بث تجريبي

د. محمد محسن أبو النور يكتب: مستقبل تنفيذ بنود مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران في ضوء مسار المفاوضات

مرت المفاوضات التي أسفرت عن مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران بمخاض عسير أنتجت أربعة عشر بندًا كتبت نهاية ولو مؤقتة للصراع الأمريكي الإيراني الذي بدأ بنهاية فبراير الماضي، وأسفر عن خسائر فادحة لكلا الطرفين، بجانب خسائر اقتصادية عانى منها العالم أجمع، نتيجة إغلاق إيران لمضيق هرمز، والذي أثبتت فيه قدرتها على التحكم في أحد أهم المضائق المائية في العالم، والذي أبعدت به الأنظار عن البرنامج النووي، وجعلته في صدارة أولويات حل الأزمة الجيوسياسية والعسكرية بينها وبين غريمها الأمريكي.

ومنذ توقيعها في مساء الأربعاء الموافق 18 يونيو الماضي، تعرضت مذكرة التفاهم لخروقات عدة حيث هاجمت إيران عدة سفن حاولت الإفلات من التنسيق مع إيران للمرور من مضيق هرمز، ما استدعى الجانب الأمريكي للرد على تلك الممارسات الإيرانية بهجمات على مواقع وتمركزات رادارات الرصد الإيرانية في جزيرة سيريك الإيرانية، بجانب مهاجمة عدة تموضعات عسكرية إيرانية في جزيرة خارك، كما لوحت إيران بإفشال المذكرة إذا لم تتوقف إسرائيل عن مهاجمة مناطق في لبنان، وطالبت بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة مؤخرًا، وهو ما كشف عن عدة عوامل من شأنها أن تؤثر على مستقبل التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بناءً على تلك المؤشرات.

عوامل مؤثرة في مصير مذكرة التفاهم

تتمثل أهم العوامل المؤثرة على مستقبل تنفيذ مذكرة التفاهم، والتي تمثل عقبات أمام فرص التحقق الكامل للبنود الـ14 بخطوة نحو صياغة اتفاق شامل، ومن أبرز تلك العقبات ما يلي:

تضارب تصريحات مسؤولي البلدين: حيث كشفت التصريحات الصادرة من فريقي التفاوض عن استمرار وجود فجوة في فهم طبيعة مخرجات التفاوض، خاصة مع إعلان الوفد الإيراني عن استعداد واشنطن للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة لتكون تحت تصرف البنك المركزي الإيراني، فيما تؤكد واشنطن أن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة – والمزمع الإفراج عنها – سيشتري بها الإيرانيين محاصيل الفول والقمح والذرة والفول الصويا من الولايات المتحدة، بما يسهم في تحقيق الرغبة الأمريكية في قطع الطريق على إيصال تلك الأموال إلى أذرع إيران في الإقليم، أو تحديث إيران لبنيتها العسكرية مرة أخرى، خاصة وأن الطرفين يتحسبان لاحتمالية استئناف الصراع مرة أخرى، ولكي تضمن واشنطن أمن تل أبيب.

غياب الأرضية المشتركة: وهو ما أدى إلى عدم تحقق نتائج يعتد بها سوى قبولهما بالجلوس على مائدة التفاوض – وعن بعد – أي بوجود وسطاء، حيث ترفض إيران جلوس وفدها على مائدة واحدة مع الوفد الأمريكي، للحفاظ على مسافة من الخصم الأمريكي، خاصة وأن الداخل الإيراني محتشد تمامًا ضد ممارسات واشنطن في إيران منذ بدء الحرب، بعد استهداف الطيران الأمريكي والإسرائيلي لمدرسة أطفال في ميناب جنوب شرق إيران، ما أسفر عن وفاة حوالي 180 تلميذة، وإصابة العشرات، وقبلها اغتيال المرشد الإيراني بصفته الزعيم الروحي للمذهب والدولة.

تشابك الملفات وتشعبها: خاصة ملف البرنامج النووي الإيراني، والذي يعد عنوانًا عريضًا يأتي تحته عشرات العناوين الفرعية للكثير من الملفات العالقة. إذ أن على الطرفين إذا توفرت النية للمضي قدمًَا في تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، أن يتم التوافق بعد 60 يومًا على مفاوضات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، والذي سيناقش فيه الطرفان أولًا إمكانية أن يكون لدى إيران برنامجًا نوويًا من عدمه، بجانب الحديث عن نسبة التخصيب المقترحة مستقبلًا، علاوة على الإجابة عن تساؤل يتعرض لمستقبل اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وطريقة التخلص منه، سواء بإخراجه خارج إيران أو تخفيف نسبة تخصيبه في الداخل الإيراني، وهي أمور كلها تحتاج إلى مناقشات مطولة، بجانب تشدد إيران في مطالب كثيرة في تفاصيل هذا الملف.

دخول المفتشين الدوليين: وهو أمر قد يتسبب لاحقًا في أزمة بين فريقي التفاوض، إذا ما اعتبرنا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تنتظر الإذن لمفتشيها بالدخول إلى المواقع النووية الإيرانية، بناءً على مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، كما ترفض إيران بشكل كامل دخول المفتشين الدوليين إلى المواقع النووية الإيرانية المقصوفة في عملية “مطرقة منتصف الليل” وهي مواقع (نطنز – فوردو – أصفهان) على أن تسمح للمفتشين بالدخول إلى المواقع الأخرى كمحطة بوشهر مثلًا التي تعتبر في الأساس محطة “كهروذرية” أي محطة نووية لتوليد الكهرباء ولا أهمية حساسة في المنظومة النووية التي ترغب واشنطن في الكشف عنها.

وتكمن الأزمة في تلك النقطة في أن إيران تصف مفتشي الوكالة ومديرها العام رفائيل جروسي بـ”الجواسيس” وأنهم يقدموا المعلومات الكاملة عن المواقع النووية الإيرانية للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لاسيما مع إدراك الإيرانيين أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية كانت الأساس الذي استندت عليه تحركات واشنطن وتل أبيب العسكرية ضد إيران سواء خلال حرب الإثني عشر يومًا أو حرب الأسابيع الست الأخيرة، حيث كانت تصدر تقارير سلبية تدين إيران من خلال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قبيل ساعات من بدء العمليات العسكرية الأمريكية أو الإسرائيلية ضد إيران.

العامل اللبناني: والذي يعد أحد أهم وأبرز العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على مستقبل مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، خاصة وأن إيران اشترطت من أجل توقيع تلك المذكرة إيقاف العمليات العسكرية على الجبهات كافة، بما فيها الجبهة اللبنانية، مع ضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل من لبنان، وذلك برغم توصل كل من بيروت وتل أبيب لتفاهم بشأن إطلاق عملية سلام في لبنان، أكدت فيه إسرائيل أنها لن تنسحب من كامل لبنان إلا بعد نزع سلاح حزب الله اللبناني، وهو ما ترفضه إيران بشكل كامل، وتعرقل تنفيذ الورقة الأمريكية المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة في لبنان، خاصة وأن إيران تعتبر أن حزب الله اللبناني هو – الآن – درة تاج وكلائها في الشرق الأوسط بعد خسارة النظام السوري بقيادة بشار الأسد، بجانب خسارة القدرات العسكرية للتنظيمات الفلسطينية في قطاع غزة بسبب حرب ما بعد عملية السابع من أكتوبر 2023، وفضلا عن الضربات التي منيت بها الميليشيات الحوثية في أعقاب حرب الإثني عشر يومًا التي اندلعت العام المنصرم.

ولذلك فإن العامل اللبناني سيظل حجر عثرة – بجانب عوامل أخرى – في سبيل تنفيذ بنود الاتفاق، لاسيما مع رغبة إسرائيل في التواجد في عدة تموضعات بجنوب لبنان، وهي الأماكن المتاخمة للمستوطنات الإسرائيلية شمال إسرائيل، والمحاذية للنقاط الخمس التي تحتلها إسرائيل حاليًا في الجنوب اللبناني، وقد عملت إسرائيل على تغولها في تلك المناطق لضمان البقاء لأطول فترة ممكنة، لحين ضمان نزع سلاح حزب الله اللبناني، من أجل ضمان أمن مستوطنات الشمال وبقية الأراضي التي تحتلها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

يمثل العامل الاقتصادي الضاغط داخليًا على إيران أحد أهم العوامل التي جعلت صانع القرار في إيران يوصي بضرورة التوقيع على مذكرة التفاهم، خاصة وأن الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية كاد أن يطلق رصاصة الرحمة على الاقتصاد الإيراني، وهو ما دعا مسؤولين إيرانيين للضغط على المرشد والحرس الثوري للقبول بمذكرة التفاهم، على الرغم من أن أصواتًا كثيرة من رجال الدين والمتشددين والنافذين يرفضون التفاوض مع ترامب وفريقه الدبلوماسي، إلا أن استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز، وتكريس تلك السيطرة من خلال التواصل المستمر مع سلطنة عمان لإقناعها بمشاركة إيران في إدارة المضيق، يعد أحد المكاسب الاستراتيجية التي حصلت عليها إيران جراء الحرب، حيث اكتشفت إيران قدرتها على التحكم في الاقتصاد العالمي، وهو ما يعد أحد أبرز عوامل فشل مذكرة التفاهم، والتي تنص في مادتها الخامسة على “إجراء إيران مشاورات مع سلطنة عُمان لتحديد آليات الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في مضيق هرمز، بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي”، على الرغم من أن تلك المشاورات الإيرانية تتجاوز القانون الدولي واتفاقية البحار والمحيطات المبرمة عام 1982م.

كما سيظل العامل اللبناني أحمد أهم العوامل المؤثرة على تنفيذ بنود المذكرة، أو التوصل لاتفاق شامل وجامع مانع بين واشنطن وطهران، خاصة وأن حزب الله يرتبط بنظام “الولي الفقيه” في إيران ارتباطًا عقائديًا وليس ارتباطًا براجماتيًا، وهو ما يضع على عاتق إيران مسؤولية كبيرة تجاه هذا الوكيل بالتحديد، من ناحية حمايته واستمرار بقائه ودعمه لوجيستيًا وعسكريًا وماديًا، وهو ما يجعله حجر العثرة الأكبر مستقبلًا في سبيل التوصل لاتفاق نهائي مع الولايات المتحدة، كما يفتح الباب أمام تعثر الجهود الأمريكية في التوصل لاتفاق سلام شامل بين بيروت وتل أبيب.

المصدر: مركز الدراسات الاستراتيجية وتنمية القيم

قد يهمك