بث تجريبي

أحمد شيخو يكتب: اتفاقية مكة للدفاع المشترك: قراءة نقدية في معضلات التكتل وأوهام «تكامل القوة»

شهد تاريخ الشَّرق الأوسط الحديث تركةً ثقيلةً من الشّعارات والتَّكتلات الإقليميَّة الّتي أُعلنت ببيانات ختاميّة رنّانة، وسرعان ما تبدّدت وتلاشت مع أول اختبار عملي عند اندلاع الأزمات الحقيقيَّة. وفي الوقت الّذي يُروَّج فيه لـ «اتّفاقيَّة مكَّة للدّفاع المشترك» بوصفها تحوُّلاً استراتيجيَّاً ينقل المنطقة من "الاعتماد التَّقليدي على المظلات الأمنيَّة الخارجيَّة" إلى "تكامل القوة الذَّاتيَّة" أو التَّوفيق بينهما، فإنَّ القراءة النَّقديَّة الهادئة والمتأنيَّة تكشف أنَّ هذا الطَّرح يغفل عن تعقيدات جيوسياسيَّة وبنيوية عميقة؛ مما يهدّد بجعل هذا التَّكتل مجرد "تحالف ظرفي آخر" كُسِيَ لبوساً مؤسّسياً شكليَّاً.

يقوم المنطق الثَّلاثي للتَّحالف على معادلة تبدو مثاليَّة ومغريَّة في ظاهرها: مالٌ سعودي، وتكنولوجيا تركيَّة، وردعٌ نووي باكستاني. غير أنَّ الأدبيات المستقرة في العلوم السّياسيَّة والعلاقات الدَّوليَّة توضح أنَّ الأمن الجماعي المستدام لا يُبنى على التَّجميع الميكانيكي أو الحسابي لعناصر القوة الصَّلبة والنَّاعمة، بل يتطلب في المقام الأول تجانساً عميقاً في العقائد الأمنيَّة، وتوافقاً تاماً في تحديد مصادر التَّهديد، وتقارباً في المصالح الوطنيَّة العليا. وهي جميعها مساحاتٌ تتصادم فيها أهداف الدَّول الثَّلاث أكثر مما تتكامل، يضاف إلى ذلك تعقيدات موقف المنظومة الدَّوليَّة والتَّقاطعات الإقليميَّة المحيطة بها.

فضلاً عن ذلك، فإنَّ محاولة الاتكاء على الرَّمزيَّة المكانيَّة والدّينيَّة لاختيار اسم «مكَّة» للتَّحالف، إلى جانب غياب ثقل حضاري وأمني وجغرافي محوري كمصر عن هندسة هذا التَّوازن، يكشفان منذ اللّحظة الأولى عن خلل استراتيجي بنيوي في صلب هذا المشروع.

معضلة العقيدة الأمنيَّة وتضارب الأولويات الاستراتيجيَّة

تكمن الإشكاليَّة الأولى للاتّفاقية في افتراض أنَّ العواصم الثَّلاث (الرّياض، أنقرة، وإسلام أباد) تشترك في الرُّؤية ذاتها لتحديد الأعداء ومصادر التَّهديد، في حين أنَّ المسح الجيوسياسي لأولويات كلّ دولة يكشف عن تباينات جوهريَّة يصعب تجسيرها.

فمن جانبها، تركز المملكة العربيَّة السَّعودية في عقيدتها الأمنيَّة بالدَّرجة الأولى على تأمين بيئتها الخليجيَّة المباشرة، وضمان سلامة خطوط الملاحة البحريَّة في البحر الأحمر والخليج العربي، واحتواء النَّفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة الفصائل المسلحة التَّابعة له. ومن ثمَّ، فإنَّ أيّ تحالف لا يضع هذه الملفات في رأس أهدافه يظلُّ بالنَّسبة للرَّياض تحالفاً منقوصَ الفعاليَّة.

وعلى الضَّفة الأخرى، تصيغ أنقرة أولوياتها الأمنيَّة حول محاربة الكرد والحركات التَّحرُّريَّة الكرديَّة في تركيا وسوريا والعراق وإيران، إلى جانب تثبيت النَّفوذ في شرق المتوسط وشمال أفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (NATO) تفرض عليها التزامات أمنيَّة وضوابط تقنيَّة صلبة قد تتعارض كليَّاً مع دخولها في تحالفات إقليميَّة مستقلة ذات أجندات خاصة.

وفي المقابل، ترتهن العقيدة الدّفاعيَّة لجمهوريَّة باكستان الإسلاميَّة بالكامل تقريباً للمعادلة الوجوديَّة والتَّهديد التَّقليدي القادم من الهند على حدودها الشَّرقيَّة. ومن ثمَّ، لا ترى إسلام أباد في أمن الخليج أو صراعات شرق المتوسط إلّا ساحات عمليَّة ثانويَّة، لا تبرّر بأيّ حال من الأحوال نقل قدراتها العسكريَّة الحساسة أو إرباك توازناتها العسكريَّة الموجهة أساساً نحو نيودلهي.

هذا التَّباين البنيوي يجعل مفهوم "الأمن الجماعي" مجرد شعار إجرائي؛ إذ إنَّ العدو المباشر أو المهدِّد الأساسي لأحد أطراف الحلف قد يكون شريكاً تكتيكيَّاً أو تحصيلاً اقتصاديَّاً للطَّرف الآخر، وهو ما يفرغ بند "الدّفاع المشترك" من مضمونه العمليَّاتي عند وقوع مواجهة عسكريَّة حقيقيَّة.

وهم المظلة النوويَّة والحدود الصَّلبة للرَّدع الباكستاني

تُقدَّم الميزة الباكستانيَّة المتمثّلة في امتلاك ترسانة نووية باعتبارها "الورقة الاستراتيجيَّة الرَّابحة" الّتي تمنح الاتفاقيَّة وزنها الرَّدعي الثَّقيل. غير أنَّ هذا الطَّرح يتجاهل القيود القانونيَّة والسّياسيَّة الحاكمة لتسييل هذه القدرات على أرض الواقع.

فمن جهة أولى، يواجه الحديث عن مدّ أو توسيع "المظلة النَّوويَّة الباكستانيَّة" لتشمل أطرافاً إقليميَّة رفضاً حاداً وصارماً من القوى العظمى وفي مقدمتها الولايات المتّحدة والصَّين وروسيا. كما يُعدُّ خرقاً صريحاً لروح معاهدة عدم انتشار الأسلحة النَّوويَّة (NPT)، مما يضع إسلام أباد تحت طائلة عقوبات اقتصاديَّة ودبلوماسيَّة خانقة لا تطيق بنيتها الاقتصاديَّة المأزومة تحملها.

ومن جهة أخرى، تصطدم هذه الفكرة بعقدة القرار السّيادي؛ إذ إنَّ استخدام التَّرسانة النَّوويَّة أو توظيفها كأداة ردع علنيَّة محكوم بتوازنات وحسابات معقدة للغاية داخل هيئة القيادة الوطنيَّة (NCA) في باكستان. والقيادة العسكريَّة الباكستانيَّة لن تخاطر مطلقاً بوضع مظلتها النَّووية في خدمة نزاعات إقليميَّة لا تمسُّ حيوياً الأمن القومي المباشر لبلادها.

بناءً على ذلك، يظلُّ العنصر النَّووي الباكستاني في إطار هذا التَّحالف مجرد قيمة معنويَّة أو رمزيَّة، وغير قابل للتَّرجمة كأداة ردع عمليَّة في إدارة الأزمات والمواجهات اليوميَّة في الشَّرق الأوسط.

تستند الاتّفاقيَّة في جانبها التَّنموي والتَّسليحي إلى معادلة بسيطة مفادها "الممول والمصنّع"، وهي معادلة غير متكافئة تحمل في طياتها عوامل فشلها الذَّاتي.

فحصر الدَّور السُّعودي في خانة "الممكّن المالي" لتطوير برامج التَّكنولوجيا العسكريَّة التُّركيَّة والخبرة الباكستانيَّة يربط استدامة الحلف بالتَّقلبات الحادة لأسواق النّفط وتغير أولويات الميزانيات الوطنيَّة لدول الخليج.

كما تتضاعف المخاطر بالنَّظر إلى حساسيَّة التَّبعيَّة للتَّقنيات الغربيَّة؛ فبالرَّغم من القفزات النَّوعيَّة الّتي حقَّقَتْها الصّناعات الدّفاعيَّة التُّركيَّة، إلّا أنَّها تتكئ في كثير من المكوّنات الحرجة (كالمحركات، ونظم الرَّادار المتقدمة، وإلكترونيات الطّيران) على تراخيص وحقوق ملكيَّة غربيَّة وأمريكيَّة. وفي حال استشعار العواصم الغربية أنَّ هذه التَّكنولوجيا تُوظَّف لبناء تحالف دفاعي مستقل خارج نطاق السَّيطرة، فإنَّ فرض قيود أو حظر على الصَّادرات التَّقنيَّة سيفقد برامج التَّصنيع المشترك قيمتها الفعليَّة.

علاوة على ذلك، تظهر معضلة تنافس الاستراتيجيات المحلّيَّة؛ حيث تسعى الرّياض عبر رؤيتها التّنمويَّة إلى توطين الصّناعات العسكريَّة بنسب مرتفعة داخل أراضيها ونقل التَّقنية المباشرة، في حين تحرص أنقرة وإسلام أباد على إبقاء سلاسل القيمة المضافة، ومراكز البحث والتَّطوّير الأساسيَّة، والوظائف عالية المهارة داخل حدودهما الوطنيَّة، مما يوجد تنافساً استراتيجيَّاً واقتصاديَّاً مكتوماً بين الأعضاء.

عادة ما تتهاوى التَّحالفات الإقليميَّة عندما تصطدم بالتَّفاصيل البيروقراطيَّة والتَّنفيذيَّة؛ إذ يبرز أولاً غياب المعايير الموحدة للعمليَّات العسكريَّة، نظراً لأنَّ المؤسّسة العسكريَّة التُّركيَّة تعتمد كلياً على عقيدة ومعايير حلف النَّاتو، بينما تعتمد القوات المسلحة السُّعوديَّة على منظومات غربية متنوعة (أمريكيَّة وأوروبّيَّة)، في حين تستند باكستان إلى خليط من السّلاح الصّيني، والتَّصنيع المحلّي، والعتاد الأمريكي القديم. إنَّ دمج وتوحيد أنظمة الاتّصالات، والقيادة، والسَّيطرة الرَّقميَّة (C4ISR) بين هذه المدارس العسكريَّة المتباينة يتطلب عقوداً من العمل الميداني الشَّاق وتكاليف ماليَّة باهظة جداً.

تتفاقم هذه الأزمة بسبب انعدام الثّقة المؤسّسيَّة والاستخباراتيَّة؛ حيث تفتقر بيئة الشَّرق الأوسط إلى إرث موثوق من تبادل المعلومات الاستخباراتيَّة الحساسة بشكلٍ دائم ومؤسّسي. فالخوف المستمرُّ من تسريب البيانات، أو حدوث تحوّلات في النّظام السّياسي لأي دولة عضوة، يحول دون مشاركة أجهزة الاستخبارات للمعطيات عالية الخطورة، مما يجعل غرف العمليَّات المشتركة مجرد مجالس بروتوكوليَّة لا تمتلك القدرة على التَّنسيق اللّحظي في وقت الحروب.

لن تقف القوى الإقليميَّة والدَّوليَّة الفاعلة موقف المتفرج أمام ولادة حلف ممتدّ جغرافيَّاً من شرق المتوسط وصولاً إلى المحيط الهندي.

وعلى الرَّغم من خطاب واشنطن المتكرّر حول ضرورة "تقاسم الأعباء"، فإنَّ الإدارات الأمريكيَّة لن تسمح بنشوء حلف إقليمي كبير يستغني عن المظلة الأمنيَّة الأمريكيَّة، مما يدفع واشنطن لاستخدام أوراق ضغط تقنيَّة وسياسيَّة لإرباك مسار الاتّفاقيَّة وتعطيل مخرجاتها.

كما يُقرأ هذا الحلف في طهران وتل أبيب باعتباره تكتلاً مُعدّاً لتغيير موازين القوة وتعديل الخريطة الأمنيَّة؛ مما قد يتسبب في إطلاق سباق تسلح جديد في المنطقة، أو قيام الأطراف المنافسة بتحركات استباقيَّة لإفشال التَّحالف من الدَّاخل عبر تغذيَّة التَّباينات السّياسيَّة بين أعضائه.

وفوق ذلك، يبرز معطى التَّوازن المعقد مع الصَّين وروسيا؛ إذ ستسعى العواصم الثَّلاث إلى تجنب إغضاب الصّين (الّتي تعتبر الشَّريك الاقتصادي والاستراتيجي الأول لباكستان) أو روسيا (المتداخلة عميقاً في الملفين التُّركي والسُّعودي)، مما يضع خطوطاً حمراء جديدة تقيد حرّيَّة حركة الحلف ومناوراته الخارجيَّة.

تستدعي تسمية التَّحالف بـ «اتّفاقية مكَّة» حمولة رمزيَّة ودينيَّة ذات ثقل استثنائي، في محاولة واضحة لمنح التَّكتل مشروعية أخلاقيَّة وهالة روحيَّة متجاوزة للحدود الوطنيَّة، وإضفاء طابع الاستقرار والشَّرعيَّة الإسلاميَّة الجامعة على أهدافه الأمنيَّة.

غير أنَّ الاعتماد على الرَّمزيَّة المكانيَّة الموحدة -رغم جاذبيته الإعلاميَّة والتَّعبويَّة- غالباً ما يُغطّي على هشاشة البناء المؤسّسي؛ إذ إنَّ العاطفة الدّينيَّة والرَّمزيَّة التَّاريخيَّة لا تمنح التَّحالفات قدرة على الصَّمود إذا ما افتقرت للآليات التَّنفيذيَّة الصَّارمة. بل إنَّ خطورة إقحام اسم "مكَّة" في تحالف عسكري استراتيجي تكمن في احتمال استقطاب الحساسيَّات الإقليميَّة والطَّائفيَّة، وتحويل أي خلاف سياسي أو عسكري بين دول الحلف إلى أزمة شرعيَّة تعصف بالرَّمزيَّة ذاتها، بدل أنْ تكون مظلَّة حامية له.

غياب مصر: الفجوة البنيويَّة في معادلة الأمن العربي والشَّرق الأوسط 

تكتمل صورة الهشاشة الجيوسياسيَّة لهذا التَّكتل بالتَّوقف عند عدم وجود جمهوريَّة مصر في معادلته التَّأسيسيَّة؛ إذ يُشكل هذا الغياب ثغرةً استراتيجيَّة جوهريَّة تُخلّ بتوازن أيّ ترتيب أمني إقليمي. فمصر تُمثّل ثقلاً بشريَّاً وعسكريَّاً وجغرافيَّاً تاريخيَّاً لا يمكن تجاوزه في أي منظومة دفاعيَّة تخصُّ العالم العربي أو أمن البحر الأحمر والملاحة الدَّوليَّة.

إنَّ غياب القاهرة يترك فراغاً قياديَّاً في العمق العربي للتَّحالف، ويجعل التَّكتل يبدو وكأنَّهُ ترتيب إقليمي هجين يرتكز على طرفين غير عربيين (تركيا وباكستان) إلى جانب السُّعوديَّة، مما قد يُثير توجساً عربيَّاً مكتوماً حيال خلق مسارات أمنيَّة بديلة تُهمّش أدوار عربيَّة محوريَّة. وبدون مشاركة القاهرة بوزنها الميداني وحضورها الجيوسياسي في الشَّرق الأوسط وأفريقيا، يفتقر التَّحالف إلى غطاء استراتيجي عربي متكامل، مما يجعله أكثر عرضة للاختراق والتَّشكيك في أهدافه طويلة المدى.

الخلاصة

تأسيساً على ما سبق، تظلُّ اتفاقيَّة مكَّة للدّفاع المشترك -في شكلها الحالي وبنيتها الرَّاهنة- طموحاً استراتيجيَّاً يحلق بعيداً عن الواقع الميداني، ويكشف عن «معضلة الانفصال بين الإمكانات والنّيَّة.

إنَّ حشد الوفرة الماليَّة مع الخبرة التَّكنولوجيَّة والرَّدع النَّووي والرَّمزيَّة الدّينيَّة لا يخلق تكتلاً دفاعيَّاً ناجحاً ما لم تُحلُّ التَّباينات البنيويَّة في تعريف الأولويات الوطنيَّة، ويُدْرَجُ الفاعلون الإقليميون المحوريون كمصر، وتُكسر معضلة التَّبعيَّة التَّقنيَّة للغرب، ويُبنى إرث موثوق من الثَّقة المؤسّسيَّة الشَّاملة. وبدون توافر هذه المقومات الصَّلبة، ستظلُّ هذه الاتفاقيَّة مجرد استجابة سياسيَّة ظرفيَّة فرضتها تقلبات المرحلة، ويسهل تفكيكها عند أول اختبار حقيقي تتضارب فيه المصالح الوطنيَّة لأطرافها.

 

قد يهمك