بث تجريبي

أحمد شيخو يكتب: شنكال.. التمكين الذاتي ضمانةٌ لعدم تكرار الإبادة

تستحضر الذاكرة الكردية والإنسانية، ببالغ الأسى والألم، الذكرى الثانية عشرة لأحد أكثر الفصول دموية وأشدها قسوة في التاريخ المعاصر؛ فاجعة شنكال (سنجار) التي تعرض لها المجتمع الكردي الإيزيدي في الثالث من أغسطس/آب عام 2014.

إن هذه الذكرى السنوية ليست مجرد محطة لتجديد الحزن والترحم على أرواح الضحايا، بل هي مناسبة مأساوية توجب علينا، كباحثين وأكاديميين وسياسيين، إخضاع تلك الكارثة للتحليل العلمي والسياسي الشامل، وتفكيك سياقاتها الميدانية والإقليمية، وصياغة معالم رؤية استراتيجية تضمن عدم تكرار مثل هذه الفجائع المستمرة في تاريخ الشرق الأوسط.

لم تكن فاجعة شنكال حدثًا أمنيًا طارئًا أو عرضًا جانبيًا من أعراض الاضطراب السياسي والأمني الذي شهده العراق عقب تمدد تنظيم "داعش" الإرهابي، بل كانت عملية إبادة جماعية (Genocide) مكتملة الأركان وفق المادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية لعام 1948.

لقد استهدفت المخططات الإرهابية، وبدعم وتغاضٍ من أطراف إقليمية ومحلية، اقتلاع مكون أصيل من جذوره التاريخية الممتدة لآلاف السنين، ومحو هويته الدينية والثقافية الفريدة، وإحداث تغيير ديموغرافي وجغرافي في قلب الجغرافيا الكردية.

أولًا: الأبعاد الميدانية والإنسانية للتراجيديا الإيزيدية

إن قراءة حجم الجريمة تستدعي العودة إلى الأرقام والتقارير التوثيقية التي سجلتها المنظمات الدولية والأكاديمية، والتي تعكس عمق المأساة الإنسانية التي حلت بالإيزيديين خلال أيام معدودات.

المجازر البشرية:

شهدت القرى والبلدات الإيزيدية في شنكال عمليات إعدام ميدانية جماعية، حيث قُتل واختُطف عشرات الآلاف من أبناء المجتمع، ودُفن العديد منهم في مقابر جماعية لا يزال بعضها غير مكتشف حتى اليوم.

الاستعباد الجسدي والنفسي:

ارتكب تنظيم "داعش" واحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث عبر أسر وسبي أكثر من 5 آلاف امرأة وفتاة إيزيدية، وسوقهن إلى أسواق النخاسة والعبودية الجنسية في العراق وسوريا، في محاولة ممنهجة لكسر البنية الاجتماعية والنفسية لهذا المجتمع.

التهجير القسري والحصار:

أُجبر أكثر من 450 ألف إنسان على الفرار من منازلهم تحت وطأة السلاح والقصف، ولجأ معظمهم إلى جبل شنكال، حيث حوصروا في ظروف مناخية وإنسانية قاسية تسببت في وفاة مئات الأطفال وكبار السن بسبب الجوع والعطش.

ثانيًا: الانكشاف الأمني والتحول الميداني التاريخي

لا يمكن قراءة إبادة شنكال بمعزل عن الهشاشة الأمنية والسياسية التي كانت سائدة آنذاك. فقد شكّل الانسحاب المفاجئ وغير المبرر للقوات الأمنية والتنظيمات المحلية التي كان يُفترض بها حماية المنطقة صدمة تاريخية للمجتمع الإيزيدي، حيث تُرك الأهالي في مواجهة آلة القتل التابعة لتنظيم "داعش" بأسلحتهم الفردية البسيطة ودون غطاء جوي أو دعم تسليحي كافٍ.

«الشهيد القائد عكيد جفيان»

وفي تلك اللحظة الفارقة من تاريخ المنطقة، وأمام خطر الإبادة الشاملة التي كادت أن تقضي على الوجود الإيزيدي، جاء التحول الميداني عبر التدخل المباشر لقوات الكريلا التابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK)، بالتنسيق والتلاحم الميداني مع وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة (YPG/YPJ).

وانطلقت هذه القوات من جبال كردستان ومناطق شمال وشرق سوريا (روج آفا)، ونفذت عملية لكسر الحصار عن جبل شنكال، وقدّم العديد من المقاتلين والمقاتلات تضحيات كبيرة خلال تلك العمليات، ما ساهم في فتح ممر آمن لإنقاذ المدنيين المحاصرين ونقلهم إلى مناطق أكثر أمانًا.

ويرى الكاتب أن هذا الموقف لم يكن مجرد واقعة عسكرية، بل شكل صورة من صور التضامن القومي والإنساني التي ساهمت في منع وقوع كارثة أكبر بحق المجتمع الإيزيدي.

ثالثًا: الشروط الاستراتيجية لعدم التكرار 

إن أقصى درجات الوفاء لشهداء شنكال وللمعاناة التي عاشتها النساء الناجيات تتمثل في الانتقال من مربع الاستذكار والخطابات العاطفية إلى مربع الفعل السياسي والقانوني والمؤسساتي.

العدالة الانتقالية والمحاسبة القانونية

إن غياب العدالة يشجع على ارتكاب الجرائم ضد الإنسانية. لذلك يجب العمل على ملاحقة جميع العناصر والقيادات التي تورطت أو شاركت أو دعمت تنظيم "داعش" في الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين، وتقديمهم إلى المحاكم المختصة، سواء محليًا أو دوليًا.

كما أن إنهاء حالة الإفلات من العقاب يمثل، بحسب الكاتب، خطوة أساسية لترميم الجراح وتحقيق الاستقرار المجتمعي.

الاعتراف الدولي الرسمي بالإبادة الجماعية

رغم صدور قرارات واعترافات من جهات دولية وبرلمانات متعددة تعتبر ما حدث في شنكال إبادة جماعية، فإن الكاتب يرى أن المطلوب هو تحويل هذا الاعتراف إلى إطار رسمي شامل ضمن المؤسسات الدولية، وما يترتب عليه من التزامات قانونية وأخلاقية.

ويشمل ذلك دعم إعادة إعمار شنكال، وتأهيل بنيتها التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وإنشاء برامج لدعم المتضررين وعودة النازحين.

الإدارة الذاتية والحماية الدستورية

يرى الكاتب أن التجربة الأمنية والتاريخية أثبتت أن الترتيبات المفروضة من الخارج على المناطق الهشة أمنيًا لا توفر ضمانات حقيقية عند الأزمات.

وبناءً عليه، يؤكد أن تمكين الإيزيديين من إدارة منطقتهم وحمايتها ذاتيًا يمثل ضمانة أساسية لمنع تكرار الإبادة، من خلال بناء مؤسسات أمنية وإدارية من أبناء المنطقة أنفسهم، ضمن إطار قانوني ودستوري في العراق.

رابعًا: عودة النازحين وإنهاء ملف المختطفين

إن استمرار وجود أعداد كبيرة من الإيزيديين في مخيمات النزوح بعد مرور 12 عامًا على الكارثة يمثل، بحسب الكاتب، أزمة إنسانية مستمرة، ويجعل من إعادة النازحين إلى ديارهم بشكل آمن وكريم أولوية أساسية.

كما يؤكد ضرورة استمرار الجهود الاستخباراتية والدبلوماسية للكشف عن مصير آلاف النساء والأطفال الذين ما زالوا مفقودين أو مختطفين، والعمل على تحريرهم وتأهيلهم نفسيًا واجتماعيًا وإعادة دمجهم في مجتمعهم.

ختامًا

ستبقى شنكال جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الجمعية للشعب الكردي والإنسانية جمعاء، واختبارًا حقيقيًا لمدى جدية المجتمع الدولي في تطبيق شعار "لن تتكرر أبدًا".

إن احترام دماء الضحايا وتكريم معاناة الناجين لا يتحقق بالوعود والخطابات، بل عبر إجراءات سياسية وقانونية وأمنية تضمن للإيزيديين حقهم في العيش بكرامة وأمان على أرضهم، ضمن منظومة تحميهم من الإرهاب وتقلبات الصراعات.

المجد والخلود لشهداء شنكال، والحرية لكافة المختطفات والمختطفين.

قد يهمك