بث تجريبي

محمد صابر يكتب: سوريا بين بناء الدولة وصراع النفوذ

منذ دخول مقاتلي "هيئة تحرير الشام" دمشق في الثامن من ديسمبر 2024، لم تسقط دولة بقدر ما انهار نظام أفرغ الدولة من مضمونها على مدى أكثر من خمسة عقود، وحوّلها إلى جهاز قمعي مُجوٓف يرتكز على الولاءات الطائفية والزبائنية بدلاً من المؤسسية والقانون، لذلك فإن المعضلة الجوهرية أمام الحكومة الانتقالية بقيادة "أحمد الشرع" أنها لا تملك دولة تصلحها بقدر ما تواجه مهمة بنائها من فراغ فعلي، وسط تعدد مراكز القوى المسلحة وإرث من التشظي الجغرافي والإثني العميق.

في هذا السياق يظل الملف الكردي الاختبار الأكثر كشفاً لطبيعة الدولة التي يُراد بناؤها، هل هي دولة مركزية أحادية الهوية، أم دولة تعددية تستوعب التنوع القومي والثقافي الذي تشكّل تاريخياً جزءاً من النسيج السوري؟ وقد جاء الإعلان الدستوري المُعلَن في مارس 2025 بصياغة تحمل تناقضاً بين خطاب الانفتاح والصياغة القانونية الفعلية، غير أن اتفاق 29 يناير 2026 ومسار الاندماج العسكري والإداري الذي أعقبه أضاف متغيراً جوهرياً لا يمكن قراءة المشهد السوري بمعزل عنه.

وبناءً على ما سبق، يأتي هذا التحليل لقراءة كافة العناصر المتداخلة في إعادة إنتاج الدولة السورية، عبر تحليل أوضاع بناء المؤسسات السيادية والجيش والدستور ومجلس الشعب من جهة، وقراءة مسار الاندماج الذي تمّ بموافقة قسد والحكومة في المجالَين العسكري والإداري من جهة أخرى، فضلاً عن رصد صراع النفوذ بين الإسرائيلي والتركي والعربي والأمريكي والروسي، وصولاً إلى الوضع الاقتصادي الراهن وما يفرضه من ضغوط على مسار الانتقال.

مسار الاندماج:

أنجزت الحكومة الانتقالية خلال ثمانية عشر شهراً منذ سقوط الأسد جملةً من الخطوات المؤسسية الجوهرية، وإن ظلت بعيدة عن اكتمال البناء، فعلى الصعيد الدستوري، صدر في مارس 2025 إعلان دستوري مؤقت نص على بناء جيش وطني احترافي وإعادة بناء المؤسسات العامة وتعزيز سيادة القانون، فيما حدد آلية لانتخاب مجلس الشعب عبر هيئات فرعية في المحافظات تنتخب ثلثي أعضائه، ويعين رئيس الجمهورية الثلث الباقي. وعلى صعيد الجيش، أعلنت وزارة الدفاع في مايو 2025 الانتهاء من دمج جميع الوحدات العسكرية ضمن هيكليتها، وأصدرت لوائح الانضباط العسكري، مع منح رتب لقادة فصائل منشقين.

أما مجلس الشعب فقد سار في مسار غير مألوف؛ إذ أجرت اللجنة العليا انتخاباتٍ في سبتمبر 2025 عبر هيئات ناخبة في المحافظات، غير أن البرلمان لم ينعقد إلا مطلع 2026. وفي مايو 2026 أُعلن عن انتهاء تعيين ثلث أعضاء المجلس بمرسوم رئاسي تمهيداً لانعقاد أولى جلساته الرسمية، في وقت شهد فيه الملف الكردي انفراجاً نسبياً بعد إجراء انتخابات محافظتَي الحسكة وعين العرب ضمن إطار اتفاق يناير 2026. غير أن الخبراء يُنبّهون إلى أن بناء الجيش الوطني يواجه تحدياً أعمق من مجرد الاندماج الشكلي؛ إذ إن توحيد الوحدات دون توحيد العقيدة القتالية ينتج جيشاً ذا طبقتَي ولاء لا طبقة واحدة.

ويُعدّ اتفاق التاسع والعشرين من يناير 2026 منعطفاً جوهرياً في هذا السياق، وهو الاتفاق الثالث بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية منذ سقوط الأسد، فقد تضمن وقف إطلاق النار الدائم، والتفاهم على اندماج متسلسل للقوات العسكرية والإدارية، وانسحاب القوات من نقاط التماس، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزَي الحسكة والقامشلي. وعلى الصعيد العسكري، جرى الاتفاق على تشكيل فرقة من ثلاثة ألوية من قسد ولواء لكوباني ضمن فرقة حلب، أما إدارياً فيتضمن الاتفاق دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في هياكل الدولة مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسليم إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط في الحسكة، وتعيين محافظ بترشيح من قسد.

بيد أن تداعيات الاتفاق الميدانية كشفت أنه أقرب إلى تفاهم انتقالي منه إلى تسوية نهائية؛ فقد أبدى الطرفان تبايناً في تفسير بنوده، لا سيما فيما يخص هيكلية الاندماج العسكري ومستقبل إدارة الموارد النفطية وصلاحيات الإدارة المحلية والقضاء والحقوق الثقافية الكردية، ولا يدور الخلاف حول مبدأ الاندماج بحد ذاته، بل حول طبيعته وحدوده؛ فبينما تنظر دمشق إليه بوصفه استيعاباً كاملاً للقوات ضمن مؤسسة مركزية موحدة، ترى الإدارة الذاتية أن أي صيغة مستدامة يجب أن تحافظ على قدر من الخصوصية التنظيمية، ومن هنا يتحول ملف الاندماج من قضية أمنية إلى خلاف حول شكل السلطة ومستقبل توزيع القوة داخل الدولة السورية.

حسابات هامة:

لا تقارب الأطراف الإقليمية الملف السوري من موقع محايد، خاصةً في نقطة بالغة الحساسية ألا وهي مسار بناء الدولة وملف الاندماج مع قسد، إذ تجد دمشق نفسها في موقف بالغ الدقة: فأي تقدم باتجاه تسوية تكتسب فيها مكوّن بعينه شرعيةً أو امتيازاً يُفسَّر في عواصم أخرى بوصفه إخلالاً بالتوازن؛ بينما أي تأخير أو تساهل يُقرأ في عواصم ثالثة بوصفه ضعفاً أو تواطؤاً. هذا الوضع يجعل من الملف السوري الاختبار الأكثر كشفاً لمدى استقلالية القرار الوطني عن الحسابات الإقليمية. ويمكن تحليل أبرز هذه الحسابات فيما يلي:

معضلة الاندماج العسكري بعد يناير 2026: لا يدور الخلاف بين دمشق وقسد حول مبدأ الاندماج بحد ذاته، بل حول هويته ومآلاته؛ فبينما تنظر الحكومة السورية إليه باعتباره استيعاباً كاملاً للقوات الكردية داخل مؤسسة عسكرية مركزية موحدة يخضع فيها عناصر قسد للتدقيق الأمني الفردي قبل الانتساب، ترى الإدارة الذاتية أن الصيغة المستدامة يجب أن تحافظ على قدر من الخصوصية التنظيمية ضمن هيكل الدولة. ومن هنا يتحول ملف الاندماج من قضية أمنية إلى خلاف جوهري حول شكل السلطة ومستقبل توزيع القوة داخل الدولة السورية.

الإشكالية الدستورية والهوية السياسية: يتجاوز الخلاف البُعد العسكري ليصل إلى سؤال الهوية الوطنية نفسها؛ إذ يسعى الأكراد إلى ضمانات دستورية تتعلق بالاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية واللغوية، بينما تخشى دمشق أن يُؤدي توسيع هذه الضمانات إلى تأسيس نموذج سياسي يقترب من الفيدرالية أو الحكم الذاتي الموسع. ومجلس الشعب الذي ينعقد الآن بعضوية ممثلين عن الحسكة وعين العرب هو بالضبط الحلبة التي ستُحسم فيها هذه الإشكالية دستورياً لا ميدانياً فحسب.

الثروة والموارد الاقتصادية: يسيطر الشمال الشرقي على نسبة كبيرة من الموارد النفطية والزراعية السورية، وهو ما يمنح الإدارة الذاتية وزناً تفاوضياً يتجاوز حجمها العسكري. ونجاح الحكومة الانتقالية في استقطاب الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار يظل مرتبطاً ارتباطاً بنيوياً بقدرتها على استعادة تدفق عائدات تلك المناطق إلى الخزينة المركزية، وهو ما يمنح قسد ورقة فيتو اقتصادية فعلية تعزّز موقفها التفاوضي في كل محطة.

التأثيرات الإقليمية والدولية: لا يتحرك الطرفان في فراغ سياسي؛ فتركيا تضغط لإنهاء أي حكم ذاتي كردي وأبرمت اتفاقية دفاعية مع دمشق في آب 2025، وإسرائيل تواصل غاراتها وتوسّع حضورها جنوباً وأقرّت في إبريل 2026 خطة لتوسيع كتسرين بـ334 مليون دولار، وروسيا تحتفظ بقاعدتَي طرطوس وحميميم ورقةَ ضغط، فيما تحتفظ واشنطن بوجود شرق الفرات دون أن تُحدّد آفاقه. وتُتحوّل أي تسوية داخلية بذلك إلى جزء من شبكة تفاهمات إقليمية ودولية أوسع لا تملك دمشق وحدها مفاتيحها.

اختبار السيادة السورية: يمثّل ملف بناء الدولة الاختبار الأكثر حساسية لمفهوم السيادة الذي تطرحه الحكومة الانتقالية؛ إذ إن دمشق مطالبة بإعادة بسط سلطتها على كامل أراضيها، لكنها في الوقت نفسه تعتمد على تفاهمات وضغوط خارجية -تركية وأمريكية وخليجية- لتحقيق ذلك. ومن ثَمَّ فإن نجاحها لن يُقاس فقط بقدرتها على دمج قسد أو استعادة الشمال الشرقي، بل بمدى قدرتها على فعل ذلك دون تحويل السيادة ذاتها إلى موضوع تفاوض دائم مع القوى الإقليمية والدولية.

الوضع الاقتصادي:

تنطلق سوريا عام 2026 من نقطة اقتصادية بالغة الهشاشة؛ فوفق تقديرات البنك الدولي انكمش الناتج المحلي السوري بنحو خمسين إلى خمسة وستين بالمئة مقارنة بعام 2010، مُعيداً مستوى التنمية إلى منتصف التسعينيات، فيما تُقدَّر تكلفة إعادة الإعمار بنحو مئتَين وستة عشر مليار دولار أي عشرة أضعاف الناتج الحالي، ويعيش نحو تسعين بالمئة من السكان تحت خط الفقر. وقد شكّل القرار الأمريكي برفع العقوبات الصادر في يونيو 2025 والنافذ في يوليو ذاته نقطة تحول سياسية واقتصادية، تبعه تخفيف أوروبي وبريطاني لغالبية العقوبات الاقتصادية العامة لا سيما في قطاعات الطاقة والنقل.

وقد أبدت دول الخليج اهتماماً استثمارياً كبيراً، مُدركةً أن إعادة الإعمار تشمل بالضرورة مناطق الشمال الشرقي الغنية بالنفط والزراعة إذا ما أُعيد دمجها تحت سلطة دمشق، مما يخلق حافزاً خليجياً إضافياً لدفع مسار الاندماج إلى الأمام. ومن أبرز التطورات أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا حثّت كلاً من دمشق وقسد على تنفيذ اتفاق مارس 2025 قبل نهاية العام في تدخّل أوروبي مباشر يعكس قراءةً مفادها أن فشل دمج قسد لا يهدد استقرار الشمال الشرقي فحسب، بل يهدد مسار الانتقال السياسي برمّته لا سيما مع تأثيره على ملف عودة اللاجئين السوريين من أوروبا.

غير أن التقارير الدولية تحذر من أن رفع العقوبات وحده لا يكفي لإطلاق عجلة التعافي؛ إذ يبقى ضعف البنية التحتية المالية والقانونية ومخاطر الفساد وتفاوت الاستفادة بين المناطق عوائق حقيقية أمام الاستثمار. والمعضلة الأعمق أن الموارد النفطية في الشمال الشرقي تظل ورقة تفاوضية بيد قسد طالما لم تُحسم معادلة الاندماج نهائياً؛ وحين أعلن وزير الاقتصاد السوري أمله في التوصل إلى اتفاق في غضون أسابيع، كان يقر عملياً بأن قسد تمتلك ورقة فيتو اقتصادية فعلية، فبدون تدفق عائدات الشمال الشرقي إلى الخزينة المركزية يبقى أي مشروع إعادة إعمار وطني منقوصاً بنيوياً بصرف النظر عن حجم التمويل الخليجي والغربي المتوفر.

ويزيد على ذلك أن الشراكة مع الغرب والخليج تجعل من مصير قسد بنداً غير معلن في كل المفاوضات حول الشرعية والتمويل والاعتراف الدولي؛ فالقرار الأمريكي بشروطه الضمنية حول التعاون الأمني، والاشتراطات الأوروبية المتعلقة بحقوق الإنسان ومسار اللاجئين، والحوافز الاستثمارية الخليجية المربوطة بإعادة الاندماج، كلها خيوط تتقاطع في عقدة واحدة هي الملف الكردي بما يحمله من ثقل.

عند تفكيك المعادلة السورية بأكملها، يتبيّن أن الملف الكردي ليس قضية جانبية بين قضايا أخرى، بل هو العقدة التي تتقاطع فيها كل الخيوط؛ فالانسحاب الروسي الجزئي خلق فراغاً أمنياً في الشرق تستفيد منه الأطراف الراغبة في تأجيل الحسم، والتمدد التركي يستخدم الملف ذريعةً دائمة للتدخل وفرض اتفاقيات تقيد السيادة السورية تحت غطاء محاربة الإرهاب، والتوسع الإسرائيلي ينهك مؤسسات الدولة الوليدة قبل أن تترسخ، بينما تربط واشنطن والخليج وأوروبا شرعيتها الاقتصادية بمآلات هذا الملف.

وفي النهاية، يكشف مسار الاندماج المتعثر بين دمشق وقسد، رغم ما أُنجز منه بموجب اتفاق يناير 2026، أن المشكلة لا تكمن فقط في توازن القوى العسكري الذي تغير بشكل دراماتيكي، بل في غياب رؤية دستورية واضحة لشكل الدولة يستوعب التعدد القومي السوري دون اختزاله في صيغة اندماج فردي تفرغ اللامركزية من محتواها، أو في صيغة "خصوصية" مُبهمة تُبقي على بنية شبه منفصلة تهدد وحدة القرار السيادي. وما لم تُحسم هذه الرؤية دستورياً وليس ميدانياً فحسب، ستظل توازنات سوريا هشةً بامتياز.

قد يهمك