتيجي معلنه رفضها بناء جيش سورى أو تبنى فكرة استعاده الدولة حتى يتحقق لها حلم إسرائيل الكبرى .
ويبقى المشهد الراهن يلقى بظلالة القاتمة على مستقبل سوريا كوطن و كدولة مع سلطة دينية عقائدية تكفيرية لاتؤمن بفكرة الدولة ولا بمنطق التشاركية وتمجد اللون الواحد وتعشق الإقصاء والتهميش والتنمر من الآخرين، وفق منطق الاستحلال و الغنائم،.. سلطة فشلت فى ادارة دولة كما فشلت فى فرض الأمن والأمان وإعادة الإعمار فى بيئة يعانى فيها ملايين السوريين شظف العيش فى مختلف أنحاء سوريا.
الإتفاق الامنى بين دمشق وتل ابيب
و المؤكد أن قصف مطار آبو الظهور العسكري حمل رسالة تحذير إسرائيلي مباشرة، و عبر مكتب نتنياهو تحديدا إلى أنقره مفادها أن إسرائيل أعلنت أن هناك اتفاقا امنيا مع سوريا تضمن عدم السماح للحكومة السورية المؤقتة بالتمدد التركى فى الاراضى السورية " مثلما تمددت ايران سابقا" وبما يتجاوز الحدود المتفق عليها،
كما انها تشكل رسالة ايضاً إلى دمشق والقائمين على ادارتها من قيادات جبهة تحرير الشام بجدية تعاطى تل ابيب مع أية خروقات تهدد امن وسلامة إسرائيل ولدى دمشق الكثير من الأمثلة وكان نتنياهو يتعامل مع ابو محمد الجولاني كحارس امن لإسرائيل الذى لم يبدى ايه اعتراض على انتهاك تل ابيب لسيادة الاراضى السورية بل وتدمير منشآتها العسكرية والتى تعد من مقدرات الشعب السورى.
و مع تصاعد الأزمة بإعلان الشيبانى وزير خارجية الشرع بقطع الاتصالات مع تل ابيب على خلاف الحقيقة على خلفية قصف المطار العسكرى فى ادلب الا انه تراجع سريعا و أجرى مباحثات فى العاصمة الأردنية عمان مع رئيس الموساد " رومان غوفمان" حيث لم تكن المفاجأة فى اللقاء بقدر ما تعدته من ترتيبات أمنية جديدة من تنازلات مرعبة إلى رئيس الموساد وفقا لتسريبات العديد من المنصات الإعلامية الإسرائيلية والغربية وما تضمنته من شروط مطروحة على سوريا .
وتشير التسريبات إلى الشروط الإسرائيلية المطروحة على سوريا من أهمية فتح سفارة لإسرائيل فى دمشق و فتح معبر من جنوب درعا بإتجاه السويداء ومنح إسرائيل منطقة أمنية بعمق ٤٠ او ٥٠ كم تدار امنيا لإسرائيل مع السماح لقواتها بالتوغل داخل الأراضي السورية تحسبا لأية مخاطر مع تقليص عدد الجيش السورى و طرد الفصائل الفلسطينية والمقاتلين الأجانب وتسليم ما لديها من أسلحة ومنح اللاجئين الفلسطينين الجنسية السورية وإسقاط حق العودة والتعهد بتعويض اليهود عن أملاكهم مع تعهد الشيبانى بالانضمام إلى الاتفاق الإبراهيمي خلال عامين هو .
ويبقى فى النهاية أن الشعب السورى لم يتحرر بعد بل عاش "سكره" النصر و الحرية والتصالح الوهمى لساعات، على خلاف الحقيقة ليفيق الجميع فى الداخل والخارج من "سكرته" بأن التغيير الوحيد الذى طرأ على حياتهم أنهم أسقطوا عائلة الاسد "العلويه" واستبدلوها بعائلة الشرع "ألسنيه" ذات الفكر العقائدي الدينى المتطرف، خاصة وان جماعة الشرع تدرك جيدا بأن إسرائيل لديها خطوط حمراء فى معظم أنحاء سوريا وتتسيد على كامل الاراضى وبما يحفظ أمن واستقرار تل ابيب رغم أنف الوجود والاحتلال التركى للاراضى فى شمال سوريا .
امال وأحلام وتطلعات
ذلك الحلم الكبير فى سوريا الديموقراطية التى تتسع لجميع أبنائها من كل الطوائف والملل" أكرادا ودروز وعلويين ومسيحيين وشيعة وسنه وأرمن وشركس" وتؤمن بالعيش المشترك واهمية الحقوق والحريات المشروعة والمتساوية بين كافه مكونات المجتمع ..ومن الواجب على كل شرائحه الاعلان عن رفضهم للفتنة والتحريض والكراهية والانتقام .
امال السوريين فى أن تتغير بلدهم إلى الأفضل وأن تتمتع بالتسامح والتشاركية فى سلطة تقبل بالآخر و تحت مظلة وطن وعلم واحد رفضا للتقسيم ومؤمناً بالعدالة والمساواه .
ويبقى السؤال الجوهرى والذى سيظل محل اختبار للنوايا حول هل سيسمح الشرع - أو"الجولاني" بالذهاب بسوريا إلى دستور مدنى يقبل بمختلف القوى السياسية والحزبية والفكرية والثقافية؟؟؟!!!.
وهل سيسمح الشرع وجماعته بمحاربة بمحاربة الخطاب التحريضي الطائفى من " الشرع نفسه "الذى يحمل خطابا بلون واحد ؟!!
وحقيقة الأمر انه دون وحدة وطنية وعقد اجتماعى توافقى فلم ولن تتعافى سوريا فى ظل إبقاء مشاعر الخوف لدى الملايين من السوريين وبما يشكل جزءا من الهموم والخطر التى سيؤدى إلى اشتعال البلاد فى ظل الاستنصار بالخارج .
.. و لننتظر لنرى ما سيجرى فى قادم الأيام .
مع رجاء السلامة لسوريا وشعبها ووحدة أراضيها.
منبر الرأي