بث تجريبي

بدون إحراج.. سيد أبو اليزيد يكتب: إنصاف تاريخي

مع بدء العام الدراسي الجديد، واعتماد تدريس اللغة الكردية رسميًا ضمن المنظومة التعليمية الحكومية للعام الدراسي (2026–2027) لأول مرة في تاريخ سوريا، تنفيذًا للمرسوم الرئاسي رقم (13) لعام 2026 والقرارات التنفيذية الصادرة عن وزارة التربية بإدراج مادة اللغة الكردية، وتكليف المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد مناهج خاصة بها، لتُدرّس بمعدل ثلاث حصص أسبوعيًا في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق التي يشكّل الكرد فيها نسبة ملحوظة.

وفي الوقت الذي تُترجم فيه بعض المواد، كالتاريخ والجغرافيا والفلسفة، إلى اللغة الكردية وفق المناهج المعتمدة، تتجه وزارة التربية لاستقطاب وتوظيف مدرسين من خريجي الجامعات والمعاهد والمتقنين للغة الكردية، بعد خضوعهم لاختبارات كفاءة لغوية وتأهيل تربوي. بالإضافة إلى ذلك، يجري العمل في مناطق شمال وشرق سوريا بمنهاج انتقالي يدمج بين تدريس المنهاج الحكومي الموحد باللغة العربية وتدريس اللغة الكردية، تمهيدًا للوصول إلى منهاج وطني شامل وموحد في جميع المحافظات.

يُمثل هذا الإجراء خطوة إنصاف تاريخية وتعزيزًا للعدالة الاجتماعية والتنوع الثقافي؛ إذ إن استخدام اللغة الأم حق إنساني وثقافي يجب أن تكفله المواطنة الكاملة ودستور الدولة، لا سيما أن الاعتراف بالحقوق الثقافية يزيل أسباب الاحتقان ويعزز الانتماء الوطني والعيش المشترك، كما ينعكس التعدد اللغوي إيجابًا على إثراء المنظومة التعليمية والانفتاح الثقافي. لكن، ورغم هذه الخطوات الجيدة، فإنها تبقى غير كافية؛ لأن المناطق الكردية ونظامها التعليمي كانا يعتمدان التدريس باللغة الكردية بشكل كامل إلى جانب اللغة العربية، والآن يطالب الكرد بعدم تقليص مساحة لغتهم؛ لأنها تمثل وجودهم وهويتهم وخصوصيتهم التي يجب أن تُحترم.

                                               الكاتب الصحفي سيد أبواليزيد

ورغم وجود بعض الأصوات القومية والعنصرية التي تتعلل بوحدة الدولة والشعب، فإن الجميع يعلم أن الانتماء والولاء يقويان بإحساس كل مواطن ومكوّن بأن الدولة تحميه وتحفظ حقوقه الثقافية والسياسية. إن التعدد اللغوي حالة صحية، وليس كما يروّج له بعض بقايا البعث وداعش بأنه تقسيم أو تهديد. ومن الطبيعي في بلد يمتلك تنوعًا لغويًا أن يُصان هذا التعدد ويُجعل أساسًا لبناء الوحدة والتلاحم والتضامن الوطني.

ولكن ينبغي إدراك أن الإطار القانوني الحالي فيه تباينات غير موفقة؛ فهو يفرّق بين تصنيف الكردية كـ"لغة وطنية" (مما يضمن حق تعلمها وحمايتها وتطوير ثقافة ولغة)، وبين كون اللغة العربية هي "اللغة الرسمية" الأولى والوحيدة في المعاملات الإدارية والقانونية بأنحاء سوريا، وهنا يطالب الجانب الكردي بأن تكون لغتهم لغة رسمية وليست وطنية أو تعليمية فقط.

وقد قُطعت في الفترة الأخيرة خطوات مهمة ومفيدة لجهة اعتراف الحكومة السورية بشهادات الإدارة الذاتية والمنظومة التعليمية التي كانت سائدة أيام الإدارة الذاتية وقسد. كما أنه من الأهمية بمكان الإسراع بتشكيل لجنة لغوية متخصصة بهيئة علمية استشارية ضمن المركز الوطني لتطوير المناهج، تضم خبراء ولغويين كردًا لإعداد منهج موحد يعتمد اللهجة الكرمانجية بالحروف اللاتينية المعتمدة رسميًا، والبدء بتطبيق منهج اللغة الكردية كلغة وطنية ورسمية وتعليمية.

ومن المتوقع إطلاق برامج التأهيل السريع والدورات التدريبية المكثفة لإعداد الكوادر التربوية لتدريس المواد الكردية بالتعاون مع الجامعات السورية (ومنها جامعة حلب) والمراكز الأكاديمية المتخصصة، والاستعانة بالخبرات المحلية عبر اعتماد المعلمين والمدربين الذين عملوا سابقًا في المؤسسات التعليمية المحلية بشرق سوريا، بعد إجراء اختبارات كفاءة معيارية لدمجهم في ملاك وزارة التربية.

ومن المنطقي للحفاظ على استقرار اللغة الكردية التوجه نحو الاعتراف بجامعتي (روج آفا) و(كوباني)، وإيجاد أقسام جامعية متخصصة في اللغة الكردية وآدابها داخل الكليات والمعاهد، رفدًا للقطاعين التعليمي والإعلامي بكوادر ذات مؤهلات أكاديمية مستدامة، خاصة مع إدراج اللغة الكردية ضمن اللغات المعتمدة في بعض منصات الإعلام الرسمي كوكالة الأنباء السورية (سانا)، والاستفادة من دعم منظمة اليونسكو والمنظمات المعنية بحماية التنوع اللغوي للحصول على التمويل اللوجستي وتوفير الوسائل التعليمية الحديثة.

قد يهمك