تصعيد خطير وصلت إليه الحرب بين روسيا وأوكرانيا مع تكثيف الدولتان هجماتهما الجوية بعيدة المدى في ظلّ أنظمة دفاع جوي مرهقة. حيث تركز روسيا على قضم الأرض وتدمير البنية التحتية الحيوية وزعزعة الروح المعنوية الأوكرانية، بينما تستهدف أوكرانيا المؤسسات الاقتصادية والصناعية الروسية، غير عابئة بما تعانيه من نقص حاد في الصواريخ الاعتراضية التي يُزوّدها بها حلفاؤها الغربيون.
وفيما باتت موسكو تسيطر على خُمس مساحة أوكرانيا، بما في ذلك شبه جزيرة قرم وإقليم دونباس، بالإضافة إلى أجزاء من زابوريجيا وخيرسون.. نجحت كييف في اختراق منظومات الدفاع الجوي الروسي والوصول إلى نقاط في سيبيريا وأقصى الشمال والشرق الروسي، مستهدفة منشآت حيوية على بعد 2,500 إلى 3,000 كم، كمصفاة أومسك في سيبيريا، ومستودعات يكاترينبورغ على بعد أكثر من 2,000 كم في قلب جبال الأورال، وقاعدة أولينيا الجوية على بعد 2,000 كم في شبه جزيرة كولا بقلب مستنقعات القطب الشمالي الروسي، والتي تعتبر القاعدة الأساسية للقاذفات الإستراتيجية الروسية.
حرب استنزاف وتكسير عظم
على مدار سنوات الصراع الشامل الأخير بين البلدين والممتد منذ الرابع والعشرين من شباط 2022، عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن إطلاق "عملية عسكرية خاصة" ضد أوكرانيا؛ شنت كل من روسيا وأوكرانيا حملات جوية مكثفة استهدفت قطاعات استراتيجية محددة بهدف إضعاف القدرات الدفاعية والاقتصادية للطرف الآخر.
حيث اعتمدت روسيا بشكل كبير على صواريخ كروز والصواريخ الباليستية وطائرات "شاهد" الإيرانية لتنفيذ حملة عقابية منهجية على البنية التحتية الأوكرانية. مستهدفة محطات الطاقة الحرارية والمائية مثل سدي كاخوفكا وكاراتشون، والمصانع العسكرية التي تُصنّع الصواريخ الأوكرانية "فلامنغو" ومكونات الطائرات المسيرة في كييف. والبنية التحتية للموانئ ومحطات الحبوب وتحديداً في أوديسا، ومحطات وخطوط السكك الحديدية بشكل متكرر لتأخير وصول المساعدات العسكرية الغربية وإعاقة تحرك القوات، ومستودعات الوقود ومستودعات بضائع التجزئة مثل مستودعات "فورا" و"روشين" و"كومفي".
فضلا عن استهداف مراكز إطلاق صواريخ الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، وصولاً إلى المواقع الثقافية والرمزية. ووفقاً لتقارير "اليونسكو"، تسببت الهجمات الروسية في إلحاق أضرار أو تدمير أكثر من 4500 موقع ثقافي. حيث تم استهداف سوق "بوتشاينا" للكتب في كييف ومستودعات "رانوك"، وسلسلة "كنيجولاند" ومطبعة "فاكتور دروك" في خاركيف. بالإضافة إلى المكتبات والمتاحف والمعالم الأثرية مثل مكتبة الأطفال الإقليمية الشهيرة في تشيرنيهيف. كذلك متحف خاركيف للفنون، ومتحف رومان شوخيفيتش في لفيف، وكاتدرائية التجلي التاريخية في أوديسا.
ومن جهتها، وجهت أوكرانيا ضربات قوية لتعطيل قطاعات رئيسية في روسيا مثل قطاع الطاقة والتصنيع الحربي. حيث استهدفت مصنع "نورسي" التابع لشركة "لوك أويل" في كستوفو، ومصفاتي أفيبسكي كيريشي. كذلك دمرت جسر مضيق كيرتش لقطع الإمدادات عن الجبهات. كما استهدفت قواعد جوية تضم قاذفات استراتيجية وطائرات هجومية في عمق الأراضي الروسية. بالإضافة إلى قصف مصانع ذخائر حيوية، بما في ذلك مصنع "تامبوف" للبارود ومصنع "بريانسك" للكيماويات ومصنع كازان للطائرات. فضلا عن استهداف وإغراق أكثر من اثنتي عشرة سفينة حربية في البحر الأسود وبحر آزوف.
لا حرب غير قذرة
الحرب الروسية الأوكرانية كغيرها من الحروب عبر التاريخ لا يمكن وصفها إلا بـ"القذرة" حيث يتحول كلا الجانبين من التركيز على الأهداف العسكرية البحتة إلى محاولة زعزعة أسس بعضهما الاقتصادية ومعنوياتهما السياسية بتوجيه ضربات مؤلمة "تحت الحزام" يسقط جرّاءَها مدنيون، وتتلوث البئية، وتندلع أزمات نزوح ولجوء وجوع.
فمع استنفاد أوكرانيا مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية، ضاعف الجيش روسي من وابل الصواريخ الباليستية الضخمة والطائرات المسيّرة النفاثة لاختراق ما تبقى من الدفاعات الأوكرانية المتعددة الطبقات. مما أدى إلى تدمير البنية التحتية المدنية الأوكرانية، ومراكز الخدمات اللوجستية المدنية ومخازن الغذاء والدواء.
ومن جهتها، نجحت أوكرانيا في تحقيق توازن استراتيجي من خلال توجيه ضربات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى وصلت إلى عمق 2500 كيلومتر داخل الأراضي الروسية. وهذه الضربات شلّت قطاع الطاقة المحلي، وأشعلت أزمة وقود داخلية غير مسبوقة اكتوى بنارها المواطن الروسي ودفع ثمنها من حياته وصحته.
التدخل الأمريكي
التدخل الأمريكي في الحرب الروسية الأوكرانية معروف ومشهود منذ اللحظة الأولى. بل إنني قلت سابقاً إن هذه الحرب أعلنها الرئيس جون بايدين قبل أن تبدأ بثلاثة أشهر. حين كشف عن النوايا الروسية، وأن موسكو بصدد شن حرب شاملة على كييف، في الوقت الذي كان الكرملين يكذّب هذه التصريحات ويستغربها!.
لكن اليوم، تستشعر واشنطن خطرًا محدقًا من التصعيدات الخطيرة من الطرفين، لذلك زار مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، موسكو يوم الثلاثاء الفائت 25 أغسطس لثماني ساعات التقى خلالها رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، سيرغي ناريشكين، ومدير جهاز الأمن الفيدرالي، ألكسندر بورتنيكوف.
حيث اقترح راتكليف عقد قمة ثلاثية تجمع دونالد ترامب وفلاديمير بوتين وفولوديمير زيلينسكي بهدف تحقيق اختراق دبلوماسي لإنهاء الحرب المتوقفة مفاوضاتها منذ مطلع العام الجاري. كما قدم تقييمًا "قاتمًا" لحرب الاستنزاف الدائرة حاليًا. وحثّ الكرملين على قبول تسوية سياسية قبل أن يتدهور الموقف الميداني والاقتصادي لروسيا أكثر. كما حث على وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الحساسة مع طهران، والتي يمكن استخدامها ضد المصالح الأمريكية وضد الملاحة التجارية في ظل الحرب الأمريكية-الإيرانية المستعرة في الخليج العربي. كما وجه "تحذيراً صارماً" لموسكو من مغبة شن هجمات تصعيدية سيبرانية أو هجينة تستهدف دول البلطيق أو الناتو.
السيناريوهات القادمة المتوقعة
مع بقاء الحال على ما هو عليه، ورفض موسكو للوساطة الأمريكية، واستمرار أوروبا والناتو بدعم كييف.. فإن موسكو ومن خلال استمرار تصعيدها؛ بل وتكثيف تصعيدها في أوكرانيا؛ قد تنجح في خلق أكبر أزمة إنسانية في أوكرانيا على الإطلاق، وستجبر كييف وحلفاءَها على إعادة حساباتهم. لكن هذا لن يمنع من تصعيد مقابل محتمل لا يقل خطورة وجسامة على الروس.
وفضلا عن سيناريوهات التصعيد والتصعيد المقابل، بما في ذلك تنفيذ تهديدات روسيا لبريطانيا.. هناك سيناريو استمرار حرب الاستنزاف المطولة وبقاء محادثات السلام متعثرة ومتعذرة. حيث إن كلا القيادتين في موسكو وكييف تعتقدان أنهما لا تزالان قادرتين على توجيه ضربة قاضية للطرف الآخر، وأن التوصل إلى اتفاق سلام عبر التفاوض وصل إلى "انسداد". كما تعتقدان أن التصعيد سيسرع الحسم وإنهاء هذه الحرب.
وهذا يعني أننا سنتفرج، حتى نهاية هذا العام، على المزيد من أسراب الطائرات المسيّرة. وعلى المزيد من المواقع الاستراتيجية المدمرة، وسنتعرف على خرائط جديدة للسيطرة والنفوذ، وسنكون شهداء على إزهاق المزيد من الأرواح.
من زوايا العالم