تثير تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، التي دعا فيها إلى ضم مناطق من قطاع غزة وجنوب لبنان، إلى جانب شن حرب في الضفة الغربية وتفكيك السلطة الفلسطينية، تساؤلات واسعة حول طبيعة التحركات الإسرائيلية في المنطقة، وما إذا كانت تل أبيب تتجه إلى تثبيت واقع جغرافي جديد يتجاوز العمليات العسكرية المؤقتة إلى ترتيبات أكثر ديمومة.
وفي هذا السياق، كان لموقع "المبادرة" حواراً مع الدكتور هيثم عمران أستاذ العلوم السياسية بمصر، للوقوف على دلالات هذه التصريحات ومسارات التصعيد الإسرائيلي في المنطقة، حيث تناول دلالات التحرك الإسرائيلي المتزامن في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، وما يعكسه من توجهات نحو تثبيت وقائع جغرافية جديدة، إلى جانب تداعيات استهداف السلطة الفلسطينية واحتمالات اتساع نطاق التصعيد إقليميًا خلال المرحلة المقبلة.
........ إلى نص الحوار:
*بداية.. كيف تقرأ تصريحات سموتريتش الأخيرة بشأن ضم أجزاء من غزة وجنوب لبنان والدعوة إلى شن حرب في الضفة الغربية؟
- تصريحات سموتريتش ليست مجرد حديث عابر، لأنها تأتي من وزير في الحكومة الإسرائيلية، كما أنها تتسق مع مواقف سابقة أعلنها بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة. والجديد في التصريحات الأخيرة هو الجمع بين ثلاث ساحات في خطاب واحد: غزة والضفة ولبنان، وهو ما يعكس تصورًا يقوم على أن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تقتصر على إدارة الصراع، وإنما إعادة صياغة البيئة الجغرافية والأمنية المحيطة بإسرائيل. وعندما يتحدث عن الوصول إلى "الخط الأصفر" في غزة ونهر الليطاني في لبنان، فهو يتحدث عن تحويل خطوط السيطرة العسكرية إلى مناطق نفوذ دائمة، وهذا أمر بالغ الخطورة، لأنه ينقل الصراع من مفهوم العمليات العسكرية إلى محاولة فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة. هذه التصريحات تعكس إصرار دولة الاحتلال الإسرائيلي على دفع المنطقة نحو التصعيد أكثر، وإقرار واقع جغرافي جديد.
*وهل يمكن اعتبار هذه التصريحات تعبيرًا عن سياسة إسرائيلية متكاملة أم أنها مرتبطة بالحسابات الداخلية وظروف الانتخابات؟
- علينا أن نميز بين الأمرين. سموتريتش يمثل تيارًا سياسيًا واضحًا داخل اليمين الإسرائيلي، وله مواقف معلنة منذ سنوات بشأن التوسع الاستيطاني وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية. وفي الوقت نفسه، تأتي هذه التصريحات في بيئة سياسية إسرائيلية شديدة الحساسية خاصة في مرحلة الانتخابات بحساباتها المعقدة، وبالتالي لا يمكن فصل الخطاب السياسي عن الحسابات الداخلية والمنافسة بين التيارات السياسية المختلفة. لكن وجود خلفية عملية لهذه الأفكار يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تصريحات للاستهلاك السياسي، خصوصًا أن الحديث عن التوسع والضم سبق أن ظهر في مواقف وخطط إسرائيلية متعددة.
*ماذا يعني الحديث عن الوصول إلى نهر الليطاني بالنسبة إلى لبنان؟
- الحديث عن الليطاني يحمل دلالة جغرافية واستراتيجية كبيرة، لأن النهر يقع في عمق الجنوب اللبناني، وبالتالي فإن الوصول إليه يعني عمليًا توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية بصورة كبيرة. وهنا يجب الانتباه إلى أن التصريحات الإسرائيلية تأتي في وقت يرتبط فيه الوضع في جنوب لبنان بمعادلات أمنية وعسكرية شديدة التعقيد، بينما تطرح إسرائيل باستمرار مسألة إبعاد قدرات حزب الله عن المناطق القريبة من الحدود. لكن الانتقال من الحديث عن ترتيبات أمنية إلى الحديث عن ضم الأرض يغير طبيعة المسألة بالكامل، ويجعلها مرتبطة مباشرة بسيادة لبنان ووحدة أراضيه، وهو ما قد يفتح الباب أمام تداعيات إقليمية أوسع.
*وماذا عن قطاع غزة؟ هل يمكن أن يتحول "الخط الأصفر" إلى واقع دائم؟
- هذا أحد أخطر السيناريوهات المطروحة، لأن الخط الأصفر نشأ في سياق ترتيبات عسكرية وأمنية، وبالتالي فإن تحويله إلى حدود ثابتة أو منطقة ضم سيكون تحولًا كبيرًا في طبيعة الصراع. عندما يتحدث وزير إسرائيلي عن ضم المناطق الواقعة حتى هذا الخط، فإن الرسالة تتجاوز فكرة السيطرة العسكرية المؤقتة إلى محاولة تثبيت واقع جغرافي جديد. كما أن الحديث عن إقامة مستوطنات أو إعادة وجود إسرائيلي دائم داخل قطاع غزة يضيف بعدًا آخر إلى القضية، لأن ذلك يعني الانتقال من العمليات العسكرية إلى محاولة تغيير طبيعة القطاع وتركيبته الجغرافية والسياسية.
*هل الضفة الغربية هي الساحة الأخطر في المرحلة المقبلة؟
- الضفة الغربية مرشحة لأن تكون من أكثر الساحات حساسية، لأن أي تصعيد واسع فيها ستكون له تداعيات مباشرة على السلطة الفلسطينية وعلى مستقبل القضية الفلسطينية. سموتريتش لم يتحدث فقط عن شن حرب في الضفة، وإنما تحدث أيضًا عن تفكيك السلطة الفلسطينية، وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن إضعاف السلطة أو إنهاء دورها قد يؤدي إلى فراغ سياسي وأمني ستكون له تداعيات كبيرة على المنطقة بأكملها.كما أن استمرار التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين يمثلان عاملين يزيدان من احتمالات التصعيد، خصوصًا مع غياب أفق سياسي واضح يمكن أن يعيد إنتاج عملية تفاوضية ذات معنى.
*هل نحن أمام محاولة إسرائيلية لإعادة رسم خريطة المنطقة؟
- هناك مؤشرات على محاولة توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية في أكثر من جبهة، لكن يجب أن نكون دقيقين وألا نقول إن هناك خريطة نهائية تم اعتمادها بالفعل. الأدق هو القول إن هناك تيارًا إسرائيليًا يدفع باتجاه استثمار التفوق العسكري لفرض وقائع جديدة على الأرض. غزة والضفة ولبنان تمثل ساحات مختلفة، لكن الرابط بينها هو السعي إلى إنشاء مناطق عازلة أو مناطق سيطرة طويلة الأمد تحت مبررات أمنية.والخطورة هنا أن استمرار هذا المسار قد يجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر صعوبة، لأن كل تغيير جغرافي على الأرض يخلق معادلة تفاوضية جديدة ويجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر تعقيدًا.
*وماذا عن الموقف الدولي؟ وهل يمكن أن يحد من هذا المسار؟
- الموقف الدولي يمثل عاملًا مهمًا، لكنه ليس العامل الوحيد. هناك ضغوط سياسية ودبلوماسية متزايدة بشأن الاستيطان والسياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، لكن السؤال الأساسي هو مدى قدرة هذه الضغوط على التأثير في القرار الإسرائيلي.هناك تيارات داخل الحكومة الإسرائيلية ترى أن الضغوط الخارجية يجب مواجهتها، وليس الاستجابة لها، وبالتالي فإن قدرة المجتمع الدولي على منع فرض وقائع جديدة ستتوقف إلى حد كبير على طبيعة الأدوات التي يمكن استخدامها، وليس فقط على البيانات السياسية. ونحن أمام اختبار حقيقي للدبلوماسية الدولية: هل ستنجح في منع تحويل السيطرة العسكرية إلى واقع دائم، أم ستستمر الحقائق الجديدة في فرض نفسها على أي مفاوضات مستقبلية.
*ما السيناريو الأخطر الذي يجب مراقبته خلال الفترة المقبلة؟
- أخطر ما يجب مراقبته هو تحول التصريحات السياسية إلى إجراءات ميدانية متزامنة في أكثر من جبهة؛ توسيع السيطرة في غزة، وتصعيد واسع في الضفة الغربية، واستمرار التمدد العسكري داخل جنوب لبنان. إذا حدث ذلك بالتزامن، فإن المنطقة لن تكون أمام جولات منفصلة من التصعيد، وإنما أمام أزمة إقليمية مترابطة، إضافة إلى الوضع الحالي في المنطقة وخاصة حرب إيران وتبعاتها. ولذلك فإن التعامل مع كل ساحة باعتبارها ملفًا منفصلًا قد لا يكون كافيًا. المطلوب هو مراقبة العلاقة بين التطورات في غزة والضفة ولبنان، لأن أي تغيير كبير في واحدة منها قد ينعكس مباشرة على الساحتين الأخريين، وقد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.
منبر الرأي
بين السطور