ليس حبّي للكُرد نزوةً عاطفيةً عابرةً، ولا موقفًا سياسيًا ظرفيًا، ولا لأني أعيش معهم منذ عشرات الأعوام في كركوك، بل هو إحساس تشكّل عبر المعرفة والاحتكاك والتأمل في تجربة شعبٍ عرف كيف يحوّل الجرح إلى معنى، والمأساة إلى طاقة حياة، والقسوة التاريخية إلى إصرارٍ على الوجود.
أحبّ الكُرد لأنهم شعب لم يتخلَّ عن ذاته رغم كل محاولات المحو. تعرّضوا للتقسيم الجغرافي، والخذلان الدولي، وسياسات الإنكار، لكنهم ظلّوا يحتفظون بلغتهم، وأغانيهم، وأساطيرهم، وطقوسهم، وكأنهم يقولون للتاريخ: يمكنكم كسر أجسادنا، لكنكم لن تمسّوا روحنا. هذه القدرة النادرة على الصمود الثقافي قبل السياسي هي أول ما يلفتني في التجربة الكردية.
وأحبّهم لأن علاقتهم بالأرض ليست علاقة ملكية، بل علاقة انتماء وجودي. الجبال عندهم ليست تضاريس فحسب، بل ذاكرة وحصن وملاذ أخلاقي. حين يقولون إن «الجبال أصدقاء الكُرد»، فإنهم لا يطلقون استعارةً شعريةً، بل يعبّرون عن فلسفة حياة: الطبيعة حليفة المظلوم، والارتفاع عن الوحل شرطٌ للحرية. في هذا الالتحام بين الإنسان والمكان شيء يذكّرني بالشعوب التي لم تفقد بعدُ معناها البدئي.
أحبّ الكُرد لأنهم، رغم تاريخ الدم، لم يتحوّلوا إلى دعاة كراهية. في تجربتهم السياسية المعاصرة، وخصوصًا في إقليم كردستان العراق، نرى ميلًا واضحًا إلى التعايش، وإدارة الاختلاف، وبناء نموذج مدني نسبي في محيط تمزّقه الطائفية والعصبيات. ليس النموذج مثاليًا، لكنه يشي بعقلٍ براغماتي يدرك أن المستقبل لا يُبنى بالثأر، بل بالعقل والمؤسسات.
وأحبّ الكُرد لأن ثقافتهم غنية بالدراما الإنسانية. أغانيهم، حكاياتهم الشعبية، شعرهم الملحمي، وحتى رقصاتهم الجماعية، تحمل مزيجًا فريدًا من الفرح الحزين والحزن المقاوم. إنهم شعب يعرف كيف يرقص وهو ينظر في عين المأساة، وكيف يغنّي لا لينسى، بل ليتذكّر بطريقة أقل قسوة. هذه الحساسية الجمالية العالية تجعل من الثقافة الكردية ثقافة إنسانية بامتياز.
ثم أحبّهم لأن قضيتهم عادلة. ليس في عدالة قضيتهم ادّعاء تفوّق، ولا نزعة إلغاء للآخر، بل مطلب بسيط وعميق في آن: أن يُعترف بهم كما هم، وأن يُمنحوا حقهم في تقرير مصيرهم، وفي العيش بكرامة على أرضهم. كل شعب يُحرم من اسمه، ومن لغته، ومن حقه في الحلم، هو شعب يستحق التضامن لا الشفقة.
وأخيرًا، أحبّ الكُرد لأنهم يذكّرونني بحقيقة كثيرًا ما ننساها: أن الإنسانية لا تُقاس بالقوة، بل بالقدرة على البقاء إنسانًا وسط ظروف لا إنسانية. في التجربة الكردية درسٌ أخلاقي قبل أن يكون درسًا سياسيًا؛ درس يقول إن الشعوب التي تحب الحياة بعمق، حتى وهي تنزف، هي الشعوب التي تستحق الاحترام والحب.
لهذه الأسباب، وربما لأسباب أخرى لا تُقال بالكلمات، أحبّ الكُرد. أحبّهم لأنهم يشبهون فكرة الإنسان حين يرفض أن يُهزم من الداخل.