بث تجريبي

مصطفى صلاح لـ”المبادرة”: الكرد “صانعو الملوك” في تركيا، وترشح أردوغان للرئاسة مرهون بتفاهم معهم

تتجه الأنظار في تركيا مبكرًا إلى انتخابات الرئاسة المقررة عام 2028، في ظل تمسك حزب الحركة القومية، الحليف الرئيسي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، بدعم الرئيس رجب طيب أردوغان مرشحًا مجددًا، رغم الجدل الدستوري بشأن أحقيته في خوض الانتخابات لولاية جديدة.

وأعلن إسماعيل أوزدمير، نائب رئيس حزب الحركة القومية، خلال مؤتمر للحزب في ولاية قيصري، أن الانتخابات العامة ستُجرى في عام 2028، مؤكدًا أن أردوغان سيكون مرشح الحزب مجددًا للرئاسة، من دون أن يوضح الآلية الدستورية التي ستتيح له خوض السباق الانتخابي.

وكان أردوغان قد انتُخب رئيسًا عام 2014 في ظل النظام البرلماني السابق، قبل إعادة انتخابه عام 2018 بعد الانتقال إلى النظام الرئاسي، ثم فاز بولاية جديدة في انتخابات 2023. ويترك ذلك جدلًا بشأن كيفية احتساب ولاياته الرئاسية في ظل النظام الحالي، وما إذا كان بإمكانه الترشح مجددًا عام 2028.

وينص الدستور التركي على انتخاب رئيس الجمهورية لولايتين، مع وجود استثناء يسمح للرئيس بالترشح لولاية إضافية إذا قرر البرلمان إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة خلال الولاية الثانية. ويتطلب قرار إجراء الانتخابات المبكرة موافقة 360 نائبًا من أصل 600، بينما لا يمتلك تحالف الشعب، الذي يضم حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، العدد الكافي من المقاعد لتمرير القرار منفردًا.

وفي هذا السياق، سبق أن طرح مستشار أردوغان، محمد أوتشوم، إجراء الانتخابات في 16 أبريل 2028، أي قبل الموعد المتوقع، بما قد يتيح الاستفادة من الاستثناء الدستوري، وهو الطرح الذي أيده زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي.

كما يظل تعديل الدستور أحد السيناريوهات المطروحة لتغيير القواعد المنظمة للولايات الرئاسية، إلا أن تمرير تعديل دستوري يتطلب أغلبية أكبر من تلك التي يمتلكها التحالف الحاكم، ما يجعل هذا المسار مرتبطًا بالحصول على دعم من قوى سياسية أخرى داخل البرلمان.

                                                                                             مصطفى صلاح      

                                                                                       مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية

مصطفى صلاح: أردوغان استنفد الولايتين.. والمعادلة تتجاوز الجانب القانوني

وفي قراءة للمشهد، قال مصطفى صلاح، مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية، لـ«المبادرة»، إن الحديث عن إمكانية ترشح أردوغان مجددًا يبدأ من حقيقة أن الرئيس التركي، وفق القراءة الدستورية التي تعتبر ولايتي 2018 و2023، استنفد الولايتين المنصوص عليهما دستوريًا، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى مسار دستوري وسياسي يسمح بإدخاله مجددًا إلى السباق الانتخابي.

وأوضح صلاح أن تحالف الشعب، المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، يمتلك حاليًا 327 مقعدًا في البرلمان التركي، في حين أن أي مسار يسمح لأردوغان بالترشح مجددًا يحتاج إلى دعم برلماني إضافي.

وأشار إلى وجود مسارين رئيسيين أمام أردوغان، أولهما تعديل الدستور، والثاني إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، موضحًا أن تعديل الدستور يتطلب موافقة 400 نائب، وهي أغلبية الثلثين في البرلمان المؤلف من 600 مقعد.

وأضاف أن الوصول إلى 400 صوت يبدو صعبًا في ظل امتلاك تحالف الشعب 327 مقعدًا فقط، الأمر الذي يجعل خيار الانتخابات الرئاسية المبكرة، وفق تقديره، أقرب من الناحية السياسية.

وبحسب صلاح، فإن الدعوة إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة تحتاج إلى موافقة 360 نائبًا من أصل 600، ما يعني أن تحالف أردوغان يحتاج إلى نحو 33 صوتًا إضافيًا من أحزاب أخرى لتمرير هذا المسار.

«صانعو الملوك».. دور المعارضة الكردية في معادلة 2028

ويرى مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية أن المشهد الانتخابي التركي لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة قانونية أو دستورية فقط، بل إن العامل السياسي سيكون حاسمًا في تحديد قدرة أردوغان على جمع الأصوات المطلوبة داخل البرلمان.

وأوضح أن طبيعة التحالفات السياسية في تركيا تختلف من انتخابات إلى أخرى، إذ قد تدخل الأحزاب في تحالفات خلال الانتخابات البرلمانية تختلف عن ترتيباتها في الانتخابات الرئاسية، كما تختلف حسابات الانتخابات المحلية عن الاستحقاقات الأخرى.

وقال صلاح إن تركيا أمام «معترك سياسي وليس معتركًا قانونيًا»، مشيرًا إلى أن النصوص الدستورية تحدد الإطار العام، لكن قدرة أردوغان على جمع الكتلة البرلمانية اللازمة ستكون العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد المسار الذي يمكن أن يسلكه.

وفي هذا السياق، رجح صلاح أن يكون حزب المساواة وديمقراطية الشعوب أحد أبرز الأطراف التي يمكن أن تلعب دور «صانع الملوك» في هذه المعادلة، نظرًا إلى امتلاكه كتلة برلمانية يمكن أن تصبح مؤثرة في حال احتاج تحالف أردوغان إلى أصوات إضافية لتمرير أحد المسارات الدستورية أو السياسية المطروحة.

ولفت إلى أن إمكانية دعم الحزب الكردي لأي مسار يتعلق بتمكين أردوغان من الترشح مجددًا لن تكون، في تقديره، منفصلة عن طبيعة المبادرات التي يمكن أن تقدمها الحكومة التركية بشأن القضية الكردية.

الحقوق الكردية مقابل دعم المسار الدستوري

ويرى صلاح أن أي تفاهم محتمل بين الحكومة التركية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب قد يرتبط بملفات سياسية ودستورية وقانونية تتعلق بالحقوق الكردية، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يفتح الباب أمام صيغة سياسية أوسع بين الجانبين.

وأشار إلى أهمية ما وصفه بمبادرات الحكومة التركية المرتبطة بالاعتراف بالحقوق الكردية، وإنهاء أعمال «لجنة التضامن والأخوة والديمقراطية» التي تعمل على وضع إطار عام دستوري وسياسي وقانوني للقضية، إلى جانب مبادرات أخرى مرتبطة بمسار «تركيا خالية من الإرهاب».

وبحسب صلاح، فإن أردوغان قد يسعى، بطريقة أو بأخرى، إلى ربط مسألة حصوله على فرصة للترشح لولاية رئاسية جديدة بإحراز تقدم في ملف الحقوق الكردية، معتبرًا أن هذه المعادلة يمكن أن تمنح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب فرصة أكبر للانخراط في العملية السياسية والتفاوض على قضايا تتعلق بالحقوق الثقافية والاجتماعية والسياسية للكرد داخل تركيا.

وقال إن السيناريو المحتمل قد يقوم على تعاون سياسي بين حزب العدالة والتنمية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب بشأن تمرير المسار الدستوري الذي يسمح لأردوغان بالترشح مجددًا، مقابل خطوات ملموسة في ملف الحقوق الكردية.

وأضاف أن مثل هذا المسار، في حال تطور، لن يكون مجرد صفقة انتخابية قصيرة الأجل، وإنما قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب أوسع للمشهد السياسي التركي، خصوصًا إذا تزامن مع خطوات دستورية وقانونية تتعلق بالقضية الكردية.

الانتخابات المبكرة.. السيناريو الأقرب؟

وبينما يبدو تعديل الدستور مسارًا أكثر تعقيدًا بسبب الحاجة إلى 400 صوت، يرى صلاح أن إجراء انتخابات مبكرة قد يكون السيناريو الأقرب، لكونه يحتاج إلى 360 نائبًا فقط، ما يجعل الفارق بين ما يمتلكه تحالف الشعب وما يحتاج إليه لتمرير القرار محدودًا نسبيًا.

ويشير هذا السيناريو إلى أن المعركة السياسية لن تدور فقط بين الحكومة والمعارضة حول شخصية أردوغان، وإنما حول قدرة الأطراف المختلفة على بناء تفاهمات داخل البرلمان، خاصة أن الأصوات الإضافية المطلوبة يمكن أن تجعل أحزابًا خارج تحالف الحكومة طرفًا حاسمًا في تحديد مستقبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وأكد صلاح أن التجارب الانتخابية السابقة أظهرت أهمية الأحزاب الصغيرة أو الكتل البرلمانية التي تستطيع ترجيح كفة طرف على آخر، موضحًا أن حزب النصر، بزعامة أوميت أوزداغ، كان في مراحل سابقة قريبًا من لعب دور «صانع الملوك» في المنافسة بين أردوغان وكمال كليتشدار أوغلو، خصوصًا خلال انتخابات 2023.

لكنه لفت إلى أن طبيعة التحالفات في السياسة التركية متغيرة، وأن التحالفات التي تتشكل في الانتخابات البرلمانية ليست بالضرورة نفسها التي تظهر في الانتخابات الرئاسية، وهو ما يجعل حسابات انتخابات 2028 مفتوحة على احتمالات متعددة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مسألة ترشح أردوغان في انتخابات 2028 مرتبطة بتداخل ثلاثة عوامل رئيسية: الإطار الدستوري، والقدرة على تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة، وطبيعة التفاهمات السياسية التي يمكن أن تتشكل خلال الفترة المقبلة.

ويرى مصطفى صلاح أن العامل السياسي سيكون صاحب التأثير الأكبر في نهاية المطاف، مؤكدًا أن القضية، رغم طابعها الدستوري والقانوني، ستُحسم إلى حد كبير وفق قدرة أردوغان وحلفائه على بناء كتلة سياسية قادرة على تمرير المسار الذي يتيح له خوض الانتخابات مجددًا.

ومن ثم، فإن انتخابات 2028 قد تتحول إلى محطة لإعادة تشكيل التحالفات السياسية في تركيا، خاصة إذا أصبح حزب المساواة وديمقراطية الشعوب طرفًا أساسيًا في معادلة الأصوات المطلوبة، وما قد يترتب على ذلك من تفاهمات حول القضية الكردية والإصلاحات الدستورية والسياسية.

قد يهمك