دخلت الحرب في السودان خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة جديدة، مع تحوّل جبهات كردفان والنيل الأزرق إلى ساحات رئيسية لاختبار موازين القوى، رغم مرور أكثر من عامين على اندلاع القتال، في وقت تتزايد فيه الدعوات الإقليمية والدولية للسلام، بينما يواصل الطرفان تعزيز مواقعهما العسكرية.
استنزاف متبادل على الجبهات
يواصل الجيش السوداني تقدمه في الخرطوم والجزيرة وشمال كردفان، بعد استعادة مواقع استراتيجية، فيما تحتفظ قوات الدعم السريع بقدرة هجومية لافتة، ظهرت في سيطرتها على أجزاء واسعة من مدينة قيسان بولاية النيل الأزرق، بالتعاون مع الحركة الشعبية "شمال".
كما تحاول قوات الدعم السريع بصورة متكررة اختراق محيط مدينة الأبيض، عاصمة شمال كردفان، عبر هجمات مدفعية واستخدام المسيّرات.
وتعكس هذه التطورات حالة من التذبذب الميداني، إذ يواصل كل طرف إلحاق خسائر بالآخر دون أن يتمكن من حسم المعركة، ما يشير إلى دخول الحرب مرحلة استنزاف متبادل أكثر من كونها تمهيدًا لحسم عسكري قريب.
وعود بالحسم وصعوبات ميدانية
تعهد رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا بإنهاء وجود قوات الدعم السريع قبل نهاية العام الجاري، في مؤشر على ثقة القيادة العسكرية بالزخم الذي حققته القوات المسلحة خلال الفترة الأخيرة.
لكن المعطيات الميدانية تفرض قراءة أكثر حذرًا؛ فالجيش، رغم مكاسبه، لا يزال بعيدًا عن السيطرة الكاملة على دارفور، التي تمثل معقلًا رئيسيًا لقوات الدعم السريع.
وفي المقابل، تواصل قوات الدعم السريع فتح جبهات جديدة كلما تعرضت لضغط في محور آخر، مستفيدة من سرعة تحركها واعتمادها المتزايد على الطائرات المسيّرة لتعويض ضعفها في القوة الجوية التقليدية.
وبذلك، يبدو مسار الحرب أقرب إلى موجات متتالية من التقدم والتراجع، تعيد رسم خطوط السيطرة محليًا، دون تغيير جوهري في المعادلة الاستراتيجية للصراع.
لم تعد الحرب مقتصرة على طرفيها المحليين، إذ تقف خلف التطورات الميدانية شبكة من المصالح الإقليمية والدولية المتشابكة، وأحيانًا المتعارضة، بما يعقّد فرص الوصول إلى تسوية سياسية أو حسم عسكري.
وتشير تقارير وتحقيقات مستقلة إلى ارتباط الإمارات بقيادة قوات الدعم السريع عبر مسارات تمويل وتسليح يُقال إنها تمر عبر إثيوبيا وتشاد، في ظل مصالح أبوظبي المرتبطة بالبحر الأحمر وموارد الذهب.
كما عرض الجيش السوداني مؤخرًا أسلحة قال إنها وصلت عبر شبكات إمداد إماراتية، مستندًا إلى أرقام عقود وبيانات تصنيع مرتبطة بمعدات روسية الصنع، في حين تواصل الإمارات نفي الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع.
أدوار إقليمية ودولية متشابكة
ويرى الخبير الأمني والمحلل السياسي عامر حسن عباس أن مصر تنظر إلى استقرار المؤسسة العسكرية السودانية باعتباره جزءًا مباشرًا من أمنها القومي، مشيرًا إلى دعمها للجيش وتنسيقها معه عبر الحدود الشمالية، إلى جانب محاولات القاهرة المتكررة لدفع مسار الوساطة وتهيئة ظروف أكثر استقرارًا.
أما روسيا، فتبدو سياستها أكثر تعقيدًا، إذ ارتبطت مجموعة فاغنر سابقًا، قبل انتقال نشاطها إلى ما يُعرف بـ"أفريكا كوربس"، بتسهيلات لتهريب الأسلحة عبر إفريقيا الوسطى لصالح قوات الدعم السريع في مرحلة سابقة.
وفي الوقت نفسه، تشير معطيات أخرى إلى استمرار التعاون بين موسكو والجيش السوداني في ملفات تسليحية مختلفة، بما يعكس رغبة روسية في الاحتفاظ بأوراق نفوذ لدى طرفي الصراع بدل الانحياز الكامل إلى أحدهما.
استمرار الحرب رغم الدعوات للسلام
ويفسر تعدد الجهات الخارجية الداعمة استمرار الحرب، رغم صعوبة تحقيق أي طرف انتصارًا عسكريًا حاسمًا بمفرده.
فكل دعم خارجي، سواء تمثل في التمويل أو التسليح أو الغطاء السياسي، يمنح الطرف المستفيد قدرة إضافية على تعويض خسائره وإعادة تنظيم صفوفه، ما يحوّل السودان إلى ساحة مفتوحة لتنافس إقليمي يتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وفي المقابل، يدفع المدنيون السودانيون الثمن الأكبر، بعدما أدت الحرب إلى تشريد الملايين وتحويل مدن ومناطق واسعة إلى ساحات للنهب والدمار، كما حدث في أسواق مدينة قيسان مؤخرًا.
ويرى مراقبون أن استمرار تدفق السلاح من مصادر خارجية سيجعل من الصعب وقف الحرب، ما لم يتبلور ضغط دولي حقيقي يفرض قيودًا فعالة على مصادر التسليح ويدفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار.
الجيش يتحدث عن مكاسب ميدانية
وفي قراءة للتطورات الأخيرة، قال المحلل السياسي السوداني اللواء الدكتور محمود إبراهيم إسماعيل أبكر إن الجيش السوداني حقق، وفق تقديره، مكاسب عسكرية في عدد من المحاور، خصوصًا في شمال كردفان وجنوب كردفان.
وأشار إلى أن القوات المسلحة تفرض حصارًا على قوات الدعم السريع في عدد من المناطق، معتبرًا أن الدعوات الإقليمية والدولية للسلام والتفاوض تعكس، من وجهة نظره، الضغوط التي تواجهها قوات الدعم السريع.
وربط أبكر بين تصاعد المطالبات بوقف إطلاق النار وفتح ممرات لإيصال المساعدات الإنسانية وبين التطورات العسكرية الأخيرة، معتبرًا أن الدعوات إلى التفاوض تتزايد عقب التغيرات التي تشهدها خطوط المواجهة.
وبينما يواصل الجيش السوداني الدفع باتجاه تعزيز مكاسبه الميدانية، تحتفظ قوات الدعم السريع بقدرة على شن هجمات مضادة وفتح جبهات جديدة، ما يجعل سيناريو الحرب الطويلة أكثر ترجيحًا في ظل غياب تسوية سياسية شاملة.