بينما يتيح التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل، نتيجة التدخلات العسكرية والتحالفات الجديدة في سوريا وشرق البحر المتوسط، فرصًا مهمة أمام الكرد، فإن التحول إلى بيادق لأحد الطرفين سيؤدي إلى خسائر كبيرة.
إن مساعي تركيا وإسرائيل لفرض الهيمنة في الشرق الأوسط، وفي مقدمتها سوريا، تؤدي إلى تعميق حالة الفوضى في المنطقة. ولا ينبغي اختزال هذه المنافسة في التصريحات المتبادلة أو احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها صراعًا على تشكيل النظام المستقبلي في المنطقة الأوسع، وعلى الجغرافيا السياسية وشبكات الطاقة والممرات الإقليمية.
صراع شرق البحر المتوسط
أصبح شرق البحر المتوسط وسوريا نقطة تقاطع للمشاريع الإقليمية المتنافسة. وتسعى تركيا إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية من خلال استغلال موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع سوريا والعراق، بينما تحاول إسرائيل منع ظهور قوة إقليمية يمكن أن تغير توازن القوى بما يتعارض مع مصالحها.
وفي أغسطس 2026، شكل الهجوم الذي شنته إسرائيل على منشأة عسكرية في سوريا، إلى جانب تصاعد التحذيرات المتبادلة بشأن الدور التركي في سوريا، مؤشرًا على أن المنافسة ارتقت إلى مستوى أكثر حساسية.
ولا يقتصر الصراع على الطاقة؛ فعلى الرغم من أن الغاز الطبيعي ظل لفترة طويلة يُنظر إليه باعتباره أحد العناصر الرئيسية في صراع شرق البحر المتوسط، لم يعد من الكافي اختزال الوضع في قضية الغاز الطبيعي وحدها. فقد أصبحت المنافسة تدور الآن حول منظومة متكاملة تشمل الموانئ، والطرق البحرية، وخطوط الطاقة والكهرباء، وشبكات التجارة، والروابط بين آسيا وأوروبا، وموقع الدول في النظام الاقتصادي الإقليمي الجديد.
وترى تركيا نفسها مركزًا جغرافيًا لا غنى عنه لتدفقات التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، إلا أن المشاريع والشبكات الإقليمية قد تقلل اعتماد بعض الأطراف على الطرق التركية. ولذلك، فإن الخلاف في شرق البحر المتوسط له بُعد اقتصادي، لكنه في جوهره صراع على السيطرة على قنوات الاتصال الإقليمية. ومن ثم، تكتسب العلاقات الإسرائيلية اليونانية وموقع قبرص أهمية متزايدة في الحسابات التركية.
خطورة الصراع واحتمال الحرب
كلما ازدادت قوة شبكة التعاون بين إسرائيل واليونان وقبرص، نظرت أنقرة إليها باعتبارها تحمل إمكانية إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وكلما توسعت تركيا في سوريا وشرق البحر المتوسط، ازدادت مخاوف إسرائيل من ظهور تركيا كمنافس إقليمي أكثر تأثيرًا.
ومن المهم جدًا التمييز بين خطورة الصراع واحتمال اندلاع حرب مباشرة. وفي هذا السياق، فإن المنافسة بين تركيا وإسرائيل حقيقية، وليست مجرد دعاية انتخابية أو إعلامية. وهناك تعارض واضح في المصالح، خصوصًا فيما يتعلق بسوريا وشرق البحر المتوسط والممرات المائية الإقليمية.
وفي ظل تنامي التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان، يظهر أن تركيا تستعد لسيناريوهات تتراوح بين الأزمات والتوترات وصولًا إلى احتمالات أكثر خطورة. إلا أن ذلك لا يعني أن أنقرة أو تل أبيب تريدان حربًا مباشرة. فالحرب بين قوتين إقليميتين بهذا الحجم ستكون مكلفة، وقد تخرج سريعًا عن السيطرة.
ولهذا السبب، تبدو الردع، وبناء التحالفات، والضغوط غير المباشرة، واختبار الخطوط الحمراء، أكثر احتمالًا من الدخول في مواجهة شاملة. وبالتالي، فإن التعريف الأدق هو: منافسة استراتيجية حقيقية مدعومة بالمبالغة الإعلامية والخطاب الردعي، بينما تظل الحرب المباشرة احتمالًا ثانويًا ما لم تحدث تطورات مهمة.
سوريا: ساحة للمنافسة غير المباشرة
تبدو الساحة السورية المجال الأكثر حساسية. فإذا كان شرق البحر المتوسط يمثل المجال البحري للصراع، فإن سوريا تشكل أخطر مجال بري وأمني.
وترى تركيا سوريا جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي وعمقها الاستراتيجي، وتسعى إلى ضمان ألا تتحول الأراضي السورية إلى مصدر تهديد على حدودها أو إلى قاعدة لوجود عسكري كردي مستقل. أما إسرائيل، فترى أن أي توسع عسكري تركي داخل سوريا يمثل عاملًا يمكن أن يغير توازن القوى ويقيد حرية حركتها.
وقد كشف الهجوم الإسرائيلي الأخير على قاعدة أبو الظهور الجوية في سوريا عن حساسية هذه القضية. وتحمل إسرائيل مخاوف بشأن احتمال تمركز تركيا في سوريا.
ومن ثم، يمكن أن تتحول سوريا إلى ساحة للمنافسة غير المباشرة، حيث يحاول الطرفان التأثير في شكل الدولة السورية، ومؤسساتها الأمنية، وعلاقاتها الإقليمية، وموقعها في خرائط النفوذ الجديدة.
ويمثل هذا الوضع أكبر خطر على سوريا نفسها؛ إذ إن استمرار المنافسة الإقليمية قد يؤخر عملية بناء الدولة، ويضع القضايا الأمنية في مقدمة الإصلاحات السياسية والدستورية والاقتصادية.
الكرد في المعادلة
في ظل هذه البيئة، تصبح القضية الكردية ذات أهمية بالغة. فتركيا تنظر إلى وجود قوة كردية مسلحة مستقلة بالقرب من حدودها باعتباره قضية تتعلق بالأمن القومي، بينما قد ترى إسرائيل، في ظروف معينة، أن القوى المحلية التي يمكنها موازنة النفوذ التركي تمثل عاملًا مفيدًا.
لكن من الخطأ الاستنتاج أن إسرائيل ستتبنى بالضرورة المشروع القومي الكردي، أو أن تركيا ستتعامل مع الكرد باعتبارهم عدوًا دائمًا. فكلا الطرفين يتحرك وفقًا لمصالحه الاستراتيجية، وليس وفقًا لمصالح الكرد.
وهنا تكمن المفارقة؛ فقد تزداد القيمة الجيوسياسية للكرد نتيجة التنافس التركي الإسرائيلي، إلا أن هذه الزيادة لا تتحول تلقائيًا إلى تحقيق مصالحهم أو زيادة قدراتهم.
وإذا لم يكن لدى الكرد مشروع سياسي مستقل، فإن ارتفاع قيمتهم الجيوسياسية قد يتحول إلى عامل سلبي، من خلال تحولهم إلى بيادق في صراعات الآخرين.
وإذا تصاعدت الصراعات، فإن هناك خطرًا يتمثل في تحول الكرد إلى ورقة مساومة بين القوتين المتنافستين، تركيا وإسرائيل. ومن المرجح أن يحاول كل طرف منع الآخر من استغلال القضية الكردية.
وقد تضغط تركيا من أجل قيام دولة سورية أكثر مركزية، وتسعى إلى إنهاء جهاز أمني كردي مستقل، وضمان عدم استخدام الأراضي السورية ضدها. وفي المقابل، قد ترى إسرائيل أن وجود قوى سورية محلية قادرة على موازنة النفوذ التركي يخدم مصالحها.
لكن كلا النهجين ينطويان على مخاطر إذا تحول الكرد إلى مجرد بيادق. فالاعتماد على إسرائيل في مواجهة تركيا قد يرهن القضية الكردية للمصالح الإسرائيلية، بينما الاعتماد على تركيا في مواجهة إسرائيل قد يؤدي إلى التخلي عن جزء مهم من الحقوق السياسية للكرد.
ولهذا، فإن أخطر نتيجة بالنسبة إلى الكرد ليست فقط أن يصبحوا هدفًا للصراع، بل أن يتحولوا إلى أداة فيه.
لا ينبغي أن يكونوا بيادق
تزداد أهمية هذه القضية في ضوء قرار قوات سوريا الديمقراطية "قسد" في أغسطس 2026 حل مهامها العسكرية المستقلة والاندماج في مؤسسات الدولة السورية.
وينبغي تفسير هذه الخطوة ليس فقط باعتبارها نهاية لمرحلة عسكرية، وإنما باعتبارها انتقالًا من مسألة السيطرة العسكرية إلى مسألة الوضع السياسي والدستوري للكرد داخل سوريا.
ويتمثل الاختبار الحقيقي هنا في السؤال التالي: هل سيتمكن الكرد من تحويل الثقل السياسي والعسكري والاجتماعي الذي راكموه خلال السنوات الماضية إلى حقوق دستورية ومؤسسية مستدامة؟
ولا ينبغي أن يعني الاندماج في الدولة تآكل الخصوصية السياسية والثقافية للكرد، كما لا ينبغي أن تصبح حماية حقوق الكرد ذريعة لاستمرار انقسام سوريا أو الصراع القائم فيها.
والمطلوب هو صيغة تضمن وحدة سوريا، وفي الوقت نفسه تعترف بتنوعها الوطني والثقافي والسياسي.
وفي هذا الإطار، تتمثل القضية ذات الأولوية في استقلالية القرار الكردي. ولا يعني ذلك الحياد السلبي، بل يعني امتلاك رؤية سياسية واضحة، والتفاعل مع القوى الإقليمية والدولية على أساس المصالح والحقوق.
ويجب ألا يتحول الصراع التركي الإسرائيلي إلى سبب يجعل الكرد مجرد بيادق في صراع القوة بين القوتين الإقليميتين.
ماذا ينبغي فعله؟
ينبغي للكرد تطوير مشاريعهم المستقلة، وتجنب الانجرار إلى الصراع بين القوتين الإقليميتين، واستخلاص الدروس من هذا الصراع.
وتتمثل الأولوية الأساسية بالنسبة إلى الكرد في توحيد موقفهم. فالتعددية السياسية والحزبية ليست مشكلة في حد ذاتها، لكن تحويل الخلافات إلى صراعات داخلية تستنزف المجتمع الكردي يضعف قدرتهم على التفاوض.
وهناك حاجة إلى حد أدنى من التوافق بشأن الحقوق الدستورية، واللغة، والثقافة، والتمثيل السياسي، واللامركزية.
وينبغي نقل القضية من المجال الأمني إلى المجال السياسي، لأنه ما دامت القضية الكردية محصورة في الخطاب الأمني، فإنها ستكون أكثر عرضة للاستغلال من جانب تركيا أو غيرها.
وإن تحويلها إلى قضية تتعلق بالحقوق الدستورية والمواطنة والمشاركة السياسية سيمنحها شرعية أوسع، سواء داخل سوريا أو خارجها.
ويجب العمل من أجل إدراج هذه الحقوق في الدستور والقوانين. فالضمان الحقيقي لا يكمن في الوعود السياسية المؤقتة، وإنما في النصوص الدستورية والمؤسسات والقوانين التي تحمي اللغة والثقافة والتمثيل السياسي والحكم المحلي.
وينبغي أن يتم ذلك بالتوازي مع بناء شراكة سورية حقيقية. فلا يمكن فصل مصالح الكرد عن مصالح سوريا في بناء دولة مستقرة وديمقراطية وتعددية.
ولهذا، ينبغي أن يكون الخطاب الكردي سوريًا ووطنيًا، من دون التخلي عن هويته الخاصة وحقوقه الوطنية.
كما ينبغي تنويع العلاقات الخارجية. وقد تكون العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا وفرنسا والعراق وإقليم كردستان وغيرها مهمة، لكن المطلوب ليس الاعتماد على محور واحد، وإنما بناء شبكة متنوعة من العلاقات.
المخاطر والفرص في حال اندلاع الصراع
إذا تحول التنافس التركي الإسرائيلي من الردع والمنافسة إلى صراع شامل، فإن سوريا ستكون واحدة من أكثر المناطق عرضة لتداعياته.
وقد تواجه عملية بناء الدولة ضغوطًا كبيرة، بينما ستحاول تركيا ترسيخ نفوذها داخل المؤسسات السورية، في حين ستسعى إسرائيل إلى منع سوريا من التحول إلى مجال نفوذ تركي واسع.
وفي هذا السيناريو، ستزداد الضغوط على الكرد، لكن أهميتهم السياسية ستزداد أيضًا.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: كلما ازدادت حاجة القوى الإقليمية إلى فرض نفوذها في سوريا، ازدادت أهمية القوى المحلية القادرة على تحقيق الاستقرار.
وبالتالي، يمكن للكرد، شريطة امتلاكهم وحدة سياسية ورؤية واضحة وعلاقات متوازنة، أن يتحولوا من مجرد بيادق إلى قوة سياسية لا يمكن تجاهل مصالحها.
ويتمثل التحدي بالنسبة إلى الكرد في عدم اختيار طرف في الصراع التركي الإسرائيلي، وإنما منع استخدام القضية الكردية كورقة مساومة في هذا الصراع.
وتتمثل الاستراتيجية الأكثر عقلانية في أن يتبع الكرد مشاريعهم المستقلة، ويحولوا ثقلهم الجيوسياسي إلى مكاسب سياسية ودستورية، ويثبتوا أنهم جزء من الحل السوري، وليسوا جزءًا من الاستقطاب الإقليمي.
وفي نهاية المطاف، فإن أفضل ضمان للكرد ليس انتصار إسرائيل على تركيا أو انتصار تركيا على إسرائيل، وإنما أن تصبح استقرار سوريا، وآلية اتخاذ القرار الموحدة، والاعتراف بحقوق جميع المكونات، بما فيها الكرد، مصلحة مشتركة لا تستطيع أي قوة إقليمية تجاهلها.
ولهذا، يمكن تلخيص جوهر هذه المرحلة في المعادلة التالية: كلما تصاعد الصراع التركي الإسرائيلي، وجب على الكرد تقليل اعتمادهم على القوى الخارجية؛ وفي المقابل، ينبغي أن تصبح آليات اتخاذ القرار لديهم أكثر استقلالية.
فالخطر الحقيقي يكمن في أن يصبح الكرد ساحة لهذا الصراع، بينما تتمثل الفرصة في أن يتحولوا إلى لاعب رئيسي في تشكيل توازن القوى الجديد في سوريا.
========
المصدر: وكالة ميزوبوتاميا.