أضاف قرار إيران بتعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز في مارس 2026 بُعدًا جديدًا في المواجهة العسكرية التي شنتها أمريكا وإسرائيل ضد إيران، لم يكن موجودًا قبل بدء الصراع. بل وسرعان ما احتل موقع الأولوية في المفاوضات غير المباشرة التي دارت بين واشنطن وطهران لبحث سُبل إنهاء الحرب، وذلك نظرًا للتداعيات الاقتصادية الوخيمة التي أصابت كُل دول العالم. كما أدى تعطيل حركة الملاحة بمضيق هرمز إلى تصاعد الاهتمام السياسي والبحثي بموضوع المضايق البحرية، وماهية القواعد القانونية المنظمة لها، وعما إذا كانت إيران تمتلك حقًا قانونيًا فيما اتخذته من إجراءات. ويدفع كل ذلك إلى مناقشة موضوع الممرات البحرية الدولية، وأنواعها، والقواعد التي أرستها الاتفاقيات الدولية بشأنها، وأحكام محكمة العدل الدولية في هذا الصدد، ودور هذه الممرات في تحقيق الأمن والسلم على المستويين الإقليمي والدولي.
يمكن تعريف الممرات البحرية وفقًا للقانون الدولي العام بأنها الطرق المائية الطبيعية أو الاصطناعية التي تُستخدم للملاحة البحرية الدولية، وتربط بين بحرين أو محيطين أو بين أجزاء من البحر، وتخضع هذه الممرات لنظام قانوني دولي يحدد حقوق وواجبات الدول الساحلية أو الشاطئية المطلة على الممر، وكذلك حقوق وواجبات السفن التي تستخدم هذه الممرات، والطائرات التي تحلق في فضائها الجوي، وهو النظام الذي حددت قواعده اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
عند تحليل الوضع القانوني للممرات البحرية، يمكن التمييز بين أربعة أشكال:
المضايق البحرية الدولية: هي ممرات أو معابر بحرية طبيعية تُستخدم للملاحة الدولية، وتربط بين جزأين من أعالي البحار أو بين جزء منها وبحر إقليمي أو منطقة اقتصادية خالصة لإحدى الدول، وهي بحكم التسمية محدودة الاتساع. وتكتسب هذه الممرات أهميتها الجيوستراتيجية والجيواقتصادية من أنها نقاط عبور إلزامية للتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، ونقل مصادر الطاقة. وبصفة عامة، فإن هذه الممرات تلتزم بقواعد "المرور العابر" وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
ومن أمثلتها: مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي بخليج عمان والمحيط الهندي، ومضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومضيق ملقا الذي يقع بين جزيرة سومطرة الإندونيسية وشبه جزيرة الملايو، ويربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، ومضيق جبل طارق الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، ومضيق البوسفور الذي يربط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، ومنه إلى البحر المتوسط عبر مضيق الدردنيل. أضف إلى ذلك المضايق الدنماركية، وهو تعبير يشير إلى ثلاثة مضايق تقع بين الدنمارك والسويد، تربط بحر البلطيق ببحر الشمال، ومنه إلى المحيط الأطلسي.
القنوات البحرية الدولية: هي ممرات مائية اصطناعية، وليست مضايق دولية طبيعية، أنشأها الإنسان لتسهيل الملاحة والتجارة الدولية. ومن أهمها: قناة السويس التي افتتحت عام 1869، وقناة بنما التي افتتحت عام 1914. وهي قنوات تمر داخل إقليم دولة ما، وتخضع لسيادتها، وإن كان تنظيم حرية الملاحة فيها تضمنه اتفاقيات دولية، مثل اتفاقية القسطنطينية عام 1888 في حالة قناة السويس، أو معاهدة الحياد الدائم التي وقعتها بنما مع الولايات المتحدة عام 1977.
الممرات الواقعة في البحار الإقليمية للدول: هي الطرق البحرية التي توجد داخل البحر الإقليمي للدولة. ومن أمثلتها: مضيق ميسينا الذي يقع داخل المياه الإقليمية الإيطالية. ويخضع هذا النوع من الممرات لقواعد "المرور البريء"، أي العبور دون تهديد أمن الدولة، وليس "المرور العابر" الذي يُطبق على الشكل الأول من أشكال الممرات البحرية الدولية.
الممرات البحرية في أعالي البحار: هي المسالك والطرق البحرية التي تعبر مناطق لا تخضع لسيادة أي دولة، وتتمتع فيها جميع الدول بحرية الملاحة. ومن أمثلتها: الطرق عبر شمال المحيط الأطلسي التي تربط مواني أوروبا الغربية ومواني الساحل الشرقي للأمريكيتين، وممرات وسط المحيط الهادئ التي تربط مواني شرق آسيا والساحل الغربي للأمريكيتين، والطريق البحري حول رأس الرجاء الصالح الذي يلتف حول الطرف الجنوب لقارة إفريقيا ويربط بين المحيطين الأطلسي والهندي.
ارتبطت الثورة الصناعية في أوروبا ونمو التجارة بين الدول بازدياد أهمية طرق التجارة الدولية والممرات البحرية، وضمان حرية الملاحة فيها، وإقرار القواعد المؤكدة لهذا المبدأ. وذلك في مواجهة محاولات بعض الدول الساحلية المطلة على الممرات فرض رسوم للعبور أو وضع اشتراطات خاصة بذلك. وأدى هذا إلى نشوب صراعات وحروب، وإلى إبرام اتفاقيات ومعاهدات في القرنين التاسع عشر والعشرين، منها: مقررات مؤتمر فيينا عام 1815، واتفاقية القسطنطينية 1888، ومعاهدة لوزان 1923، واتفاقية مونترو للمضايق عام 1936، واتفاقية جنيف لقانون البحار عام 1958، وصولًا إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تم التفاوض بشأنها لمدة تسع سنوات، حتى التوقيع عليها عام 1982، ودخلت حيز التنفيذ في عام 1994، والتي سعت إلى إقامة التوازن بين حرية الملاحة الدولية وسيادة الدول الساحلية.
ويمكن تحديد أهم المبادئ والقواعد القانونية المنظمة لحرية الملاحة في الممرات البحرية فيما يلي:
مبدأ حرية الملاحة: وهو المبدأ الأساسي الذي يقضي بحق السفن التابعة لجميع الدول في الإبحار عبر البحار والممرات الدولية دون تمييز. ويشمل ذلك أعالي البحار، والمضايق البحرية الدولية، والممرات الواقعة في البحار الإقليمية للدول، والقنوات البحرية الدولية.
مبدأ المرور البريء: ويشير إلى حق جميع السفن في المرور عبر البحر الإقليمي لدولة ما، بشرط أن يكون المرور سريعًا ومتواصلًا، وألا يمثل تهديدًا لأمن الدولة، وألا يتضمن أي نشاط عسكري أو أعمال تجسس أو صيد غير مشروع. ويجوز للدولة الساحلية تنظيم هذا المرور بما لا يؤدي إلى تعطيله بطرق تعسفية، وحددت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أشكال المضايق التي ينطبق عليها نظام المرور البريء.
مبدأ المرور العابر: يُطبق في المضايق البحرية الدولية، مثل مضيق هرمز وباب المندب. وبموجبه، يحق للسفن والطائرات العبور المستمر والسريع دون حاجة إلى إذن مسبق من الدول الساحلية المطلة على المضيق، بشرط احترام قواعد السلامة والأمن. وذلك حسب المادة (39) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ويُعتبر حق المرور العابر أوسع نطاقًا من حق المرور البريء.
مبدأ عدم التمييز: بمعنى معاملة سفن جميع الدول على قدم المساواة، وبدون تمييز أو تفرقة بينها على أساس الوجهة أو العلم أو نوع السفينة أو البضائع، وذلك وفقًا لنص المادة (38) من اتفاقية الأمم المتحدة، ربما باستثناء حق الدولة الساحلية في منع مرور السفن التابعة لدولة تكون في حالة حرب معها، وهو الحق الذي أعطته اتفاقية القسطنطينية لمصر، فنصّت على أن يكون من حق السلطات المصرية منع الدولة أو الدول التي تكون في حالة حرب معها من المرور في قناة السويس.
التزامات السفن العابرة: في مقابل هذه الحقوق، تلتزم السفن العابرة أثناء عبورها الممرات البحرية بالامتثال للأنظمة والممارسات المعمول بها لضمان السلامة البحرية وإجراءات منع التصادم في البحر، وكذلك الإجراءات الخاصة بمنع التلوث وخفضه والسيطرة عليه، وذلك حسب نَص المادة (39) من الاتفاقية، والامتناع عن القيام بأي عمل من شأنه تهديد أمن الدولة الساحلية. وذلك وفقًا للمادة (39) من الاتفاقية، التي نصّت أيضًا على إجراءات مماثلة لسلامة الطيران في الممرات.
حقوق الدولة الساحلية: يضمن القانون الدولي حقوقًا للدولة الساحلية، تشمل: حماية أمنها القومي، وتنظيم المرور لضمان السلامة البحرية، مثل تعيين الممرات البحرية للسفن أثناء عبورها في المضايق الدولية، وتحديد إجراءات تنظيم حركة المرور، وذلك تعزيزًا لسلامة السفن أثناء عبورها حسب نَص المادة (41) من الاتفاقية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة التهريب والقرصنة والتلوث. كما يكون من حقها تعليق "المرور البريء" في بعض المناطق مؤقتًا ولأسباب أمنية استثنائية، ولكنها لا تملك -كمبدأ أو أصل عام- إغلاق المضايق الدولية أمام الملاحة العالمية الخاضعة لنظام "المرور العابر". كما نصّت المادتان (43-44) من الاتفاقية على واجب هذه الدول نحو ضمان سلامة وسلاسة الملاحة الدولية، ومنع التلوث من السفن والسيطرة عليه، والمحافظة على استمرار المرور العابر.
وهكذا، فالأصل في الممرات البحرية الدولية هو حرية الملاحة لجميع السفن دون تمييز، وإن كان يرد على هذا المبدأ العام عدة استثناءات في حالات الحروب والصراعات المسلحة، والعقوبات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والأخطار المهددة للبيئة والسلامة البحرية، ومكافحة القرصنة.
تتمثل الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية في أنها تمثل شرايين رئيسة للتجارة العالمية ونقل الطاقة، علاوة على أهميتها العسكرية والأمنية، وتأثيرها في أمن دول العالم. ولذلك، فقد أصبحت من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية السياسية والاقتصادية، وأكثر ارتباطًا باستقرار العلاقات بين الدول والنظام الدولي. وتُعتبر أحد المقومات الاستراتيجية في العلاقات الدولية المعاصرة، التي تمارس تأثيرها في أطراف النظام الدولي.
تظهر هذه الأهمية في ضمان حماية طرق التجارة العالمية، إذ تمر نسبة كبيرة من النفط والغاز ومستلزمات الزراعة والإنتاج والسلع الموجهة للاستهلاك عبر الممرات البحرية، باعتبارها أقل طرق النقل تكلفة. ولذا، فإن أمن هذه الممرات وحرية المرور فيها يضمنان تدفق المواد الخام والسلع، واستمرار أسواق الطاقة العالمية. وفي هذا السياق، تعتمد الدول الصناعية والاقتصادات الكبرى على التدفق الآمن والحر للطاقة والمواد الأولية عبر المضايق والبحار وممرات نقل مصادر الطاقة. ويؤدي ذلك إلى أن حماية الممرات البحرية تُعد جزءًا من الأمن الاقتصادي، والأمن الغذائي، وأمن الطاقة لهذه الدول.
ولعل أكبر دليل على هذا هو الاضطراب الذي ترتب على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وما أدى إليه من ارتفاع في أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين البحري، وتوقع حدوث تراجع في نمو الاقتصاد العالمي إذا استمر هذا التعطيل للملاحة في مضيق هرمز.
تُستخدم الممرات البحرية أيضًا من جانب الدول الكبرى في مرور السفن والأساطيل الحربية، ونقل القوات والمعدات العسكرية لأغراض المناورات المشتركة واستعراض القوة، كما تقوم هذه الدول بتأمين خطوط الإمداد عبر الممرات في أوقات الصراعات. أضف إلى ذلك أن السيطرة القانونية والأمنية على الممرات تسهم في مواجهة أعمال القرصنة البحرية، والإرهاب البحري، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والاتجار بالبشر، والهجرة غير الشرعية.
ترتبط الممرات البحرية أيضًا بأمن النظام الإقليمي الذي تنتمي إليه، فاستقرار الوضع في هذه الممرات يؤثر في أمن دول المنطقة، بما فيها الدول الساحلية. ويشمل ذلك أمن المواني، وحماية المنشآت النفطية والصناعية والتكنولوجية المتقدمة، وحركة التجارة الإقليمية، والعلاقات بين دول الإقليم في المجالات الاقتصادية والعسكرية والأمنية، كما يشمل العلاقات بينها وبين القوى الكبرى التي تحتفظ بمصالح واسعة في المنطقة. لذا، فإن بعض الممرات تُعد مفاصل حساسة للنظام الدولي، ونقاط اشتباك وصدام تعكس طبيعة اختلاف المصالح بين القوى الكبرى فيه، مثل مضيقي هرمز وباب المندب، حيث إن نشوب أزمة كبيرة في أي منهما يؤدي إلى أزمة دولية تطرح تأثيراتها في العالم بأسره.
ويترتب على ذلك أن الدول الكبرى تحرص على حماية طرق الملاحة الدولية والحفاظ على حرية العبور فيها، باعتبارها جزءًا من أمنها القومي وتحقيق الاستقرار الدولي. واتصالًا بذلك، فإن الدول الإقليمية تحرص أيضًا على مبدأ حرية الملاحة في الممرات البحرية؛ لأنه يضمن مصالحها الاقتصادية ويحمي أمنها.
وختامًا، لكل ما تقدم، فإن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 تمثل الإطار المرجعي الذي ينبغي الاستناد إليه عند تحليل أي موضوع يتعلق بحرية الملاحة في الممرات البحرية، لعالميتها وشمولها، ولأنها سعت إلى تحقيق التوازن بين مصالح الدول الساحلية ومصالح المجتمع الدولي.