بث تجريبي

إرجين أتاباي يكتب: من سجن إمرالي... الشخصية الاستراتيجية، قوة البناء، ومعنى القانون

عند النظر عموماً إلى النقاشات الدائرة حول المرحلة الحالية، يُلاحظ للأسف أنها تتناول في الغالب جوانب فرعية وتقنية. وعلى الرغم من أن الحرب النفسية التي يشنها نظام الحرب الخاصة لها تأثير في ذلك، إلا أن أبعادها الأكثر أهمية لا يمكن تفسيرها بهذا العامل وحده. وبشكل خاص، نحن الذين تقع على عاتقنا مسؤولية بناء مجتمع ديمقراطي كومونالي، لا نستطيع التخلص من الجوانب الفرعية والتقنية والتفكير على مستوى استراتيجي بسبب السطحية التي نعيشها. ولهذا السبب، فإن مناقشاتنا وأعمالنا لا تكون جوهرية، ولا نستطيع الولوج إلى جدول الأعمال الأساسي. ونتيجة لذلك، وحتى لو كان ما نعلنه محقاً، فإننا نبقى ضمن حدود الحرب النفسية، ونبتعد عن الأجندة والنقاشات والمواضيع الأساسية.

يقول القائد أوجلان: "أنا أعمل بشكل استراتيجي". والأساس الذي يستند إليه العمل الاستراتيجي هو "الشخصية الاستراتيجية". وإحدى أهم صفات هذه الشخصية هي تحديد جدول الأعمال، والنقاش، والعمل وفقاً لما هو جوهري وأساسي. إن أعتى حرب نفسية في التاريخ تُشن حالياً ضد القائد أوجلان، وتُدار خصيصاً لتوجيه أجندته ونقاشاته وأعماله وفق ما يبتغون. ورغم وجوده تحت حصار لا مثيل له في التاريخ ولا في الحاضر، إلا أنه لا يمكنهم توجيه جدول أعماله أو نقاشاته أو أعماله. والسر في ذلك يكمن في الشخصية الاستراتيجية التي بناها القائد أوجلان في ذاته. لكن العائق والتحدي الأساسي الذي يواجهه القائد أوجلان هو عدم قدرتنا على بناء شخصية استراتيجية في أنفسنا بالمستوى ذاته. ولهذا السبب لا نستطيع فهم ما يجري بشكل كامل، ولا نرى الفخاخ التي ينصبها نظام الحرب الخاصة من خلال طرح القضايا الفرعية والتقنية، فنقع عموماً في هذه الفخاخ، مما يبعدنا عن جوهر المسألة. والنتيجة التي يخلقها ذلك تعود بالسلب على القائد أوجلان، إذ لا نستطيع موضوعياً تطوير الاستراتيجية التي طرحها، وهذا ما نعنيه بالعائق والتحدي.

الوصول إلى مستوى الشخصية الاستراتيجية

بشكل عام، يُنظر إلى الحصار المفروض على القائد أوجلان على أنه العائق الأساسي. ولا شك أنه لو لم يكن هذا الحصار موجوداً لكان الوضع مختلفاً. ولكن عند النظر من الماضي إلى الحاضر، فإن المسألة الأساسية تعود إلينا نحن. ففي الماضي أيضاً، لم نتمكن من القيام بمتطلبات المراحل الاستراتيجية التي طورها القائد أوجلان بمبادراته. إن العديد من المبادرات الاستراتيجية التي كانت تتزامن تقريباً مع كل مرحلة ممتدة لـ10 سنوات، أُحبطت بدرجة كبيرة بسبب عدم قدرتنا على الوصول إلى مستوى الشخصية الاستراتيجية. وهذا هو الواقع الذي نواجهه اليوم أيضاً. إن عدم قدرتنا على تحقيق مستوى الشخصية الاستراتيجية يشكل العائق والأثر السلبي الأساسي بالنسبة للقائد أوجلان.

عندما يحلل القائد أوجلان رؤيته استراتيجياً، يحددها بـ: "كسر حصار الإبادة الجماعية والحرب الذي يُحتجز فيه الكرد، ومنع الإبادة وبناء مساحتهم كوجود حر". إن هذا التوجه الاستراتيجي والمقاومة والعمل الممتد لنصف قرن، قُدّم بأكثر الصور إيضاحاً في هذه الجملة، وهي حقيقة تعبر أيضاً عن معنى المرحلة الحالية. إن حصار الإبادة الجماعية على الكرد لا يزال مستمراً. وعلى الرغم من قبول الكرد فعلياً، إلا أنهم ليسوا كينونة حرة بعد. إن المبادرة الاستراتيجية الأخيرة تهدف إلى تجاوز الكرد لهذا الموقع. فلنراجع ما قمنا به منذ "اليوم" الذي انطلقت فيه هذه المبادرة. إن ما قمنا به ينعكس بشكل أكبر على خطابنا. والفترة التي تكثف فيها خطابنا هي الشهر أو الشهر ونصف الأخيرين. وبهذا المعنى، فإن ما قلناه حول الظاهرة المسماة "القانون" يوضح أين نقف من هذه المبادرة الاستراتيجية؛ لقد أصبحنا تقريباً ننام ونستيقظ على كلمة "القانون". ولن نكون ظالمين إذا قلنا إن موقفنا تجاه هذه المبادرة الاستراتيجية يتلخص في حالة "النوم والاستيقاظ" هذه. وفي الحقيقة، فإن السبب الأساسي لعدم قدرتنا على الوصول إلى مستوى الشخصية الاستراتيجية هو "عيشنا ونومنا واستيقاظنا مع هذا القانون".

في هذه النقطة، أولاً: هناك حالة من عدم الفهم الكامل لطبيعة حرب حصار الإبادة المفروضة على الكرد. وثانياً: جوهر المسألة ليس القانون. لا يمكن إنكار القانون كلياً؛ فهذه مرحلة نضالية، ولكن حين يُقال نضال، لا يُقصد بذلك نشاط فرغ من محتواه ولم يعد يمتلك أي قدرة على التطوير، أو التموضع القائم على ردود الأفعال.

بناء المجتمع الديمقراطي الكومونالي

لا يمكن القول إننا فهمنا هذه النقطة تماماً: ما لم يُرفع مستوى النضال على أساس البناء، فمهما قُدمت من نداءات، ومهما كُرر الخطاب الذي لا يتجاوز رد الفعل وتم الاستمرار فيه، لن يتم الحصول على نتائج. وسنبقى في الغالب ضمن حدود "نريد هذا، ونريد ذاك"، وهي حدود لا معنى لها وتخرج الفرد من كونه فاعلاً. إن استراتيجية المبادرة الأخيرة التي طورها القائد أوجلان هي بناء المجتمع الديمقراطي الكومونالي. أما الطريق الذي اتخذناه نحن سياسياً فهو العكس تماماً. لقد تركنا ما هو استراتيجي جانباً تقريباً، وجعلنا من التكتيكي أجندتنا الأساسية. وفي فهمنا هذا، هناك قلب للعلاقة بين الغاية والوسيلة بقدر ما يوجد انقطاع بين ما هو استراتيجي وتكتيكي. إن جعل ما هو فرعي وتقني موضوع الساعة هو السطحية بعينها التي نعيشها في هذه النقطة. في حين أنه لو كنا قد وصلنا إلى مستوى الشخصية الاستراتيجية، لكان الموضوع الأساسي الذي سنجعله أولوية أجندتنا هو الاستراتيجية نفسها. وبدون جعل بناء المجتمع الديمقراطي الكومونالي استراتيجياً كأجندة رئيسية لجميع أعمالنا، لن نكون قد دخلنا في العملية ولن نتمكن من أداء مسؤوليتنا.

من ناحية أخرى، فإن المخاطب باستراتيجية المجتمع الديمقراطي الكومونالي هم البناة الديمقراطيون الكوموناليون أنفسهم. وكما أن التكتيك هو وسيلة للاستراتيجية، فإن القانون كذلك أيضاً. وكلما تحقق بناء المجتمع الديمقراطي الكومونالي — كعمل استراتيجي — فعلياً، فإنه يفرض قانونه الخاص ويستخرجه؛ أي إن القانون لا يأتي أولاً.

مع تحقق بناء المجتمع الديمقراطي الكومونالي، يتم تنفيذ إملائه وقوته الخاصة من خلال القوة التي تبرز في المجال الاجتماعي. أليس هذا هو ما تحقق بالفعل في جدلية النضال والمقاومة طوال النصف قرن الماضي؟ الآن أُضيفت إلى هذه الجدلية أسلوب العمل البنائي الذي يمثل الثورة الإيجابية. فما الذي كان يعيق ذلك وما الذي حدث؟ كما ذكرنا في البداية، فإن العائق الوحيد أمام ذلك هو النقص والسطحية والوهم الذي نعيشه في الشخصية الاستراتيجية وأسلوب العمل. لا داعي للتهرب واللجوء إلى الطرق السهلة وإلقاء اللوم هنا وهناك. يقول القائد أوجلان: "لن نترك مصيرنا للقوانين". وبالطبع لا يُقال إن القانون غير مهم تماماً، لكن الظاهرة المسماة بالقانون هي "قشرة" المسألة. وحتى لو توفر قانون مثالي، فإن غياب الشخصية الاستراتيجية وأسلوب العمل سيعني تحول ذلك القانون إلى فخ.

يقول القائد: "ما نفعله نحن هو الذي سيكون حاسماً، وليس ما يفعله الآخرون". ووفق هذه الرؤية، فإن إظهار الإرادة والحسم والممارسة العملية هو أمر على قدر كبير من الأهمية الحياتية. إن فكرنا الأصيل وإرادتنا وممارستنا التي تتجلى عبر هذه الشخصية الاستراتيجية هي التي ستوصلنا إلى هدف المجتمع الديمقراطي الكومونالي. وبهذا المعنى، من المهم عدم الوقوع في رفض الحقوق أو الانغلاق المحافظ؛ فلا ينبغي الإنكار ولا التعلق بالشكليات. إن النقطة الأساسية التي يجب أن نركز عليها هي البعد الاستراتيجي الذي يمثل الجانب الحيوي للمبادرة. ومع بناء "حرية الوجود، حرية المرأة، حرية التعبير عن الفكر والأيديولوجيا، والتنظيم، والحرية المنظومية"، ستتطور قوة الحل وينمو الحل نفسه.

لدينا إمكانيات وطاقات جادة لتحقيق ذلك، ونملك التجربة والخبرة المتراكمة أيضاً. وعلى أي حال، لم يعدنا أحد بأن الأمر سيكون سهلاً، بل على العكس، الثورة الإيجابية هي أصعب أنواع الثورات. ولكن الثوريين موجودون بالأساس لتحقيق ما هو صعب. وبالطبع، عند التفكير في انعدام الإمكانيات في الماضي، فإن تحقيق النجاح وسط الإمكانيات المتاحة اليوم ليس أشد صعوبة، شريطة أن نركز أكثر على بناء الشخصية الاستراتيجية ونطور ذلك المستوى وأسلوب العمل ذاك.

قد يهمك