بث تجريبي

د. علي ثابت صبري: الانقسام الكردي يهدد بعودة تجربة الإدارتين المنفصلتين في كردستان العراق

اعتبر الدكتور علي ثابت صبري، الأكاديمي المتخصص في التاريخ وشؤون الهويات، أن قرار الاتحاد الوطني الكردستاني الانسحاب من حكومة إقليم كردستان العراق، ورفض الاعتراف بشرعية جلسة البرلمان المنعقدة في أربيل، يعكس عمق الانقسام الكردي الداخلي، ويكشف عن أزمة سياسية تتجاوز الخلاف على تشكيل الحكومة أو إدارة المؤسسات الدستورية، لتطال طبيعة المشروع السياسي ومستقبل الوحدة الكردية.

وقال صبري، في تصريحات خاصة لـ"المبادرة"، إن التطورات الأخيرة تعيد إلى الواجهة أحد أبرز التحديات التي تواجه مشروع الوحدة الكردية الديمقراطية، والمتمثل في غياب التوافق بين القوى الكردية بشأن الإطار السياسي الذي ينبغي أن تنتظم داخله القضية الكردية، مشيراً إلى أن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني لا يقتصر على توزيع النفوذ والمناصب، وإنما يرتبط أيضاً بتباين الرؤى والتحالفات الإقليمية وطبيعة العلاقة مع دول المنطقة.

موقف بافل طالباني

وأضاف أن موقف رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني، بافل طالباني، من مساعي الوحدة الكردية خلال مشاركته في المؤتمر الوطني الكردستاني الرابع والعشرين، عكس دعماً لعملية السلام والحوار، لكنه في الوقت نفسه أكد تمسك الحزب بالعراق باعتباره الإطار الدستوري والسياسي لحل القضايا العالقة، وهو ما ظهر في تأكيده أن بغداد تمثل العمق الاستراتيجي للاتحاد الوطني، وأن معالجة المشكلات ينبغي أن تتم من خلالها.

وأوضح أن هذا التوجه يختلف عن رؤية منظومة المجتمع الكردستاني التي تسعى إلى بناء إطار سياسي كردي عابر للحدود، يقوم على مفهوم الأمة الديمقراطية والتعددية واللامركزية، بما يفتح المجال أمام صيغة أوسع للتنسيق بين المكونات الكردية في أجزاء كردستان المختلفة.

مقاربة مختلفة لدى البارزانيين

وأشار الأكاديمي المتخصص في التاريخ وشؤون الهويات إلى أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، يتبنى بدوره مقاربة مختلفة، في ظل علاقاته الوثيقة مع تركيا وموقفه الرافض للمشروعات السياسية المرتبطة بمنظومة المجتمع الكردستاني وحزب العمال الكردستاني، وهو ما يضيف بعداً إقليمياً إلى الخلافات الداخلية ويجعل فرص التوافق أكثر تعقيداً.

وحذر صبري من أن استمرار التصعيد بين أربيل والسليمانية قد يعيد الإقليم إلى تجربة الإدارتين المنفصلتين، التي عاشها بين عامي 1998 و2005، معتبراً أن التلويح بتشكيل مؤسسات ومناصب موازية في السليمانية يمثل تطوراً بالغ الخطورة، لأنه قد يؤدي إلى إضعاف المؤسسات الدستورية وتعميق الانقسام الجغرافي والسياسي داخل الإقليم.

التحدي الأكبر

وشدد على أن التحدي الأكبر أمام القوى الكردية لا يتمثل فقط في انتزاع اعتراف إقليمي ودولي بمشروعات الحل الديمقراطي واللامركزية، وإنما في بناء حد أدنى من الثقة والتفاهم بين الأطراف الكردية نفسها، وتقديم المصلحة المشتركة على الحسابات الحزبية والتكتيكية، مؤكداً أن غياب هذا التوافق يجعل أي مشروع للوحدة عرضة للاختراق والتعثر.

ولفت إلى أن المرحلة المقبلة، ولا سيما خلال عامي 2026 و2027، ستكون حاسمة في تحديد مستقبل القضية الكردية، في ضوء الاختبار الذي تواجهه مبادرات الحوار والوحدة، وقدرة القوى السياسية على تحويل الخلافات إلى أرضية للتفاوض والتوافق.

واختتم صبري تصريحاته بالتأكيد على أن مستقبل الكرد في الشرق الأوسط لن يتحدد عبر موازين القوة وحدها، وإنما بمدى القدرة على بناء نموذج سياسي تعددي يضمن إدارة الاختلافات داخلياً، ويحافظ على الحقوق والمكتسبات، ويؤسس لشراكة مع شعوب المنطقة ومكوناتها، محذراً من أن العودة إلى منطق الإدارات المنفصلة ستشكل انتكاسة للمشروع الكردي وتضعف قدرته على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

 

قد يهمك