جاءت صفقة اليونان وإسرائيل الدَّفاعيذَة الأضخم في تاريخ العلاقة بين البلدين، بقيمة تناهز ثلاثة مليارات يورو، دون أنْ يقتصر الأمر على مجرد بيع منظومات صاروخيَّة، بل عن إعادة تشكيل خريطة الرَّدع في شرق المتوسط بأكملها.
لا يمكن توصيف مشروع "درع أخيل"، بأنَّهُ صفقة تسليح تقليديَّة تُضاف إلى سجل التَّعاون العسكري بين تل أبيب وأثينا، ولكنَّهُ يمثل -وفقاً للمعطيات الرَّاهنة- بنية دفاعيَّة متكاملة تجمع تحت مظلَّة واحدة منظومات "مقلاع داود وسبايدر وباراك إم إكس"، في محاولة لإغلاق المجال اليوناني جوَّاً وبحراً وتحت سطح الماء، وهذا التَّكامل بالذَّات، هو ما يمنحها ثقلها الاستراتيجي الحقيقي.
يذهب الدَّكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السِّياسيَّة، إلى أنّ قراءة هذه الصَّفقة بعيداً عن السِّياق التركي تفرغها من مضمونها الفعلي، ذلك أنَّ أثينا تنفق ما يقارب 3.5% من ناتجها المحلّي على التَّسلح لسبب واحد لا يتغير منذ عقود، وهو مواجهة عقيدة الوطن الأزرق الّتي يتبناها أردوغان، وتعتبر مساحات واسعة من شرق المتوسط امتداداً طبيعياً للنَّفوذ التُّركي على حساب اليونان وقبرص، وبالتَّالي فالمنظومة إذن لم تولد من فراغ استراتيجي، وإنَّما جاءت نتيجة تراكم نزاع حدودي وبحري لم يجد تسوية دائمة رغم العشرات من جولات التَّفاوض والوساطات الأوروبِّيَّة.
البعد الاقتصادي في هذه المعادلة لا يقلُّ أهمِّيَّة عن البعد العسكري، وربَّما يفوقه من حيث الجذور، فحقول الغاز المكتشفة قبالة سواحل قبرص ومصر وإسرائيل حوّلت شرق المتوسط من مسرح نزاع جيوسياسي تقليدي إلى ساحة تنافس على موارد طاقة يُحسب لها حساب اقتصادي مباشر، وتركيا الّتي وجدت نفسها خارج ترتيبات منتدى غاز شرق المتوسط، ردَّت بتوقيع مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق اللِّيبية سابقاً لترسيم حدود بحريَّة متنازع عليها، في خطوةٍ اعْتُبِرَتْ محاولة لفرض أمر واقع يمنحها موطئ قدم قانونيَّاً في مناطق يُفْتَرَضُ أنَّها ضمن المياه الاقتصاديَّة اليونانيَّة أو القبرصيَّة، ومن ثمَّ فإنَّ أيّ تحالف دفاعي يهدف إلى حماية هذه الحقول واستثماراتها يصطدم حتماً بحسابات أنقرة، سواءً أُعلن ذلك صراحةً أم لا.
ويقدِّم المتخصص في تسوية النِّزاعات الدَّكتور محمد الشَّرقاوي زاوية مكمِّلة حين يشير إلى أنَّ هذا النَّوع من التَّسلح التَّصاعدي نادراً ما يفضي إلى ردع مستقر، وغالباً ما يغذي دورة من التَّسلح المضاد، فتركيا لم تقف مكتوفة الأيدي أمام «درع أخيل»، حيث أعلنت شركاتها الدِّفاعية في أواخر العام الماضي توقيع عقود بقيمة 6 مليارات و500 مليون دولار لتطوير منظومتها الخاصَّة المعروفة باسم «القبة الفولاذيَّة»، في سباق تسلح إقليمي يعكس غياب أيّ أفق تفاوضي جاد بين الأطراف المعنيَّة. وهذا ما يجعل الحديث عن الاستقرار في شرق المتوسط أقرب إلى تمنٍ سياسي منه إلى وصف واقعي لحالة توازن قلقة قابلة للانفجار عند أي احتكاك عرضي بين سفن حربيَّة أو طائرات استطلاع.
ورغم محاولات التَّطبيع المتقطعة على مدار السَّنوات الماضية، لم تتجاوز العلاقة الإسرائيليَّة التُّركيَّة حدود التَّعايش الحذر القائم على المصالح الاقتصاديَّة المشتركة، خاصَّةً في ملف الطَّاقة والتِّجارة الثُّنائية، لكن انخراط إسرائيل العميق في بناء العمق الدِّفاعي اليوناني يُقْرَأُ في أنقرة على أنَّهُ محاولة لتطويق تركي، لا مجرَّد تعاون ثنائي بريء بين تل أبيب وأثينا، فحين تتحوَّل إسرائيل من مورد سلاح عابر إلى شريك يبني البنية التَّحتيَّة الدِّفاعيَّة الوطنيَّة لخصم إقليمي لتركيا، يصبح من الصَّعب فصل هذا التَّحوُّل عن حسابات الصِّراع الأوسع الدَّائر بين الطَّرفين على النَّفوذ في سوريا وليبيا وشرق المتوسط.
لا يمكن النَّظر إلى «درع أخيل»، باعتباره حدثاً دفاعيَّاً معزولاً، ولكنَّهُ يمثِّل عتبة جديدة في مسار طويل من إعادة ترتيب التَّحالفات الإقليميَّة حول موارد الطَّاقة وحدود النَّفوذ البحري، فما بدأ كنزاع حدودي كلاسيكي بين أثينا وأنقرة يتحوَّل تدريجيَّاً إلى معادلة إقليميَّة متعدِّدة الأطراف، تتقاطع فيها حسابات الغاز مع حسابات الرَّدع العسكري، وتتحوَّل فيها كلّ صفقة تسليح كبرى إلى رسالة سياسيَّة موجّهة بقدر ما هي إضافة تقنية لميزان القوى، وطالما استمرَّ النِّزاع البحري وصراع الطَّاقة بلا تسوية، فإنَّ مشروعات من طراز «درع أخيل» لن تكون سوى محطة في سلسلة أطول من التَّصعيد المضبوط الّذي يمكن أنْ يخرج عن السَّيطرة في أيّ لحظة.
المصدر: وكالة فرات للأنباء