بث تجريبي

أحمد حسن يكتب: انتهت هدنة الـ 60 يوماً .. أزمة هرمز وخطر الحرب الإقليمية

في 17 أغسطس 2026 انتهت مذكرة التفاهم المؤقتة للسلام لمدة 60 يوماً التي تم توقيعها في يونيو بين الولايات المتحدة وإيران. لم يتم تطبيق أي بند منها طوال 60 يوماً.

في صباح 18 أغسطس، نشر ترامب على حسابه في منصة Truth Social خريطة كُتب عليها فوق مضيق هرمز "أرض أمريكية جديدة". وكتب تحتها: "الحصار مستمر. السيطرة بأيدينا".

وفي ظهر اليوم نفسه، خرج رئيس البرلمان الإيراني قاليباف ليقول: "هرمز مغلق حتى يتم تنفيذ شروط الاتفاق". وأضاف نائب وزير الخارجية غريب آبادي: "هذا هذيان".

وفي ساعات المساء، استهدف ترامب هذه المرة عُمان: "إذا تحدثتم عن إدارة مشتركة مع إيران، فالخيار العسكري مطروح".

وكما هو الحال دائماً، أدت التهديدات المتبادلة إلى ارتفاع البورصة وأسعار النفط. أغلق السوق ليلاً عند 91.46 دولاراً. ارتفع خام برنت بنسبة 0.7% وخام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.9%.

انتهت الـ 60 يوماً. وبدأت التهديدات. فهل سيؤدي هذا إلى تفجير حرب إقليمية؟

لماذا هرمز بهذه الأهمية؟

هرمز ليس مجرد مضيق عادي بين إيران وعُمان. إنه عقدة الطاقة والتجارة في العالم.

1. شريان الطاقة:

يمر عبر هرمز يومياً 20% من النفط المنقول بحراً في العالم و 30% من الغاز المسال. حوالي 21 مليون برميل يومياً. كل صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران وقطر تخرج من هنا.

لا يوجد خط أنابيب بديل كافٍ. إذا أُغلق، سيصل المخزون العالمي إلى نقطة النفاد في غضون بضعة أشهر.

2. الجغرافيا:

أضيق نقطة في المضيق 39 كم. الساحل الإيراني على بعد 11 كم، والساحل العُماني على بعد 28 كم. أي أن السفينة لا تستطيع المرور دون الاقتراب 3 أميال من المياه الإقليمية الإيرانية. من يسيطر على الساحل، يسيطر فعلياً على المرور. ولهذا فإن إعلان إيران "الإغلاق" ليس فارغاً.

3. الزناد الاقتصادي:

إغلاق هرمز ليوم واحد يعني +15 دولاراً في سعر برنت. إغلاق لمدة أسبوع يعني ركوداً في آسيا. 40% من واردات الصين النفطية و 80% من واردات اليابان وكوريا الجنوبية تأتي من هنا. لهذا فإن تغريدة واحدة من ترامب تحرك السوق 3 دولارات. منذ بدء حرب أمريكا وإسرائيل، كل تغريدة تعدل البورصة.

ولهذا من يمسك هرمز، يمسك كهرباء مصانع العالم.

ماذا يفعل الطرفان؟

- أسلوب ترامب: أزمة بالتغريدة، ومفاوضة بالأزمة.* هذا أصبح دبلوماسية حرب جديدة. برز هذا الأسلوب خلال هدنة الـ 60 يوماً. في 12 أغسطس قال "سيطرنا بالكامل" فارتفع النفط. في 14 أغسطس قال "سنعلنه أرضاً" فانخفضت البورصة. في 18 أغسطس نشر الخريطة فارتفع النفط من جديد.

- الهدف: إجبار إيران على الجلوس إلى الطاولة بشروط أقسى، ورسم صورة "الزعيم القوي" في الداخل، وفتح المجال لشركات النفط. في القانون الدولي، الممرات الاستراتيجية للطاقة وطرق التجارة لا تصبح أرضاً بإعلان أحادي. هو باطل قانوناً. لكنه فعال جداً مالياً.

- أسلوب إيران: ورقة المضيق المغلق، إيران تعرف قيمة هرمز. لذلك تقول "سأغلقه". شرطها واضح: ارفعوا العقوبات، أفرجوا عن الأصول المجمدة، أنهوا الحصار. وفي نفس الوقت تتحدث مع عُمان عن نموذج "الإدارة المشتركة". أي أنها لا تريد إغلاق المضيق لا لصالح أمريكا ولا بمفردها، بل تريد إبقاءه ورقة مساومة.

هل ستندلع حرب إقليمية؟

الاحتمال وارد. بثلاث طرق:

1. الاشتباك العرضي:  هذا هو الخطر الأكبر. سفينة حربية أمريكية وزورق إيراني سريع في نفس المياه. إذا أطلقت إحداهما طلقة تحذيرية، يبدأ التسلسل. المضيق ضيق ولا مجال للمناورة.

2. حرب الوكالة: كلما ضغطت أمريكا على إيران، ترد إيران عبر العراق وسوريا واليمن ولبنان بشكل غير متماثل. وترد أمريكا بـ "إيران هي من ضربت". وهكذا تنتقل الأزمة من هرمز لتنتشر في المنطقة.

3. انتهاء الدبلوماسية:  هذه هي النقطة الحرجة. لم يعد لقطر وعُمان تأثير كوسيط. ترامب عطّل عُمان بتهديد عسكري. وقطر رمت الكرة بقولها "فلتتفق إيران وعُمان أولاً". ومع فقدان باكستان والسعودية وتركيا لموقعها الحيادي بعد اتفاق مكة، ضاقت قنوات الدبلوماسية كثيراً.

هل تتحمل المنطقة وأمريكا حرباً جديدة؟ لا. الحروب المتواصلة في الـ 15 سنة الأخيرة لم تُخسر شعوب المنطقة فقط، بل خسرت الأطراف نفسها أيضاً.

أمريكا تواجه في الداخل ديوناً عميقة وردود فعل من المعارضة المجتمعية. وفي إيران انهار الاقتصاد، والإنتاج العادي في حده الأدنى باستثناء إنتاج السلاح، والمعارضة الداخلية تحت ضغط كبير. لهذا يريد الطرفان "توتراً مسيطراً عليه".

انتهت هدنة الـ 60 يوماً. وحلت محلها أزمة تُدار بالتغريدات.

هرمز ليس مغلقاً لكنه بطيء فعلياً. النفط والغذاء غاليان. السوق متوتر والتضخم يتعمق.
الحرب ليست على الباب، لكن يد الباب تتحرك باستمرار. لأن التوازنات الاقتصادية والسياسية لا تسير في ظل الدبلوماسية، بل في ظل الحرب.

تغريدة ترامب القادمة، أو تصريح إيران القادم، قد يغير كل شيء.

الـ 30 يوماً القادمة ستكون حاسمة. إما مفاوضات جديدة من الباب الخلفي، أو حريق إقليمي بسبب حساب خاطئ.

قد يهمك