تشهد منطقة الشرق الأوسط حالةً متصاعدة من الغليان والتصعيد الاستراتيجي غير المسبوق، ناتجة في جوهرها عن محاولات حثيثة تبذلها القوى الدولية النافذة والفاعلون الإقليميون لإعادة هيكلة جغرافية الإقليم ورسم ملامحه الجيوسياسية من جديد. تأتي هذه التحركات في إطار السعي لترسيم حدود النفوذ وتأمين المصالح الحيوية للأطراف الفاعلة، اتساقًا مع الأجندات والترتيبات المرتقبة للمنطقة في مرحلة ما بعد تحول موازين القوى العالمية.
وفي هذا السياق، يمكن توظيف المقاربة التحليلية التي تُصنّف ما يشهده الإقليم اليوم بوصفه حربًا عالمية ثالثة هجينة؛ وهي صيرورة صراعية تتميز بأدواتها المركبة والمعقدة، التي تجمع بين الصراع العسكري التقليدي، والحروب السيبرانية، والرقمنة الاستراتيجية، والحروب الاقتصادية العابرة للحدود. وتمتد أبعاد هذه الحرب الهجينة لتستهدف البنى التحتية، والاستقرار الاجتماعي، والمقومات الحيوية للوجود الجمعي لشعوب المنطقة. وتُعد هذه الحالة الامتداد الطبيعي والمباشر لصيرورة بدأت تتشكل في أعقاب انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، وما تلاه من سيادة مطلقة للنموذج الرأسمالي العالمي ومحاولات فرضه قسرًا على مقدرات الشعوب.
أزمة النظام الدولي وهشاشة البنى الاحتكارية
مما لا شك فيه أن الأدوات السلوكية، والذهنيات الاحتكارية، والعلاقات السلطوية التي تأسست في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية لتكريس النفوذ الاقتصادي والسياسي والثقافي للجهات المهيمنة، بما يتجاهل تمامًا مصالح شعوب المنطقة وأولويات تكويناتها الاجتماعية، باتت تعاني اليوم من فشل بنيوي ذريع وأزمة شرعية عميقة.
إن محاولة فرض الهيمنة وتهميش الإرادة الوطنية والاجتماعية قد أنتجت سلسلة متواصلة من الأزمات المركبة؛ أزمات تنموية، وسياسية، وهيكلية، ألقت بظلالها الخانقة على واقع الشعوب. وقد دفع هذا الانسداد التنموي والسياسي المجتمعات الشرق أوسطية إلى البحث الدؤوب عن بدائل جذرية توفر لها منفذًا للخلاص من وطأة هذه الأزمات المتراكمة، وهو ما جعل المنطقة برمتها في حالة غليان دائم وبحث مستمر عن معادلات جديدة للوجود والسيادة.
الأحاديات الأيديولوجية وأزمة التكوين الداخلي
عند إخضاع واقع المجتمعات والدول في الشرق الأوسط للتحليل النقدي، ولنوعية الثقافة السائدة فيها، يتضح بجلاء طغيان وتغلغل الأحاديات الأيديولوجية المقيتة؛ وفي مقدمتها القوموية المتطرفة، والإسلاموية الراديكالية، والأحادية الذكورية/الجنسوية. وتشترك هذه المنظومات الأيديولوجية المغلقة في نزوعها القسري لإخضاع الآخر المغاير، وصهره في قالب أحادي، أو تهميشه وإلغائه بالكامل، وتبرير هذا الإقصاء إما باسم قدسية الدولة، أو تأويلات قدسية الدين، أو السلطة الذكورية البطريركية.
وقد شكلت هذه الأحاديات الداخلية الثغرة البنيوية الأبرز التي نفذت منها المشاريع الاستعمارية والقوى الطامعة؛ إذ وجدت في هذه الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية مرتكزات خصبة لتفكيك النسيج المجتمعي، وتمرير مشاريع الهيمنة والتوسع على حساب مقدرات المنطقة واستقرارها المستدام.
الفراغ الاستراتيجي وجذور الانحدار التاريخي
إن إضعاف الإرادة المجتمعية، وغياب ثقافة المشاركة التضامنية وحق الاختلاف، وتغييب التعددية التشاركية، فضلًا عن الأزمة البنيوية الحاكمة لعلاقة النوع الاجتماعي (الرجل والمرأة)، وسوء إدارة الموارد والطاقات الوطنية، قد تضافرت جميعها لتجعل من الشرق الأوسط، ببعديه: الدول والشعوب، منطقة فراغ استراتيجي هشة. وتعمل حالة الفراغ هذه كمغناطيس يجذب كل مشروع إمبراطوري توسعي، ويغري القوى الإقليمية والدولية الطامعة ببسط نفوذها وتحريك أحداقها الاستعمارية.
تاريخيًا، يعيش الشرق الأوسط حالة من الانحدار والتبعية الهيكلية منذ القرن الثاني عشر الميلادي، نتيجة تضافر أسباب وعوامل عدة؛ في مقدمتها إجهاض البيئات المجتمعية المناسبة لتجديد الفكر وتطوير أدوات العصر. وقد بلغت هذه التبعية ذروتها عقب الحرب العالمية الأولى، عندما تم تقسيم الإقليم وفق هندسة استعمارية صريحة قامت على مبدأ "فرّق تسد" البريطاني-الفرنسي، ونشوء أنظمة الدول القومية المركزية التي حاولت فرض مجتمعات نمطية متجانسة قسرًا، تلبيةً لمتطلبات قيام الدولة القومية الشمولية على حساب التنوع التاريخي الأصيل للمنطقة.
تحولات ما بعد الحرب الباردة وعصر الرقمنة
عقب تسعينيات القرن الماضي وانهيار نظام الاشتراكية المشيدة، انزلقت منطقة الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من إعادة الترتيب الجيوسياسي، غير أن هذه الهندسة لم تكتمل تفاصيلها بعد وفق الرؤية الرأسمالية العالمية. وتحاول الرأسمالية المعاصرة إعادة إنتاج أدوات الهيمنة ذاتها بأطر مستحدثة؛ فبدلًا من الاكتفاء بالنماذج التقليدية للدولة القومية، تسعى لاستغلال المعطيات الجديدة لمرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتي، وتوظيف ثورة الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء منظومة اقتصادية، ومالية، وأمنية عابرة للحدود القومية والسياسية المقامة منذ الحرب العالمية الأولى.
وفي ظل هذه الديناميات، أصبحت الكيانات السياسية والقومية في المنطقة، سواء الدول العربية، أو إيران، أو تركيا، أو الكرد بكل تقسيماتهم الجغرافية والدولتية، أمام حتمية التغير؛ إذ لن تستطيع البقاء على الصيغ والأطر التي تشكلت قبل مئة عام.
وللمتابع الدقيق للمسار التاريخي الممتد من حرب الخليج الثانية، مرورًا بالحراك الشعبي العربي (الربيع العربي)، وحرب الخليج الرابعة، والحرب الأوكرانية، وصولًا إلى مسارات السلام والمجتمع الديمقراطي والتفاعل الكردي-التركي، يدرك تمامًا أن الإقليم يُهيأ بأسره لمفترق طرق تاريخي، وأحداث جيوسياسية مفصلية وشيكة التبلور.
مشاريع إعادة التشكل وموازين القوى الجديدة
تبدو المعالم الرئيسية للشرق الأوسط الجديد آخذة في التشكل من خلال مشاريع ومحاور استراتيجية ملموسة تُمارس على الأرض، وفي مقدمتها:
وتتكامل هذه الحروب والمشاريع لترسيم مسار يُستهدف منه إبراز قوى إقليمية جديدة تكون قادرة على تحمل أعباء النظام الإقليمي المرتقب وحمايته والتكيف مع متطلباته.
خريطة الطريق الوطنية: المراجعة البنيوية والتحول الديمقراطي
ختامًا، فإن حالة التصعيد في الشرق الأوسط مرشحة للاستمرار حتى استكمال تشكيل الترتيب الجيوسياسي الجديد، ولن يكون بوسع أي طرف في المنطقة التملص من تداعيات هذا التحول وآثاره الحتمية. غير أن دولنا وشعوبنا تمتلك الفرصة التاريخية للتحول إلى فاعل إرادي ذي ثقل استراتيجي، يستطيع فرض مصالحه وأولوياته الوطنية وصياغة استقرار إقليمي متوازن.
تتطلب هذه الفرصة الشروع فورًا في اتخاذ خطوات بنيوية وشجاعة:
1. إجراء مراجعة ذاتية شاملة: نقد الممارسات التاريخية وتفكيك البنى الأيديولوجية المغلقة.
2. الحوكمة وإدارة الموارد: معالجة الأزمات الداخلية المستفحلة، وإدارة الثروات والطاقات الوطنية بكفاءة وعدالة.
3. العقد الاجتماعي الشامل: إدماج كافة المكونات المجتمعية الإثنية والدينية في دائرة القرار الاستراتيجي للدولة عبر عقود وطنية جامعة ديمقراطية.
4.التحول نحو الجمهوريات الديمقراطية: إعادة بناء نظام الدولة وتحويل الكيانات القائمة إلى جمهوريات ديمقراطية تضمن وتعترف بحقوق كافة التكوينات والمكونات قانونيًا ودستوريًا.
إن من يظن أن ارتهانه للخارج، أو تبعيته وعمالته للقوى المهيمنة، كفيلة بحفظ وجود شعبه أو حماية دولته، فهو واهم؛ إذ إن المصالح الجيوستراتيجية للنظام العالمي متغيرة لا تعرف الثبات، حيث تتم إعادة هيكلة الأدوات، والنظم الوظيفية، والنظام الإقليمي، في كل محطة مفصلية عندما تتكشف أدوات، أو اكتشافات، أو موارد، أو أزمات جديدة تستدعي إعادة النظر في الهياكل السياسية والاقتصادية، خدمةً لقاعدة الربح الأعظم وتكريسًا للاحتكار الأحادي للنظام الرأسمالي العالمي.
وبناءً عليه، يظل التماسك الداخلي، والتحول الديمقراطي البنيوي، والاعتماد على الإرادة المجتمعية والسيادة الوطنية، السلاح الوحيد لحفظ الوجود وضمان المستقبل في الشرق الأوسط الجديد.
نقلًا عن موقع الحرية..
من زوايا العالم
منبر الرأي