تواصل إدارة البيت الأبيض برئاسة دونالد ترامب، استهداف قضاة المحكمة الجنائية الدولية؛ ضِمن حملة شرسة تقودها الخارجية الأمريكية، تهدف في النهاية إلى تفكيك المنظمة الدولية التابعة للأمم المتحدة، بحجة استهدافها مواطني دول غير أعضاء في المحكمة.
وتعتبر المحكمة الجنائية الدولية أول محكمة دائمة ومستقلة، تم إنشاؤها عام 2002، بموجب نظام روما الأساسي لعام 1989، ويقع مقرها في لاهاي بهولندا، وتهدف إلى محاكمة الأفراد المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية، وهي الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان.
وجاء التصعيد الكبير من جانب الولايات المتحدة - الدولة غير العضوة في المحكمة- بعدما أصدرت المحكمة، في نوفمبر 2024، مذكرات توقيف بحق عدد من المسؤولين، من بينهم بنيامين نتنياهو، الذي تم اتهامه بارتكاب جرائم حرب في غزة، بما في ذلك التجويع والقتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال اللاإنسانية.
وعلى إثر ذلك، فرضت إدارة ترامب سلسلة من العقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية، التي يبلغ عدد الدول الأعضاء فيها 125 دولة، بحسب إن بي سي نيوز؛ لمحاولاتهم التحقيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما ليستا عضوتين في المحكمة.
كانت البداية في 6 فبراير 2025، عندما أصدر البيت الأبيض عقوبات على كريم خان، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية السابق نفسه، ثم في أغسطس 2025، توالت سلسلة العقوبات التي استهدفت ستة قضاة وثلاثة مدعين عامين في الجنائية الدولية.
وترجع الاتهامات إلى قيام اثنين منهم بإجراء تحقيق في أفغانستان، شمل جرائم مزعومة ارتكبها أفراد من الجيش الأمريكي، كما وافق اثنان آخران على إصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو ويوآف جالانت؛ على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لدورهما في تدمير قطاع غزة.
كما استهدفت سلسلة العقوبات قاضيين آخرين؛ لرفضهما استئنافًا قدمته الحكومة الإسرائيلية لإعادة التحقيق في جرائم الحرب في فلسطين، وهو ما جعل أوامر إلقاء القبض ومذكرات توقيف المشتبه بهم تظل سارية المفعول، ما لم تقرر الدائرة القضائية غير ذلك.
وفي أحدث سلسلة العقوبات، استهدف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اثنين من مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية بعقوبات، وهما: رئيسة المحكمة الجنائية الدولية اليابانية توموكو أكاني، والمحامي البارز السنغالي عبد الله سي، وفقًا لشبكة سي إن إن.
واتهم وزير الخارجية الأمريكي مارك روبيو، المسؤولين بأنهما شاركا بشكل مباشر في جهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع المسؤولين الذين لم توافق حكوماتهم على اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، أو اعتقالهم، أو احتجازهم، أو محاكمتهم.
وبموجب العقوبات والإدراج على القائمة السوداء الأمريكية، بات القضاة بجانب أفراد أسرتهم، مدرجين في عقوبات النظام المصرفي، التي تُعَد الأكثر صرامة في هذا المجال، وتشمل معظم الأنظمة المصرفية العالمية، حيث تغلق البنوك حسابات الأفراد الخاضعين للعقوبات، وتُجمِّد الأصول وتمنعهم من السفر إلى الولايات المتحدة.
ووفقًا للخارجية الأمريكية، فإن القرار يأتي بهدف وضع حد لقدرة المحكمة الجنائية الدولية على استهداف المواطنين الأمريكيين ومواطني الدول غير الأعضاء في المحكمة، متوقعين انضمام المزيد من الدول فيما وصفوه بجهود تفكيك المحكمة بشكل منهجي، حتى تصبح عاجزةً عن تهديد السيادة الأمريكية.
من جانبها، أدانت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الجديدة، في بيان على موقعها، مؤكدة أنها تقوّض سيادة القانون، إلا أنها ستظل ثابتة على موقفها، وتدعم بقوة موظفيها وضحايا الفظائع التي لا يمكن تصورها، وستواصل أداء مهامها بكاملها باستقلالية ونزاهة، بما يخدم مصالح ضحايا الجرائم الدولية.
أمام ذلك، طالب القضاة بتفعيل قانون الحظر، وهي آلية قانونية أوروبية تحمي مواطني الاتحاد من آثار العقوبات العابرة للحدود، بجانب إنشاء بدائل أوروبية لشبكات الدفع والاعتماد على "اليورو الرقمي"، وضمان عدم توقف الشركات التي تُورِّد الخدمات للمحكمة الجنائية الدولية؛ خوفًا من واشنطن.
وفقًا لهم، فإن الدول التي ترفض الانضمام للمحكمة الجنائية الدولية تمتلك طموحات إمبريالية، وتريد أن تجعل القانون خادمًا للقوة وليس العكس، فالعقوبات الأمريكية لا تستهدف الأشخاص فحسب، بل تستهدف رمزية العدالة، عندما يُعاقَب القاضي لأنه حقق في استخدام التجويع كسلاح حرب، فإن الرسالة المُوجَّهة للعالم هي أن هناك أشخاصًا فوق القانون الدولي.
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم
من زوايا العالم