مع تحولات الحروب والتغيرات الجيوسياسية الأخيرة في الشرق الأوسط، وإقدام المنطقة على تبدلات وترتيبات وملامح جديدة، شكلت سوريا بعد 8 ديسمبر إحدى أهم المحطات للوصول إلى إعادة هيكلة شاملة لأهم خطوط التماس والنفوذ في المنطقة. فقد أسفر انهيار المنظومة الأمنية السابقة والتغير الكلي في بنية السلطة بدمشق عن تداعيات عميقة تجاوزت الشأن الداخلي لتطال الهندسة الإقليمية بأسرها، وخلال عقود طويلة، كان لسوريا تموضع سياسي إقليمي معروف، حيث شكلت الجغرافيا السورية ركيزة مهمة لما كان يُعرف بـ"محور المقاومة"، وحلقة الوصل اللوجستية والعسكرية بين حلقات هذا المحور.
اليوم، تقف المنطقة أمام واقع جيوسياسي جديد، حيث تبدلت موازين القوى وانتقلت دمشق من موقعها واستراتيجيتها السابقة إلى مرحلة "سوريا الجديدة" و"السلطة الانتقالية"، التي تسعى جاهدة لنيل المشروعية الدولية، وتفكيك أزماتها الاقتصادية والمؤسسية المركبة وتثبيت أركانها، إن هذا التغير البنيوي والهيكلي في خريطة النفوذ يفرض إعادة قراءة دقيقة لأداء الإدارة السورية الجديدة في تعاطيها مع تحديات السيادة الوطنية، لا سيما أمام التجاوزات الميدانية الإسرائيلية، وفي ظل إعادة صياغة تموضعها الإقليمي والدولي وتأثير كل ذلك على المستقبل المباشر للقضية الفلسطينية.
لا يمكن فهم حجم التحول في المعادلة السورية دون تفكيك أثره المركب على الأطراف الإقليمية الرئيسية والمحيط المباشر.
فعلى الصعيد الإسرائيلي، ترى تل أبيب في سقوط النظام السابق وتفكك الهيكل العسكري التقليدي للجيش السوري فرصة استراتيجية غير مسبوقة لإكمال تفكيك "الجبهة الشمالية"؛ حيث قامت إسرائيل بضرب البنية التحتية العسكرية وتدميرها في كامل الجغرافيا السورية، كما أزالت هذه التحولات التهديد اللوجستي المباشر المتمثل في نقل السلاح الدقيق عبر الأراضي السورية، ووفرت لإسرائيل بيئة سياسية وميدانية تتيح لها إعادة رسم قواعد اللعبة الأمنية بحرية أكبر، بعيدًا عن مخاطر حرب الساحات المتعددة.
أما بالنسبة لإيران وحلفائها، تُعد طهران الخاسر الأكبر جراء هذا التحول؛ فقد استثمرت كثيرًا في الأزمة السورية مالًا ورجالًا وكانت سوريا ساحة مركزية لها، إذ أدى انقطاع الشريان الجغرافي السوري إلى عزلة استراتيجية لشركائها المحليين في لبنان والإقليم، وجرد استراتيجية "وحدة الساحات" من مقومها الجغرافي الوحيد الذي كان يربط طهران بشواطئ المتوسط، هذا الانكفاء المباشر تسبب في تفكيك شبكات النفوذ التسليحي والميداني التي بُنيت على مدى عقود.
وفي الساحة اللبنانية، أدى التغير الميداني في دمشق إلى انكماش ملحوظ في هامش المناورة لحزب الله؛ فمع إغلاق الحدود السورية بوجه الإمدادات العسكرية، بات الحزب يواجه تكلفة استراتيجية وسياسية عالية داخليًا وإقليميًا، مما انعكس مباشرة على قواعد الاشتباك وتوازنات القوى داخل الساحة اللبنانية التي أضحت أكثر انكشافًا أمام الضغوط الخارجية، وحتى لو حاول الحزب بالتنسيق مع طهران فتح مسارات إمداد جزئية عبر تفاهمات مع أنقرة، فإن ذلك سينطوي على أثمان وتكاليف سياسية ومالية باهظة للغاية.
وعلى مستوى القضية الفلسطينية، انعكست التحولات السورية بالسلب على آليات الدعم اللوجستي والميداني المباشر للفصائل المسلحة، فالساحة السورية، التي طالما وفرت ملاذًا سياسيًا ومعسكرات تدريب وبيئة إسناد عسكري، أُغلقت عمليًا أمام هذه الأنشطة. وانتقلت التغطية الرسمية بدمشق من "التبني العسكري والعملياتي" إلى "الموقف السياسي والدبلوماسي"، متسقة بذلك مع المقاربات العربية العامة التي تجعل من الحلول التفاوضية والشرعية الدولية مرجعيتها الأساسية، وهي المواقف التي يرى كثيرون أنها لا تسمن ولا تغني من جوع في مواجهة التحديات الميدانية والواقع المباشر على الأرض.
تطرح السياسة المتبعة من قبل الحكومة السورية الانتقالية تجاه التحركات والانتهاكات الإسرائيلية المتزايدة في الجنوب السوري إشكالات عميقة ومثيرة للجدل في أوساط المحللين السياسيين والعسكريين. فمنذ حدوث التغير السياسي بدمشق، بادرت إسرائيل إلى اتخاذ خطوات أحادية الجانب تمثلت في التوغل الميداني في مناطق القنيطرة وجبل الشيخ وريف درعا، وفرض قيود جديدة وتجريف أراضٍ وإقامة نقاط مراقبة داخل العمق السوري، في إشارة صريحة لإلغاء مفاعيل اتفاقية "فض الاشتباك" لعام 1974، ناهيك عما يتردد في الكواليس حول تسويات أو اتفاق أمني غير واضح المعالم من حيث أولويات السيادة الوطنية السورية.
وفي مقابل هذا الاحتلال والتجاوزات المباشرة، اتسم موقف الحكومة الانتقالية بـ"ضبط النفس المفرط" والاكتفاء بالاحتجاج الدبلوماسي والمطالبات الكلامية الموجهة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وبينما تُبرر الإدارة الانتقالية هذا السلوك بضرورة ترتيب البيت الداخلي ورفض الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة قد تعطل إعادة بناء مؤسسات الدولة والتعافي الاقتصادي، يرى نقاد ومراقبون في هذه الاستراتيجية نقاط ضعف جوهرية؛ إذ أدت هشاشة الجبهة الداخلية ومحاولات الاستفراد بالسلطة إلى إضعاف الموقف السوري ذاتيًا وعجزه عن بناء تماسك وطني يواجه الضغط الإسرائيلي المتصاعد.
وينعكس هذا الضعف جليًا في غياب استراتيجية ردع واضحة تُحدد خطوطًا حمراء لمنع تثبيت واقع أمني جديد على الأرض، إلى جانب الاتكال المفرط على ضمانات الوسطاء والقوى الإقليمية والدولية الحليفة مما يقلص استقلالية القرار السيادي، فضلاً عن تراجع أوراق القوة الوطنية بعد تفكيك شبكات الردع المحلية دون بناء بدائل دفاعية تكافؤية، الأمر الذي جعل الجنوب السوري ساحة مفتوحة للتفاهمات الخارجية والاستفراد الإسرائيلي.
تُعد قضية حجم التقارب والاعتماد الشديد على أطراف إقليمية ودولية غير عربية -وفي مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا وبعض الفاعلين الأوروبيين- من أبرز الملاحظات التي تُثار حول أداء السلطة الانتقالية في دمشق. ولا شك أن هذا الاقتراب يُفسَّر في سياق رغبة دمشق في رفع العقوبات الاقتصادية، وجلب أموال إعادة الإعمار، ونيل الاعتراف والشرعية الدولية اللازمة لاستقرار الحكم، غير أن الثمن السياسي المقابل لهذه الرعاية يلقي بظلاله الثقيلة على مسار القرار الوطني.
في هذا السياق، تجد الحكومة الانتقالية نفسها مطاردة بالاشتراطات الأمنية والسياسية المقترنة بالدعم الغربي والتركي، والتي تتضمن التكيف مع الترتيبات الأجنبية كضمان التهدئة التامة مع إسرائيل، وتفكيك بنية التواجد الفلسطيني المسلح، والاندماج في شبكات أمنية إقليمية تُشرف عليها واشنطن وترعاها أنقرة. كما أدى هذا الارتهان لتفاهمات "أنقرة-واشنطن" إلى إضعاف البعد العربي وتقليص فاعلية المبادرات العربية الشاملة، مما جعل من سوريا ساحة لتمرير مخططات جيوسياسية لقوى خارجية لا تتطابق أولوياتها بالضرورة مع المصلحة العربية العليا أو الحقوق السيادية السورية.
وينتهي هذا المسار بمقايضة خطيرة للسيادة بالشرعية، حيث تتزايد المخاوف من تحول الموقف السوري الرسمي من موقع "الشريك" في المعادلة الإقليمية إلى موقع "المنفذ" لترتيبات تُحاك في العواصم الخارجية، يُضحّى فيها بأوراق القوة الإقليمية والملفات التاريخية مقابل ضمان الاستمرار السياسي والحماية الاقتصادية.
طوال عقود، شكلت القضية الفلسطينية حجر الزاوية في العقيدة السياسية والأمنية والإعلامية لدمشق، حيث وظفتها السلطة السابقة كأداة لاكتساب المشروعية الداخلية والعربية، وكورقة ضغط استراتيجية في التجاذبات الإقليمية؛ وهو توظيفٌ -رغم مكاسبه الرمزية- حول سوريا إلى ساحة للحروب بالوكالة، وجلب عليها أثمانًا باهظة في أمنها واستقرارها. ومع مجيء الحكومة الانتقالية، شهد الموقف السوري من القضية الفلسطينية تحولاً جذريًا يمكن قراءته من زاويتين متناقضتين.
فمن جهة القراءة الرسمية، ترى الحكومة الجديدة أن التوجه الراهن يعبر عن عقلانية سياسية تقوم على تقديم "المصلحة الوطنية السورية أولاً"، بحيث يتم دعم الحقوق الفلسطينية عبر المؤسسات الدولية والشرعية العربية الموحدة ومبادرة السلام العربية، بعيدًا عن الشعارات الرنانة والاستضافة المسلحة للفصائل التي أضرت بسوريا ولم تنفع فلسطين.
في المقابل، يرى النقاد أن طريقة إدارة هذا الملف تحمل في طياتها تراجعًا غير مبرر عن الثوابت؛ إذ أدى التضييق على القوى الوطنية الفلسطينية، وتجريدها من هوامش الحركة، والانسجام الكامل مع الرؤية الغربية لـ"تجفيف منابع المقاومة"، إلى إفراغ الدور السوري من قيمته الجيوسياسية. وبدلاً من تحسين شروط التفاوض لاستعادة الجولان السوري المحتل، أظهرت السلطة الانتقالية مرونة مجانية قد تُستغل مستقبلاً لإمرار ترتيبات تطبيعية دون مقابل سيادي عادل.
تُشير المعطيات الميدانية والتحركات الدبلوماسية إلى أن سوريا تتجه بخطى حثيثة لتكون جزءًا محوريًا في أي صياغة إقليمية قادمة للمنطقة. لكن السؤال الأساسي يكمن في "طبيعة" هذه التسوية وموقع سوريا فيها: هل ستكون طرفًا فاعلاً يصون حقوقه الوطنية، أم مجرد موضوع تُجرى عليه الترتيبات؟
تتأرجح مآلات الترتيبات الأمنية والاستراتيجية في سوريا القادمة بين مسارين يحددان شكل الدولة وموقعها الإقليمي؛ يتجسد الأول في سيناريو فرض الأمر الواقع والتسوية القسرية، والذي قد ينجم عن استمرار السياسة الانتقالية الحالية القائمة على ردود الفعل الضعيفة أمام التجاوزات الإسرائيلية والاعتماد المطلق على الرعاة الإقليميين والدوليين. وفي حال تحقق هذا المسار، فإن أي تسوية قادمة قد تنتهي بفرض ترتيبات أمنية قسرية تشمل توسيع المناطق منزوعة السلاح في الجنوب السوري، وحظر تواجد القطاعات العسكرية الوطنية بالقرب من الحدود، وتحويل الشريط الحدودي إلى حزام أمني مفرغ من عوامل القوة؛ وهو ما يكرس واقع الاستقطاع في الجولان المحتل، ويحرم دمشق تمامًا من أوراق مطالبها السيادية المستقبلية.
أما المسار الثاني فيتمثل في سيناريو التسوية الشاملة والاندماج المتوازن، والذي يتوقف تحققه على نجاح الإدارة السورية في استعادة عافيتها الوطنية عبر عقد وطني سوري شامل يضمن حقوق كافة المكونات الشعبية ومصالحها الأساسية، ويمهد لمعالجة الأزمات الداخلية بأولويات وطنية جامعة، ولا سيما ملف السويداء ومراعاة الحقوق والمطالب المحقة للمكون الدرزي، إلى جانب استعادة المبادرة في القرار السياسي بالاستناد إلى عمق عربي موازٍ للنفوذ الإقليمي والدولي، ومن شأن هذا التماسك أن يتيح لدمشق الدخول في الترتيبات الإقليمية كطرف أصيل يطالب باستعادة كامل حقوقه السيادية (وفي مقدمتها الجولان المحتل وما أُضيف إليه من أراضٍ بعد أحداث 8 ديسمبر)، مع تقديم نموذج متوازن يربط الاستقرار الإقليمي بالحل العادل للشعب الفلسطيني وفق القرارات الدولية، بعيدًا عن الإملاءات الأمنية الإسرائيلية.
إن التحولات الأخيرة في سوريا قد أعادت بالفعل صياغة "الجبهة الشمالية" للقضية الفلسطينية، ولكن ليس بالاتجاه الذي يخدم أدوات الردع أو يعزز الحقوق الوطنية التاريخية. لقد أدى العجز عن التعاطي الحاسم مع الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة، والاندفاع غير المتوازن نحو الارتهان للمظلات الدولية والإقليمية غير العربية، أضافة إلى عدم وجود جبهة داخلية قوية ومتينة إلى إضعاف الموقف السوري وتجريده من أنيابه الاستراتيجية.
إن بناء "سوريا الجديدة" لا ينبغي أن يتم على حساب أركان السيادة الوطنية أو بالتخلي المجاني عن أدوار دمشق الإقليمية التاريخية، فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإنشاء ترتيبات أمنية أحادية الجانب ترعاها تل أبيب وتضمنها واشنطن وأنقرة، بل عبر استعادة الدولة السورية لسيادتها كاملة على أرضها وقرارها المستقل، وبناء مقاربة وطنية تجمع بين متطلبات التعافي الداخلي والحفاظ على القضايا العربية المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وبدون هذا التوازن، ستظل الجبهة الشمالية عرضة للتجاوزات، وستبقى سوريا مجرد ساحة صراع تعيد القوى الخارجية تشكيلها وفق مصالحها الخاصة وهنا ستكون إسرائيل هي المستفيدة.
المصدر: مجلة الوطن العربي
أصداء المرأة
منبر الرأي