تحولت النزاعات الدولية والإقليمية خلال العقد الأخير من مجرد بؤر معزولة يمكن احتواؤها خلف حدود جغرافية ضيقة، إلى خيوط متشابكة في آلة حرب عالمية تتشكل ملامحها بسرعة مخيفة تفوق توقعات صناع السياسة ومراكز الأبحاث في الشرق والغرب على حد سواء، الأمر الذي يؤشر إلى أن النظام الدولي القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة النيران في عدة بقاع.
تلاشت الخطوط الفاصلة بين جبهات القتال التقليدية في شرق أوروبا والمستنقع الملتهب في الشرق الأوسط، لترسم لوحة معقدة من صراع الإرادات بين القوى العظمى، حيث أصبح بحر قزوين ومياه الخليج العربي مسرحاً لشرارة قد تشعل حرباً عالمية ثالثة، في ظل تداخل غير مسبوق للمصالح الحيوية، التي تجعل من أي تحرك عسكري صدى لسياسات تُرسم في عواصم القرار، وهو ما انتبه إليه مجلس الأمن القومي التركي، الذي أكد في بيان مطلع الشهر الجاري أن المأزق الاستراتيجي في الحرب الأوكرانية لا ينبغي أن يؤدي إلى تحويل المناطق المجاورة، بما فيها البحر الأسود وبحر قزوين، إلى ساحات صراع، بما يهدد الأمن الدولي والإقليمي.
نقطة التحول الاستراتيجي الأكثر خطورة، التي فاجأت أجهزة الاستخبارات العالمية، واستدعت تحذيرات أنقرة، تمثلت في الهجوم الأوكراني الجريء بالمسيرات البحرية الانتحارية على سفينة شحن عسكرية في مياه بحر قزوين، دون أن يمثل هذا الاختراق العسكري مجرد عملية نوعية موجهة ضد هدف عابر في خاصرة الأمن الروسي-الإيراني المشترك، لتتحول الحادثة إلى إعلان صريح وعملي لعولمة المعركة، ونقل خطوط المواجهة من ضفاف سهول دونباس إلى العمق الآسيوي المغلق، الذي ظل لفترة طويلة بمنأى عن تأثيرات الصراع الأطلسي الروسي. ربما أرادت كييف، من خلال ضرب هذا الشريان اللوجيستي الحيوي، تجفيف منابع الدعم العسكري الإيراني المستمر بالمسيرات والصواريخ الباليستية، الذي يتدفق بسلاسة إلى موسكو عبر الممرات المائية المؤمَّنة، إلا أنها فتحت أبواب الجحيم على مصاريعها، نتيجة إمكانية تحول بحر قزوين من بحيرة مغلقة للتعاون الاقتصادي والتنسيق الأمني الحصري بين الدول المتشاطئة إلى ساحة حرب مفتوحة تصطدم فيها الحسابات الدولية، وهو ما قد يجبر دولاً أخرى في المنطقة على الدخول في استقطاب حاد لا مفر منه، ولا يمكن اعتبار الخطوة الأوكرانية تحركاً فردياً بعيداً عن الدعم الاستخباراتي واللوجيستي من حلف شمال الأطلسي، بهدف وضع طهران وموسكو في خندق دفاعي واحد بشكل غير قابل للفصل بعد أن تلاقت التهديدات الوجودية في النقطة الجغرافية نفسها.
في المقابل، جاء الرد التعبوي من المعسكر الشرقي حاسماً ومتجاوزاً لكل الخطوط الحمراء، حيث تدفقت المنظومات الدفاعية الجوية المتقدمة من طراز إس-400 وأحدث أجيال الرادارات الصينية، جنباً إلى جنب مع أسراب الطائرات المسيرة الانتحارية والذكية، نحو الأراضي الإيرانية لإنشاء مظلة حماية غير قابلة للاختراق. ولا يهدف هذا الدعم العسكري اللامتناهي من بكين وموسكو إلى تحصين الحليف الإيراني من ضربات انتقامية محتملة من قوى إقليمية أو غربية فقط، وإنما يستهدف أيضاً ترسيماً علنياً لخطوط تحالف استراتيجي صلب، يتطلع إلى كسر الهيمنة الغربية أحادية القطب، وإعادة صياغة موازين القوى الدولية على أسس جديدة، حيث ترى الصين في دعم طهران عسكرياً وسياسياً وسيلة مثالية لاستنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية الأمريكية والأوروبية في جبهات ثانوية، بعيداً عن مسرح عملياتها الحيوي في مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي، بينما تجد روسيا المنهكة من العقوبات في هذا التحالف عمقاً استراتيجياً واقتصادياً حيوياً يعوضها عن الحصار الشامل المفروض عليها من الغرب، ويمنحها أوراق ضغط جديدة لخلط الأوراق السياسية.
إن تزامن الاستفزاز الإيراني الذي طال أمن الخليج العربي عبر تحريك وكلائه الإقليميين في لحظة حرجة من تاريخ المنطقة، يعكس الترابط العضوي الوثيق بين ضربة بحر قزوين والتصعيد العسكري المتسارع في الخليج، ويميط اللثام عن استراتيجية وحدة الساحات بنسختها الدولية الجديدة، حيث باتت القرارات العسكرية والسياسية المتخذة في كييف، طهران، أو بغداد تتردد أصداؤها فوراً وبقوة في أروقة صنع القرار في بكين، واشنطن، وموسكو، مما يؤكد أن العالم قد انزلق بالفعل إلى جبهة عالمية موحدة ممتدة من حوض البحر الأسود وبحر قزوين وصولاً إلى مياه الخليج الدافئة وبحر الصين الجنوبي، بحيث أصبحت التحالفات العسكرية الدولية بمثابة أحجار دومينو مهيأة للسقوط نتيجة الحماقات.
نقلاً عن جريدة الوطن..