على الرغم من إعلان العزم من قبل الحكومة السورية المؤقة بدمشق المضي قدمًا في عملية الإندماج المناطق ذات الأغلبية الكردية، لاسيما بعد توقيع اتفاق الاندماج الأخير في 29 يناير 2026، ويذكر أن سبقه اتفاقان يناقشان نفس السياق، وهما: الاتفاق الأول في 10 مارس 2025 الذي انتهى باندلاع الخلافات بين الجابين، والتي تطورت فيما بعد إلى اشتباكات عنيفة بينهما في حيي "الشيخ مقصود" و"الأشرفية" بمدينة حلب في 6 يناير 2026، ومن ثم الاتفاق الذي أبرم في 18 يناير 2026 لوقف إطلاق النار، وبالرغم من وجود عدد من الخطوات الإيجابية فيما يتعلق بتنفيذ شروط هذا الاتفاق، وإنجاز خطوات على طريق الإندماج مناطق سيطرة "قسد" قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا التي تحكمها الإدارة الذاتية، تمثلت هذه الخطوات الإيجابية في عدة أمور أهمها:
عودة المهجرين والنازحين:
- فقد تضمن اتفاق 29 يناير 2026 نصًا يقضي بتأمين عودة جميع النازحين إلى مدنهم وقراهم (عفرين، الشيخ مقصود، رأس العين/سري كانه)، وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق،
وفي هذا السياق تواصلت عمليات عودة مهجّري منطقة عفرين بريف حلب الشمالي إلى مناطقهم الأصلية، في إطار تنفيذ التفاهمات المبرمة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية، بعد سنوات من النزوح القسري الذي أعقب سيطرة الفصائل الموالية لتركيا على المنطقة عام 2018.
ومنذ آذار الماضي، جرى تنظيم خمس قوافل متتالية لنقل آلاف العائلات من مناطق النزوح في شمال وشرق سوريا إلى عفرين، وقد بدأت أولى قوافل عودة مهجّري عفرين في 9 مارس 2026، مع انطلاق نحو 400 عائلة من مدينة الحسكة باتجاه مناطقهم الأصلية في ريف حلب الشمالي، وسط مرافقة أمنية وتنظيم مشترك من قوى الأمن الداخلي و”الوفد المخصص” من الحكومة السورية، تلتها في 4 إبريل قافلة ثانية انطلقت من القامشلي وضمت نحو 200 عائلة، عبر الطريق الدولي M4، بإشراف أمني ومرافقة من فرق الدفاع المدني السوري.
وفي 14 إبريل، شهدت المنطقة انطلاق القافلة الثالثة التي تعد من أكبر دفعات العودة حينها، إذ ضمت أكثر من 4 آلاف شخص موزعين على نحو 800 عائلة، وسط إجراءات أمنية لتأمين وصولهم إلى مناطقهم الأصلية في عفرين، وأتلبعتهم في 9 مايو قافلة جديدة من مناطق في محافظة الحسكة باتجاه تل تمر عبر طريق M4، وضمت نحو ألف عائلة من مهجّري عفرين. وفي اليوم التالي، 10 مايو، انطلقت الدفعة الخامسة والأكبر منذ بدء رحلات العودة، حيث ضمت نحو 1600 عائلة غادرت مراكز الإيواء والمخيمات في الحسكة التي أقامت فيها منذ ثماني سنوات عقب النزوح القسري من عفرين، كما شهدت مدينة كوباني في 19 مايو أول قافلة تنطلق منها باتجاه عفرين، حملت نحو 420 عائلة مهجّرة، قبل أن تنطلق القافلة السابعة في 21 من مايو من القامشلي، وضمت نحو 1300 عائلة، وبذلك وصلت الحصيلة الإجمالية إلى نحو 5720 عائلة عادت خلال سبع قوافل متتالية، توزعت بين قراها الأصلية ومناطق مختلفة من عفرين، فيما تم نقل بعض العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة بانتظار استكمال إجراءات استقرارها السكني، وتعكس القوافل السبع التي انطلقت تباعاً من مناطق الحسكة والقامشلي باتجاه عفرين، تصاعد وتيرة العودة التدريجية للمهجّرين بعد سنوات طويلة من النزوح والمعاناة، فيما لا يزال الآلاف من النازحين من أهالي عفرين بانتظار أن تشملهم قرارات العودة من الحسكة وكوباني /عين العرب إلى مناطقهم التي نزحوا منها على مدى السنوات السبع الفائتة.
الإفراج عن المعتقلين لدى الطرفين
- ويعد هذا أحد البنود الهامة في الاتفاق بين حكومة دمشق و "قسد"، وذلك في إطار إعادة تنظيم الواقع الأمني والإداري في سوريا، لاسيما مع تأكيد حكومة دمشق على إنهاء أي عمليات احتجاز خارج الأطر القانونية الرسمية.
في 25 مايو 2026 أطلقت السلطات السورية سراح 88 موقوفاً من عناصر "قسد"، وهي الدفعة السادسة ضمن سلسلة عمليات الإفراج المتواصلة التي تنفذها الحكومة السورية بحق عناصر "قسد" المحتجزين لديها، ويذكر أن هؤلاء الموقوفين كانوا قد أُسروا خلال المواجهات التي اندلعت بين القوات الحكومية و"قسد" قبيل توقيع الاتفاق في مطلع العام الجاري في منطقة "الميلبية" الواقعة جنوبي محافظة الحسكة، وجدير بالذكر أنه في الثامن من مايو الجاري، تم الإفراج عن 232 عنصراً من "قسد"، ضمن ما وُصف حينها بإجراءات تنفيذ بنود الاتفاق المشترك الموقع بين الجانبين في أواخر يناير الماضي، حيث بلغ إجمالي المفرج عنهم 1200 شخصًا.
في المقابل أُطلق سراح نحو 1500 معتقلًا حتى ذلك الوقت من سجون "قسد" على أربع دفعات متتالية، مشيراً إلى أن مراكز الاحتجاز في الحسكة ومناطق أخرى تتجه تدريجياً إلى الانتقال لإشراف وزارتي الداخلية والعدل.
ولكن أثناء السير في طريق الاندماج وتطبيق الاتفاق بشكل عملي تبرز عدد من العقبات والأحدداث التي قد تؤدي إلى بعض الصعوبات وتولد عدد من النقاط الخلافية، لاسيما مع الإجراءات التي يتم اتخاذها من قبل الحكومة الانتقالية بقيادة "الشرع"، والتي من أهمها:
- أحداث قصر "العدلي"
شهدت محافظة الحسكة السورية توترات إثر خلافات على "اللافتة التعريفية" لمبنى قصر العدلي التي كتبت باللغة العربية فقط، وتجاهلت اللغة الكردية، وقد اندلعت الأزمة بعد محاولات الحكومة المركزية تسلّم المبنى وإعادة افتتاحه رسمياً، حيث اقتحم المبنى محتجون أكراد من أهالي الحسكة، وأزالوا اللوحة، وقد اعتبروا غياب اللغة الكردية مساسًا بالهوية الكردية، وهو ماعد بداية نقض لما تعهدت حكومة دمشق بالاعتراف باللغة الكردية، والتزمت باحترام الخصوصية الثقافية للكرد وفقًا لما جاء به اتفاق يناير، وكذا استنادًا إلى المرسوم الرئاسي رقم " 13 " الصادر مؤخرًا، والذي نص على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية تُدرّس في المدارس – ولم يقر بأنها لغة رسمية- وهو ما أدى لانتقاد هذا المرسوم، واعتماد عيد النيروز عيدا وطنيًا، ومنح الجنسية السورية للمواطنين من الأصول الكردية الذين حُرموا منها لعقود.
ولاحتواء الأزمة أجرى محافظ الحسكة "نور الدين أحمد" سلسلة لقاءات مكثفة مع الأطراف المعنية لمعالجة الملف، وتزامنت هذه الجهود مع مساعٍ أوسع للإفراج عن أسرى ومحتجزين لاحتواء التوتر الشعبي وتعزيز الاستقرار.
- على الجانب الآخر نرى أن هناك عقبات فيما يتعلق بالجانب القضائي ليس فقط من حيث الشكل المتمثل في تواجد اللغة الكردية بجانب اللغة العربية، ولكن أيضًا من حيث البنية القانونية، حيث تختلف الطبيعة التي يدار بها الملف القضائي مابين الإدارة الذاتية التي تعتمد على مستويات التقاضي المختلفة والتي تشمل: الكوميونات والعدالة الاجتماعية والذي يستند بدوره على الأعراف والقيم وتقاليد المجتمع، إلى جانب المحاكم والقضاة ضمن ديوان العدالة، وفي المقابل نموذج الحكومة المؤقتة في دمشق التي تعتمد على قضاء مركزي متمثل في المحاكم، وكذلك آليات وإجراءات تعيين القضاة تمثل صعوبة ينبغي أن يتم تخطيها، وبشكل عام فإن الحكومة المؤقتة في دمشق ترى ضرورة توحيد المعايير القضائية والقانونية، وضرورة أن تخضع جميع المحاكم للحكومة المركزية، وتطالب الإدارة الذاتية بتسليم كامل المؤسسات القضائية بشكل فوري وإدماج القضاة ضمن ملاك وزارة العدل وفق معايير الكفاءة، وهو ما ترفضه الأخيرة وتصر على الاحتفاظ بكوادرها القانونية، والحفاظ على الطابع اللامركزي.
- أزمة وحدات حماية المرأة YPJ
هي وحدات نِسَائية كُرديّة مسلحة، يتألف قوامها من حوالي 2500 إلى 3000 ألف إمرأة، وهي إحدى التشكيلات العسكرية التابعة لـقوات سوريا الديمقراطية "قسد" الذراع العسكري للإدارة الذاتية، ويسعون للاعتراف بوحداتهن ضمن قوات وزارة الدفاع السورية، وتتمثل أزمة وحدات حماية المرأة (YPJ) في سوريا في الاختلاف الذي نشأ بين حكومة دمشق و"قسد" بشأن إندماج آلاف المقاتلات في القوات المسلحة السورية، بينما ترفض الحكومة المؤقتة الاعتراف بهن كقوة عسكرية نظامية، وتسعى لحصر دورهن في الوظائف "المدنية" أو "الشرطية"، وبالتالي تتركز الأزمة حول عدة محاور رئيسية:
- رفض الإقصاء العسكري: تصر الهيئات السياسية النسائية (مثل مجلس المرأة) على أن الإندماج الوحدات ليس خياراً عسكرياً فحسب، بل هو "رمزًا عالميًا للمقاومة" وإقرار بحقوق المرأة.
- الرفض الحكومي لادماجهن في الجيش: تطرح الحكومة مقترحات بضم المقاتلات في إطار "مدني" أو في جهاز الشرطة (وزارة الداخلية)، وهو ما ترفضه قيادات الوحدات.
- محاولة إحداث تغيير مجتمعي: تؤكد القيادات النسائية، مثل "نوروز أحمد"، أن نضال الوحدات يتجاوز فكرة الانخراط في الجيوش الرسمية، بل يهدف إلى إرساء مبدأ "الدفاع الذاتي" وتحقيق ثورة اجتماعية لكل السوريات.
- الالتفاف على الاتفاقيات: رغم توقيع اتفاقيات سابقة (مثل اتفاقية يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة المؤقتة) لضمان خصوصية المنطقة وقواتها، تستمر حالة الشد والجذب حول طبيعة تواجد هذه الوحدات ووضعها القانوني.
وينظر لهذه القضية كاختبار حقيقي لمستقبل حقوق المرأة في المنطقة، حيث تخشى القيادات النسائية من التراجع عن المكتسبات التي تحققت خلال السنوات الماضية، فوحدات حماية المرأة تأسست منذ 13 عامًا وانخرطت في عمليات الدفاع والمقاومة، وقامت بدور بارز في القتال ضد التنظيم الإرهابي "داعش" وهزيمته، وبالتالي ينبغي أن يتم الاستفادة من القدرات القتالية لهذه الوحدات بدلاً من تثبيطها أو التخلي عنها، ومن زاوية أخرى تكشف هذه الأزمة النقاب عن أن المرجعية الراديكالية والذهنية الذكورية لدى أغلب العناصر في حكومة دمشق والتي تؤثر بدورها على قراراتها حتى وإن تم الارتباط باتفاق موثق، وهو ما يدعو للقلق بشأن حقوق النساء وعملية تمكينهن في المجتمع السوري الجديد المراد توطيد ركائزه.
- نواب لايمثلون إرادة الشعب
شكلت التعيينات الأخيرة والاختيار الفوقي الذي هبطت به الحكومة المؤقتة بدمشق على مناطق شمال شرق سوريا من خلال اختيار 10 ممثلين عن دائرتَي الحسكة والقامشلي في محافظة الحسكة، ونائبين عن دائرة ديريك ونائبين عن دائرة عين العرب /كوباني، مما دعى ممثلو 21 حزباً وحركة سياسية كردية أن يعلنوا في مؤتمر بمدينة القامشلي، بينهم حزب «الاتحاد الديمقراطي» الذي يقود «الإدارة الذاتية» الكردية، أنه «إزاء النتائج المعلنة وآلية التعيينات التي جرت نؤكد أن هؤلاء الأشخاص يمثلون فقط أنفسهم»، معتبرين أن «ما جرى كشف مرة أخرى عن نهج الإقصاء والتهميش عبر تعيين عدة شخصيات بشكل انتقائي»، وبالتالي فإن هذا الاختيار يمثل تجاوزاً واضحاً لمبادئ التمثيل الديمقراطي والإرادة الشعبية، لأنها لا تستمد قوتها من صناديق الاقتراع الحرة، ولا تعبر عن تطلعات السوريين أو تعكس حقيقة التنوع السياسي والقومي والاجتماعي والثقافي في البلاد، ويذكر أنه في أكتوبر 2026 ، انتخبت هيئات مناطقية شكّلتها لجنة عليا، حيث عيّن الرئيس السوري المؤقت "أحمد الشرع" أعضاءها، ثلثَي أعضاء المجلس البالغ عددهم 210 عضوًا، وفق آلية حددها الإعلان الدستوري، لم تتضمن إجراء انتخابات مباشرة من الشعب، واستُثنيت حينها مناطق سيطرة القوات الكردية (شمال شرق البلاد) والدرزية (جنوباً) من التمثيل؛ وتم التذرع وقتها بصعوبة الولوج إليها بسبب التوترات مع دمشق، وعدم الاستقرار السياسي وقتئذ، وبالتالي فإن مثل هذه المواقف من حكومة دمشق المؤقتة تثير الشكوك وعلامات الاستفهام حول اعتزامها تطبيق عملية الإندماج شاملة تعكس تنوع النسيج الثقافي والديموغرافي للمجتمع السوري.
ولإنجاح عملية الاندماج لابد من وجود إرادة سياسية حقيقية من الحكومة المؤقتة في دمشق، بحيث تراعي فيها الخصوصيات الثقافية، والخبرات العملية التي مرت بها المناطق المختلفة من البلاد، والاستفادة من الأمور الإيجابية لهذه الخبرات، واحتواء شعوب تلك المناطق من خلال إرساء مبادئ ديمقراطية من خلال المشاركة الشعبية في صنع القرارات التي ستسري عليهم وسيحاسبون على التعاون مع الحكومة المركزية لتنفيذها، وترك أي ترسبات أيديولوجيا بعيدًا عن واقع البناء الجديد للوصول لسوريا ديمقراطية دون عثرات.