بث تجريبي

محمد علي الحكيم: ترامب وإيران.. صراع إرادات بين العقوبات والصمود وتغيير موازين القوة

يرى المحلل السياسي العراقي محمد علي الحكيم أن ترامب لا يعلن عقوبات جديدة فقط؛ بل يحاول تحويل الاقتصاد إلى ساحة المعركة الرئيسية مع إيران، والهدف الحقيقي ليس خنق إيران اقتصاديًا فقط، بل خنق قدرتها على تمويل قوتها السياسية والعسكرية، لذلك واشنطن تريد أن تجعل تكلفة التعامل مع إيران أعلى من الفائدة التي تحصل عليها الدول والشركات من التعامل معها.

هذه استراتيجية عزل شاملة: تضييق الخناق على إيران، وتجفيف قنواتها، ومعاقبة من يساعدها على تجاوز الحصار، حيث إن ترامب لا يريد عزل إيران عن أمريكا فقط، بل يريد عزل إيران عن النظام الاقتصادي الدولي.

القوة هنا ليست في العقوبات نفسها، بل في قدرة واشنطن على إجبار الآخرين على الالتزام بها، والمعركة الحقيقية ليست بين الدولار والريال، بل بين قدرة واشنطن على فرض العزلة وقدرة طهران على كسرها، لذلك ترامب يراهن على أن الضغط الاقتصادي سيغيّر الحسابات السياسية في طهران، لكن بالمجمل، العقوبات تستطيع إضعاف الدولة، ولا تستطيع وحدها ضمان تغيير قرارها السياسي.

كلما اشتد الخناق الاقتصادي، أصبح السؤال: هل ستتجه إيران إلى التفاوض أم إلى التصعيد؟ في البعد النووي، أصبح الملف النووي هو العنوان، لكن الصراع بات أوسع من النووي؛ إنه صراع على مستقبل النفوذ الإيراني، وواشنطن تريد أن تصل إلى اتفاق نووي من موقع قوة، وليس إلى مجرد اتفاق يوقف التصعيد مؤقتًا، وترامب من جهته يريد اتفاقًا لا يقيّد البرنامج النووي فقط، بل يعيد رسم حدود القوة الإيرانية، لكن المشكلة أن إيران، بنظر واشنطن، قد تقبل التفاوض على النووي، لكنها ستقاوم أي محاولة لتفكيك نفوذها الإقليمي.

وأما في البعد الدولي، ترامب يوسّع المعركة من إيران إلى شركائها؛ وهذه خطوة لتحويل العقوبات إلى نظام ردع عالمي، وعندما تهدد واشنطن الدول التي تساعد إيران، فهي لا تعاقب طهران فقط؛ بل تعيد رسم قواعد التعامل معها.

الاختبار الأكبر لسياسة ترامب سيكون في الصين وروسيا، وليس في إيران وحدها، وإذا تمكنت إيران من الحصول على بدائل اقتصادية من الشرق، فستصبح العقوبات الأمريكية أقل تأثيرًا، أما إذا نجحت واشنطن في إغلاق البدائل، فستتحول العقوبات إلى ضغط استراتيجي طويل الأمد.

إذن، إيران لا تحتاج إلى الانتصار على العقوبات؛ يكفيها أن تمنع العقوبات من تحقيق أهدافها السياسية، واستراتيجية طهران التقليدية تقوم على الصمود حتى يصبح ثمن الضغط على الخصم أكبر من ثمن التنازل، لذلك فإن إيران قد لا تبحث عن كسر العقوبات، بل عن إطالة أمدها دون الانهيار، وكل يوم تصمد فيه إيران اقتصاديًا هو يوم تخسر فيه استراتيجية الضغط الأمريكية جزءًا من فعاليتها.

أما في البعد الإقليمي، فـالخطر أن تتحول الحرب الاقتصادية إلى ضغط عسكري غير مباشر إذا حاولت إيران الرد على الخنق الاقتصادي، وكلما ضاقت الخيارات الاقتصادية أمام طهران، زادت أهمية أوراقها الجيوسياسية في المنطقة.

المعادلة الخطيرة هي أن الضغط الاقتصادي قد يقلل قدرة إيران، لكنه قد يزيد أيضًا حوافزها للرد، وأي مواجهة حول الطاقة أو الملاحة ستجعل كلفة الصراع إقليمية، وليس إيرانية فقط.

ترامب يريد أن يفرض على إيران معادلة جديدة: إما تغيير السلوك، أو دفع ثمن العزلة، لذلك المواجهة الحالية هي صراع إرادات أكثر منها صراع عقوبات، وواشنطن تراهن على الاقتصاد لإنتاج تنازل سياسي، وطهران تراهن على الوقت لإنتاج تراجع أمريكي، ومن يربح هذه المواجهة هو الطرف القادر على تحمّل الزمن أكثر من الطرف الآخر.

إذن، القضية في النهاية ليست من يملك العقوبات، بل من يملك القدرة على الصمود أمامها، وإذا تحولت العقوبات إلى اتفاق، تكون واشنطن قد حققت هدفها؛ وإذا تحولت إلى تصعيد، تدخل المنطقة مرحلة أخطر.

قد يهمك