بث تجريبي

الكوموناليَّة في الحياة والعمل

"الكومونة ليست مجرَّد تقاسُم ما هو موجود وتقسيمه بصورة متساوية وعادلة، بل هي، قبل كلِّ شيءٍ، عمل جماعي قائم على أساس إنتاج قيم جديدة، وتكون الكومونة بقدر ما تنتج قويَّة وفاعلة، وتأخذ مكانها في الحياة المجتمعيَّة. كما أنَّ استمرار وجودها لا يتحقَّق إلّا من خلال الإنتاج، أي إنَّها منظومة تعتمد على القوَّة الذَّاتيَّة. وتجسّد الكوموناليَّة في الحياة والعمل الجماعي جوهر العمل.

لذلك، فإنَّ المقاربات الّتي لا تعتمد على القوّة الذَّاتيَّة والاستقلاليَّة ليست صحيحة، وكذلك فإنَّ المقاربات الّتي تنظر إلى حياة الكومونة باعتبارها مجرَّد استهلاك لما هو موجود هي مقاربات خاطئة أيضاً. ففي الواقع، لا توجد حياة من هذا النَّوع، لأنَّ لا شيء يُوفَّر في صورة جاهزة ومتكاملة. وقد ظهر مثل هذا الوضع في حياتنا اليوميَّة، وهو مؤقَّت لأنَّهُ يعتمد على أسس خاطئة، فهو في جوهره، لا يتوافق مع حقيقة الحركة، ولا مع النِّظام الكومونالي. إنَّهُ يعتمد على بعض الأشياء القائمة، وقد ظهر وكأنَّه حالة استثنائيَّة، ولذلك فإنَّه محكوم بالزَّوال الكامل في وقتٍ قريبٍ".

يجب أنْ تكون المشاركة في الكومونة قائمة على التَّفاني والتَّضحية

من جهةٍ أخرى، يتطلَّب النِّظام الكومونالي قدراً كبيراً من المسؤوليَّة والوعي والقدرة على التَّنظيم. وإنَّ مستوى التَّفاني والتَّضحية الّذي برز داخل حركة التَّحرُّر الكردستانيَّة يعبِّر عن هذه الحقيقة بصورة واضحة، وباختصار، ينبغي أنْ تكون المشاركة في الكومونة، في معناها الحقيقي، قائمة على التَّفاني والتَّضحية. وينبغي أنْ تتوافر لدى جميع أعضاء الكومونة روح المسؤوليَّة، والوعي، والشَّجاعة، والإيثار، والقدرة على التَّنظيم، فالحياة الكوموناليَّة والعمل الجماعي لا يمكن أنْ يتحقَّقا إلّا على هذا الأساس.

ولهذا السَّبب، تمثِّل الكومونة وعياً يقوم على الإحساس بالعالم المشترك، وفلسفة الحياة، وشعور بالانتماء المجتمعي. إنَّها حياة قائمة على العمل التَّنظيمي وأسلوب العمل، وإنتاج للخير والحقيقة والجمال والحرّيَّة. كما أنَّ الكوموناليَّة تعني الأمل والإحساس بالآخرين والانشغال بهم. ولا يمكن أنْ يكون كوموناليَّاً إلّا من يمتلك الخيال والحاجة إلى التَّغيير.

إنَّ الواقعيَّة المفرطة والماديَّة تتعارضان مع حقيقة الكومونة. وفي المقابل، فإنَّ الإفراط في إضفاء الطَّابع المثالي على الكومونة يؤدِّي أيضاً إلى تفريغ المفهوم من مضمونه والقضاء على حيويَّته. وتعبّر الكومونة بصورةٍ مباشرةٍ عن الدّيمقراطيَّة في الحياة والعمل والإدارة. وباختصار، تعني الكومونة، بصورة مباشرة، الدّيمقراطيَّة والمجتمع الدِّيمقراطي.

المسيرة الكوموناليَّة الممتدَّة على مدى 53 عاماً

تُحْظَى المسيرة الكوموناليَّة الممتدَّة على مدى 53 عاماً في حركة التَّحرُّر الكردستانيَّة بقيادة القائد عبد الله أوجلان بأهمّيَّة تاريخيَّة في مجال التَّنظيم الكومونالي، كما يمثِّل تراكماً كبيراً من الخبرات والتَّجارب. ويحمل هذا التَّراكُم، بما يتضمَّنه من صواب وأخطاء ونواقص، دروساً مهمَّة، وعند إجراء النِّقاشات حول الكومونة، ومحاولة تحويل هذا الموضوع إلى ممارسة عمليَّة، ينبغي بلا شكّ الاستفادة من هذه الدّروس.

وفي البداية، دعونا نوضِّح أنَّ أسس الحياة الكوموناليَّة داخل حزب العمال الكردستاني (PKK) متجذِّرة في السِّمات الشَّخصيَّة للقائد عبد الله أوجلان. فقد تبلورت الحياة الكوموناليَّة، والعمل التَّنظيمي، وأسلوب العمل، والأخلاق، والسّياسة، والإبداع، والتَّضحية، بصورة متكاملة انطلاقاً من خصائص شخصيَّة القائد آبو، وبالتَّكامل مع إسهامات شهدائنا. وخلال مسيرته الثَّوريَّة والاشتراكيَّة المتواصلة على مدى 53 عاماً، قدَّم القائد آبو كل ما لديه، فكريَّاً وعمليَّاً، للحركة وللشَّعب، وتقاسُم كلّ ما يملك مع رفاقه، ولم يدّخر لنفسه أيَّ شيء. وقد عبّر عن هذا الموقف بوضوح بقوله: "لقد أعطيتكم كلَّ ما لديَّ، فماذا تريدون منِّي بعد؟".

الرُّوح المشتركة والقيم المعنويَّة

إذا ألقينا نظرة على تلك المرحلة الّتي أُرست فيها أسس الحياة الكوموناليَّة، سنجد أنَّ الإمكانات الماديَّة كانت، إلى حدٍّ يكاد يكون معدوماً، غير متوافرة، فالكوموناليَّة الآبوجيَّة في ذلك الوقت لم تتشكَّل على أساس وفرة الإمكانات الماديَّة وتزايدها واستمراريّتها، بل على العكس، تشكَّلت في ظلّ النَّدرة والنُّقص، أيَّ الفقر. إذن، كيف نمت الكوموناليَّة الآبوجيَّة واستمرَّت وتطوَّرت في ظلّ هذه الظُّروف؟ هنا تكمن الإجابة الأهمّ عن هذا السُّؤال، وهي "القيم المعنوية"، إنَّ القوّة الأساسيَّة والأكبر الّتي أسهمت في بناء الكوموناليَّة الآبوجيَّة تتمثَّل في التَّأثيرات المعنويَّة، والإيمان، والإخلاص لوجود الشَّعب الكردي، وللحرّيَّة والاشتراكيَّة. وهي قوّة التَّنظيم والبناء الفكري. ولأنَّ هذه التَّجربة طُوِّرَتْ على يد القائد آبو وعاشها عمليَّاً، فقد تجلّى تجاهها إخلاصٌ راسخ وإيمانٌ عميق. وقد أفضت هذه الرُّوح المشتركة والقيم المعنويَّة، في مستوى من التَّفاني والتَّضحية، إلى إظهار أسمى أشكال الرُّوح الرِّفاقيَّة على مستوى العالم. وعليه، فإنَّ أساس الحياة الكوموناليَّة وقوَّتها البنّاءة ليست ماديَّة، بل على العكس من ذلك، تكمن في القيم المعنويَّة. وهذه هي الدَّرس الأول والأعمق في الكوموناليَّة الآبوجيَّة، وعلى الّذين يرغبون في بناء الكومونات في كردستان أنْ يفهموا هذا الدَّرس فهماً صحيحاً قبل كلّ شيء، وأنْ يتصرَّفوا وينظِّموا عملهم على أساسه...

لها بداية، لكن ليس لها نهاية

إنَّ كلَّ أنواع الأفكار المتعلِّقة بالكومونة لا تتجاوز، في أفضل مقترحاتها المثلى الّتي ينبغي القيام بها، تحديدَ بعض المبادئ العامَّة. فلا توجد وصفة نمطيَّة واحدة تتضمَّن جميع التَّفاصيل وتكون سارية في كلّ مكان. وحتَّى أكثر المقترحات حداثةً تظلُّ محدودة عند تطبيقها عمليَّاً. لذلك، ينبغي التَّعامل مع العمل الكومونالي بروح إبداعيَّة، ووضع الخطط وتنفيذ هذا العمل بما يتناسب مع الظُّروف الملموسة في كلِّ مكان، مع اعتماد نهج يقوم على البدء بتنظيم العمل في بعض مجالات الحياة وتوسيع نطاقه تدريجيَّاً ليشمل الحياة برمَّتها. وقد طرح القائد آبو، بصورةٍ عامَّةٍ، مفهوم "جعل الأرض والماء والطَّاقة كومونالية" وانطلاقاً من ذلك، ينبغي أخذ الظُّروف الخاصَّة بكلّ منطقة بعين الاعتبار، والبدء من المجال الأكثر ملاءمة، وتطوير العمل الكومونالي وفقاً لذلك. حيث إنَّ الكوموناليَّة لها بداية، لكن ليس لها نهاية؛ ففي ثراء الحياة اللامتناهية، يستمرُّ عمل الكوموناليَّة ويتواصل.

تُدار بالتَّشارك مع المجتمع

من أهم جوانب العمل الكومونالي حقيقة أنَّ هذا العمل ينبغي أنْ يُناقش ويُخطَّط له بالتَّشارك مع المجتمع، وأنْ يتحوَّل إلى ممارسة عمليَّة تتناسب مع ظروفه واحتياجاته. وهنا تتجلَّى أيضاً أهميَّة اتباع نهج إبداعي في العمل. فالكومونات لا تُنظَّم من خلال فرض الأفكار من الأعلى أو إملائها على النَّاس. وما لم يفهم الأشخاص الّذين سيقومون بتنظيم الكومونة ويعيشون فيها هذا النَّموذج ويقتنعوا به، لا يمكن تنظيم الكومونة ولا ضمان استمراريّتها.

وبلا شك، فإنَّ العمل الكومونالي يحتاج أيضاً إلى قيادة، بل إنَّ دور الشَّخص القيادي يمكن أنْ يتجلَّى بصورةٍ إيجابيَّة ومؤثِّرة في العمل الكومونالي، إلّا أنَّ هذه القيادة لا تُمارس من خلال فرض الرَّأي انطلاقاً من عقليَّة "أنا أفضل من يعرف"، فالقيادة الصَّحيحة للكوادر هي تلك الّتي تضع كلّ إمكاناتها في خدمة الشَّعب الّذي سيبني الكومونة ويخطَّطون لها ويحوِّلونها إلى ممارسة عمليَّة. لذلك، ينبغي أنْ يتحلّى بقدرةٍ عاليةٍ على خوض النِّقاش، وأنْ يُظهر قدراً كبيراً من الصَّبر، وأنْ يكون متمرِّساً في العمل الاجتماعي...

التَّعمُّق حول الحقيقة

إنَّ أسلوب تنظيم الكومونات للاشتراكيّين الدّيمقراطيّين لا يقوم على فرض الإرادة من الأعلى أو على الضَّغط والإكراه، بل على العكس من ذلك، فإنَّ النِّقاش مع النَّاس، وتوعيتهم وإقناعهم، هو الأسلوب الأصحّ والأساسي. ولهذا، ينبغي اعتماد مبدأ الإقناع، انطلاقاً من مقولة كمال بير "إذا اقتضى الأمر، فسنتحدَّث ثلاث ساعات، أو حتَّى ثلاثمائة ساعة"، ووفقاً للحاجة، قد تستمرُّ هذه العمليَّة ثلاث ساعات أو ثلاثمائة ساعة، وقد تمتدُّ أيضاً إلى ثلاث سنوات أو ثلاثين سنة. لكن، باستثناء التَّدريب والإقناع، لا توجد طريقة صحيحة ومستدامة لتنظيم الكومونة. لذلك، ينبغي أنْ يتحلَّى المرء بصبر النَّبي أيّوب، وأنْ يضع هذا الأمر نصب عينيه...

استناداً إلى ما سبق، يمكننا أنْ ننتقل إلى بلورة تصوُّر عملي للكومونة، فعلى سبيل المثال، إذا أردنا تنظيم عمل كومونالي في قرية أو حيّ، فمن الواضح أنَّهُ ينبغي لنا أوَّلاً أنْ نتعمَّق في دراسة البنية الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة لذلك المكان، وأنْ نسعى إلى تحليل الواقع الملموس بكلّ تفاصيله. وإلى جانب ذلك، ينبغي أنْ نسعى إلى إجراء نقاشات متنوِّعة مع الأشخاص الَّذين يعيشون هناك، بهدف فهم توجُّهاتهم وميولهم.

ومن أجل تنظيم كومونة في أيَّ مكان، لا بدَّ في البداية من إجراء عمل تحليلي من هذا النَّوع. ولهذا، ثمَّة حاجةٍ إلى عمل تمهيدي وإعداد واضح، وبناءً على ذلك، يمكن الوصول إلى تصوُّر أوَّلي ومحدود للكومونة، ثمَّ إنَّ تطويره بصورةٍ أوسع وإضفاء الرَّسميَّة عليه والعمل على إنجاحه، يُعدُّ أسلوباً مهمَّاً...

كيف ينبغي أنْ تكون كومونات القرى؟

لا يمكننا هنا تقديم تصوُّر شامل يتضمَّن كلّ التَّفاصيل، لكن يمكننا المساعدة في تعميق الأفكار. ومن أجل التَّنظيم المشترك للحياة الاقتصاديَّة وتطوير الحياة الكوموناليَّة، ينبغي توفير الأساس اللازم لذلك، إنَّ كومونة القرية هي بصورةٍ مباشرةٍ، شكل من أشكال الدّيمقراطيَّة؛ إذ تُعْقَدُ اجتماعات يشارك فيها جميع أفراد الكومونة، وهي بمثابة مجلس يتَّخذ القرارات السّياسيَّة. وكما تتولَّى هذه الاجتماعات اتّخاذ مختلف القرارات المتعلِّقة بالكومونة، فإنَّها تختار أيضاً الآليَّة الّتي تنسِّق تنفيذ هذه القرارات. وقد قال القائد آبو إنَّه لا ينبغي أنْ تكون هناك، بالمعنى المعروف، إدارة وأشخاص يُدارون داخل الكومونة، وإنَّما يمكن أنْ توجد هيئات تتولَّى تنفيذ المهام وتنسيق الأدوار.

ويُعدُّ تنظيم الحياة الاجتماعيَّة والثَّقافيَّة في كومونة القرية، أمراً مهمَّاً. فعلى سبيل المثال، ينبغي أنْ يكون تعليم الأطفال والشَّباب في إطار عمليَّة تنظيم الكومونة. ومن مكان التَّعليم إلى المعلِّمين، ينبغي أنْ تتولَّى الكومونة توفير كلّ ما يلزم. كذلك، ينبغي معالجة القضايا الصّحيَّة في إطار عمل الكومونة، وحتَّى فيما يتعلَّق بالعبادة الدّينيَّة، ينبغي أنْ تكون شؤون الحياة هذه ضمن إطار الكومونة، وألَّا تُترك للدَّولة أو لأيَّ قوّة أخرى. كما ينبغي معالجة مسألة التَّعليم باللُّغة الأم والحاجة إلى تنظيم الأنشطة الفنيَّة المناسبة ضمن إطار التَّنظيم الكومونالي.

وبالطَّبع، يُعدُّ الأسايش والدِّفاع الذَّاتي أمرين مهمَّين في كومونة القرية. وينبغي للكومونة أنْ تؤمِّن هذه الجوانب أيضاً في إطار تنظيمها الذَّاتي، وألا تتركها للدَّولة أو لأيَّ قوّة أخرى. ويمكن، ولا سيَّما في إطار تنظيم الشَّباب، الاضطلاع بمهام من هذا النَّوع.

تبلور الشَّكل حول المرأة الحرَّة

من المؤكِّد أنَّ المجتمع الكومونالي هو مجتمع مدَّرَّب ومنظَّم. وينبغي تنظيم جميع فئات المجتمع وتدريبها في هذا الإطار. وفي هذا السّياق، وكذلك في مختلف مجالات الحياة الكوموناليَّة، يُعدُّ تنظيم النِّساء والشَّباب أمراً مهمَّاً ورياديَّاً. وقد أوضحنا سابقاً المكانة والدَّور اليومي، وكذلك الدَّور التَّاريخي للمرأة في بنية الكومونات، فما لم يتمّ تدريب نساء القرية وتنظيمهنَّ، وما لم تتبلور قيادة نسائيَّة، لا يمكن تنظيم الحياة الكوموناليَّة والعمل في تلك القرية، ولا يمكن ضمان استمرارهما. وإذا لم تُبنَ حياة تُعلي من شأن حرّيَّة المرأة، فلا يمكن أصلاً أنْ تُسمَّى حياةً كوموناليَّة. فالحياة الحرَّة في الكومونة تُبنى حول المرأة الحرَّة. ولذلك، ينبغي أنْ تكون النِّساء منظِّمات ومدرَّبات.

وحتّى إذا لم يتشابه بشكلٍ كاملٍ، من المؤكَّد أنَّ تنظيم الشَّباب، يُعدُّ أمراً مهمَّاً للغاية. فشبيبة القرية الّذين يتلَّقون التَّدريب والتَّنظيم الكومونالي، إلى جانب امتلاكهم قيادة ديناميكيَّة في مختلف المجالات، يمكنهم، بما يمتلكونه من تأثير اقتصادي واجتماعي وثقافي وقدرة على الدِّفاع الذَّاتي، أنْ يكونوا أفراداً مبدعين وضمانةً لاستمرار الحياة والتَّنظيم الكومونالي في تلك القرية. لذلك، فإنَّ تنظيم الحركة الشّبابيَّة الكوموناليَّة على المستوى الدَّولي لا يقلُّ أهميَّةً وحاجةً عن تنظيم الشَّبيبة على مستوى الكومونة. وينبغي ألَّا تكون هذه المستويات متعارضة، بل على العكس، ينبغي التَّعامل معها بوصفها مستويات متكاملة، يعزِّز كلٌّ منها الآخر ويدفعه إلى الأمام.

إنَّ تنظيم الكومونة يمثِّل أساس المجتمع الدِّيمقراطي، والمجتمع الدِّيمقراطي بدوره يشكِّل القوّة الأساسيَّة للاندماج الدّيمقراطي. وعليه، فإنَّ تنظيم الكومونات في القرى والأحياء وجميع مجالات الحياة يُعدّ حاجةً أساسيَّة من أجل تطوير ومعالجة مسار نضال الاندماج الدِّيمقراطي.

إنَّ أيّ شيء، إذا أصبح حاجةً ضروريَّة، يمكن تحقيقه. وقد أصبح تنظيم الكومونة بالنَّسبة للكرد حاجةً أساسيَّة. وعليه، وبغضّ النَّظر عمّا إذا كان سيتحقَّق أم لا، فإنَّ إدراك هذه الحاجة الأساسيَّة يُعدُّ شرطاً ضروريَّاً، وينبغي تنفيذها بشكلٍ حاسم. ولتحقيق ذلك، لا بدَّ من تصوّرها أوَّلاً والتَّفكير فيها. وما نسعى إلى القيام به هو المساهمة في تطوير فكر وقوّة تخيُّليَّة من هذا النَّوع. وإذا تجسَّد هذا الأمر لدى بعض الأشخاص الشُّجعان والمضحَّين، فإنَّهُ سيصل إلى هدفه.

كيف يعمل الكومونالي المحترف؟

لا شكَّ أنَّ الأيديولوجيا الكوموناليَّة الدّيمقراطيَّة، في بناء الحداثة الدّيمقراطيَّة، لا تقتصر على الثُّوار المحترفين فحسب، بل هي، في الوقت ذاته، نهجٌ ينطبق على النِّساء والشَّباب في المقام الأول، وعلى عموم المجتمع من الكادحين والمضطهدين. وباستثناء شريحة صغيرة من البرجوازيَّة المهيمنة، ينبغي للمجتمع بأسره أنْ يُنظَّم نفسه ويعيش وفق نهج الكومونة الدّيمقراطيَّة. فالمشاركة في بناء المجتمع الدّيمقراطي مسؤوليَّة تقع على عاتق الجميع، وكلّ فرد هو كومونالي، وينبغي لوطنيّي هذه المرحلة وديمقراطيّيها أنْ يكونوا كوموناليّين أيضاً.

لم يتراجع دور ومهام الكوادر الثَّوريَّة المحترفة، بل على العكس من ذلك، ازدادت اتّساعاً. وعليه، ينبغي لجميع الثُّوار المحترفين، ولجميع المناضلين الاشتراكيّين الدّيمقراطيّين، أنْ يصبحوا كوموناليّين محترفين. وينبغي أن تتولَّى الكوادر الكوموناليَّة المحترفة مهمَّة القيادة الاجتماعيَّة في هذه المرحلة. ولهذا، عرّف القائد آبو كوادر المرحلة بأنَّها "حقيقة منظَّمة ومفعَّلة"، وأوضح أنَّ هذه الكوادر ينبغي أنْ تعيش وتعمل وفق فلسفة "لقمة طعام وخِرقة قماش".

ينبغي العمل على تنظيم الكومونات بشكلٍ متكامل

الكومونالي المحترف هو الشَّخص الّذي يتعمَّق طوال اليوم في شؤون الكومونة، ويجري الأبحاث ويطوّر خططاً جديدة، ويتعمَّق في المجتمع، ويناقش معه تنظيم الكومونة، ويطوّر، انطلاقاً من ذلك، خطوات عمليَّة. فهو منظَّم كومونالي ماهر وبارع، وبانٍ اجتماعي ناجح، ومربٍّ مبدع وقادر على الإقناع. ومهمَّته الأساسيَّة أنْ يفكِّر دائماً في الكومونة، وأنْ يذهب إلى مختلف الأماكن، ويعمل على تنظيم الكومونات بصورةٍ متكاملةٍ ومترابطةٍ.

على سبيل المثال، عندما يذهب إلى قريةٍ ما، ينبغي له أنْ يضع خطَّة للاجتماعات والنِّقاشات اللازمة فيها، وأنْ يطرح أمام النَّاس المهام العمليَّة المطلوب تنفيذها، ثمَّ ينتقل من هناك إلى قرية أخرى أو إلى منطقة أخرى، وإذا أنجز فيها أيضاً ما هو مطلوب، ينتقل هذه المرَّة إلى منطقة أخرى أو حيّ آخر أو مكان عمل آخر، فالكومونالي المحترف لا يقتصر عمله على عمل كومونة واحدة، بل يتجاوز ذلك ليدير في الوقت نفسه أعمال خمس كومونات أو عشر منها. وقد يبدو أنَّهُ لا يهتم إلَّا بالكومونات أو أنَّهُ عضو في إحدى الكومونات، لكنَّهُ في الواقع يتابع، تقريباً، عشرات الكومونات، ويتولَّى قيادة تنفيذ أعمالها عمليَّاً. وبعد أنْ يمضي فترةً من الوقت في إحدى الكومونات وينجز فيها ما هو مطلوب، ينتقل لاحقاً إلى مكان آخر. ثمَّ يعود لاحقاً ليتابع أعمال الكومونات الّتي بدأها سابقاً، ويراقب ويتفقَّد الممارسات العمليَّة الّتي جرى تنفيذها، ويعالج أوجه القصور فيها، ويضع خطّطاً جديدة، ثمَّ يتوجَّه إلى العمل في كومونة أخرى.

ينبغي أن يعملوا على مدار أربع وعشرين ساعة

حسناً، هل يمكن القيام بعملٍ من هذا النَّوع؟ نعم، يمكن ذلك! فقد كان الثُّوار المحترفون في السَّابق يضطلعون بأعمال التَّدريب والتَّنظيم الجماهيري بهذه الطَّريقة، واليوم يمكن للكوميناليّين المحترفين أنْ يعملوا بالطَّريقة نفسها على بناء الكومونات، باعتبار ذلك مهمَّة التَّنظيم الجماهيري في هذه المرحلة. يكفي أنْ يثقوا فقط بأنفسهم وبقدرتهم على النَّجاح في هذا المجال! وأنْ يكرِّسوا أربعاً وعشرين ساعة للتَّفكير في تنظيم الكومونات، وألَّا ينشغلوا بأيِّ شيءٍ آخر خارج ذلك! ويكفي أنْ يتولَّوا، بشغف، واجباتهم الكوموناليَّة، ويتَّخذوا العمل المتفاني أساساً لهم! ولكي يجروا النِّقاشات مع المجتمع ويعملوا معه بصورةٍ مشتركةٍ، عليهم التَّوجُّه إلى صفوف الشَّعب! والإيمان بإبداع عالم كومونالي جديد، والاتّحاد مع المجتمع لبناء ذلك! إنَّ عملاً يضمُّ كوموناليّين محترفين من هذا النَّوع سيتمكَّن من التَّغلُّب على مختلف الصُّعوبات وتجاوز العقبات، وفي نهاية المطاف، سيعلنون للعالم أجمع نجاح بناء المجتمع الكومونالي".

قد يهمك