بث تجريبي

د. فرناز عطية تكتب: مابين الهجمات على سوريا وحسابات الانتخابات الإسرائيلية

مازالت إسرائيل تكرر قصفها لعدد من المواقع والأراضي في سوريا، ولم تقتصر الاستهدافات الإسرائيلية على شل حركة المطارات، بل امتدت لتشمل تدمير البنية التحتية العسكرية السورية في البر والبحر والجو، وقد كشفت بيانات وحدة المصادر المفتوحة عن استهداف أكثر من 25 موقعًا عسكريًا في مختلف المحافظات، والتي استهدفت أكثر من 250 هدفًا عسكريا داخل الأراضي السورية، بدأت بالتزامن مع سقوط نظام "بشار الأسد" بقصف المربع الأمني ومستودعات عسكرية في دمشق، لتطال بعد ذلك مراكز سيادية مثل وزارة الدفاع ومقر إدارة الحرب الإلكترونية، إلى جانب منظومات دفاع جوي في محيط العاصمة، فخلال الفترة من 8 ديسمبر عام 2024، وحتى 17  أغسطس 2026، استهدفت تل أبيب 14 مطارًا وقاعدة عسكرية، أبرزها مطارات المزة، والقامشلي، وتدمر، وحماة، ودير الزور، ودرعا الزراعي، وخلخلة بالإضافة إلى مطارات المروحيات، والشعيرات، وقاعدة التيفور، ومستودعات مطار الشعيرات وأبو الظهور، فلم تكتفي بما دمرته من سلاح وعتاد للجيش السوري، وكذلك الأسطول السوري، إلا أنها لاتزال بين الحين والآخر تهدد السوريين وأمنهم بهجماتها على عدد من المناطق السورية، ومؤخرًا تعرضت الأراضي السورية إلى هجوم على مطار أبو الظهور بالشمال السوري، واستهداف محيط بلدة بيت جن بريف دمشق بالجنوب السوري.

أولاً: استهداف مطار أبو الظهور

 شهد مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب شمال غربي سوريا على بعد نحو 70 كيلومتراً شرق الحدود التركية، التعرض لـ8 غارات جوية إسرائيلية يوم الثلاثاء 18 أغسطس 2026، مما أثار توتراً سياسياً وعسكرياً إقليميًا، لاسيما بين إسرائيل من جانب وسوريا وتركيا من جانب آخر.

أهمية المطار:

يعد أبو الظهور رمزًا للصراع بين نظام "الأسد"، وفصائل المعارضة شمال غربي البلاد على مسافة بعيدة من الجولان والمنطقة الجنوبية التي تركز فيها إسرائيل عادة عملياتها البرية والجوية، وجدير بالذكر أن المطار خارج من الخدمة منذ سنوات، فقد تغيرت السيطرة عليه تبعاً لتطورات المعارك بين عامي 2015 و2018، ويقع في ريف إدلب الجنوبي الشرقي، ويتوسط ثلاث محافظات رئيسية هي: إدلب، حماة، وحلب، ويُعد ثاني أكبر قاعدة عسكرية في الشمال السوري بعد مطار تفتناز، كما يُمثل مدخلاً حيوياً نحو البادية السورية من جهة الشرق، ويتاخم المطار الحدود التركية فهو على بُعد نحو 70 كيلومتراً فقط منها، ويمتد على مساحة واسعة تُقدر بين 8 إلى 16 كيلومتراً مربعاً، ويضم مدارج رئيسية وثانوية طويلة (يبلغ طول المدرج الرئيسي نحو 3 كيلومترات)، بالإضافة إلى تحصينات خرسانية ومخازن أسلحة وذخيرة تحت الأرض كما أنه كان يُستخدم في العمليات الجوية وعمليات تزويد المقاتلات بالوقود في الرحلات الطويلة داخل الأراضي السورية.

 توقيت الحدث:

تعد الهجمة الإسرائيلية على مطار أبو الظهور هي الأولى منذ انتهاء حكم "بشار الأسد" 2024 ، وقد جاء توقيت الغارة الإسرائيلية على المطار بعد زيارة وفد تركي له، ويذكر أن الضربة وقعت بعد ساعات من مغادرة الوفد، فيما قالت أكسيوس برس أن إسرائيل استهدفت المدارج والحظائر لمنع تمركز تركي محتمل، مما يؤشر إلى عدة رسائل لعدد من الجهات ذات دلالات بعينها:

فالرسالة الموجهة لأنقرة أنها ليست الوحيدة التي لها نفوذ في سوريا، ولن تنفرد بها، وأن الدعم العسكري التركي لسوريا له بداية ونهاية ترسمها تل أبيب، خصوصاً عندما يتحول من التدريب والتسليح إلى قواعد أو منشآت جوية دائمة، أما واشنطن فإسرائيل تبرز قدرتها على العمل منفردة، لاسيما مع النهج الذي يعتنقه ويطبقه "دونالد ترامب" رئيس الإدارة الأمريكية (أمريكا أولاً)، وإلى دمشق التأكيد على أن إعادة بناء الجيش السوري ليست عملية سيادية داخلية خالصة من وجهة النظر الإسرائيلية، بل تخضع عملياً لرقابة تل أبيب بمنطق فرض مبدأ القوة والأمر الواقع، وبالتالي فإن غارة أبو الظهور تؤشر إلى أن الساحة السورية تنتقل من الصراع على النفوذ الإيراني إلى الصراع على شكل الدولة السورية الجديدة وحدود القوة التركية فيها، إسرائيل لا تريد بالضرورة انهيار سوريا، لأن الفوضى الكاملة تحمل مخاطر أمنية عليها أيضاً، لكنها في الوقت ذاته لا تبدو مستعدة لقبول سوريا تستعيد قدراتها العسكرية التقليدية تحت رعاية تركية، خاصة إذا كان ذلك سيقيد تفوقها وحريتها العملياتية، وتركيا، من جانبها، لا تستطيع بناء دولة سورية مستقرة من دون إعادة بناء مؤسساتها العسكرية، لكنها لا تريد أن تتحول سوريا إلى سبب لمواجهة مفتوحة مع إسرائيل، أما واشنطن، فهي الطرف الوحيد القادر نظرياً على إدارة هذا الصراع، لكنها حتى الآن تمارس دور مدير الاحتكاك أكثر من دور الضامن الذي يمنع استخدام القوة، وكادت هذه الضربة أن تؤدي للمواجهة المباشرة بين أنقرة وتل أبيب في سوريا على حد تعبير "توم باراك" المبعوث الأمريكي إلى سوريا، حيث لم تكن تركيا على علم مسبق بهذا الهجوم "على حد تعبيره"، فلم تكن تركيا تعرف وجهة الطائرات الإسرائيلية التي كانت تحلق بالشمال، وكان من الممكن أن يتم الاشتباك بين الجانبين .

مزاعم إسرائيلية:

زعمت إسرائيل أن تركيا كانت تخطط لنشر قوات في مطار أبو الظهور، وجاء في بيان صادر عن مكتب "بنيامين نتنياهو"  رئيس الوزراء أن " إسرائيل اتفقت وسوريا على الوضع الراهن في المسائل الأمنية، والذي كانت دمشق على وشك انتهاكه من خلال السماح للقوات التركية بالانتشار في قاعدة جوية بالقرب من حلب"، وقال مكتب رئيس الوزراء أن إسرائيل "حذرت سوريا مراراً وتكراراً من أن مثل هذا الانتشار سيشكل تهديداً لأمن إسرائيل، لكن اختارت سوريا تجاهل هذه التحذيرات"، بينما ردت الحكومة السورية بأنها حاولت التوصل لاتفاق أمني مع تل أبيب عدة مرات ولكن إسرائيل كانت تخل بالتزاماتها في كل مرة.

ثانيًا: استهداف محيط "بيت جن" 

استهدفت القوات الإسرائيلية محيط بلدة بيت جن بريف دمشق الغربي بثلاث قذائف مدفعية، يوم السبت 29 أغسطس 2026، وجدير بالذكر أن المنطقة الواقعة بين بيت جن والتلال الحمر تعرضت لقصف مدفعي مماثل، فيما أشارت تقارير إلى أن تلة باط الوردة تطل مباشرة على البلدة وتستخدم كنقطة للعمليات العسكرية والتوغلات في المنطقة، وتزامن ضرب المنطقة مع توغل قوات إسرائيلية في ريف القنيطرة ومنطقة حوض اليرموك بريف درعا، مع إقامة حواجز وتفتيش منازل، وبررت إسرائيل ضرباتها بإنها استهدفت شخصًا وصفته بـ"الإرهابي" في جنوب سوريا،شكل تحركه "تهديدًا فوريًا" لقواتها، بينما أدانت دمشق الضربة ووصفتها بأنها انتهاك لسيادتها، وذكرت أن طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت مركبة مدنية قرب بيت جن، ما أدى إلى إصابة مدنيين.

أهمية المنطقة المستهدفة:

ترحع أهمية منطقة "بيت جن" إلى أنها تتكون من عدة تلال تتواجد على السفح الشرقي لجبل الشيخ في الجنوب، وهي ثاني منطقة بالارتفاع بعد جبل الشيخ، حيث يتراوح ارتفاعها من 1000 إلى 1200 مترًا فوق سطح البحر، وتطل على دمشق، وبالتالي ترغب تل أبيب في كشف العاصمة السورية، والسعي لتأمين نفسها، كما أن هذه المنطقة تطل على إسرائيل من السفح الشرقي؛ مما يعني تهديدًا أمنيًا صريحًا للجانب الإسرائيلي، كذلك كان لهذه المنطقة دورًا مهما في الثورة السورية، وتتخوف إسرائيل من دورها في تهريب الأسلحة، لوجود ممرات في مناطق وعرة تستخدم في تهريب هذه الأسلحة، إضافة إلى سعي إسرائيل للسيطرة على هذه المنطقة لغناها بالمورد المائي من خلال حوض اليرموك، حيث أن" بيت جن" هي إحدى مناطق تجمع المياه من نهر الأردن ونهر اليرموك، وبالتالي تسعى تل أبيب لتأمين مصادرها من المياه.

الانتخابات الإسرائيلية كمحفز للهجمات على سوريا

يعتقد البعض أن الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا مدفوعة جزئياً بدوافع سياسية ترتبط بالانتخابات الإسرائيلية، لاسيما مع انخفاض شعبية "نتنياهو" وحكومته في الشارع الإسرائيلي وفقًا لاستطلاعات الرأي الأخيرة، حيث أظهر استطلاع القناة 12 في يونيو 2026 بتراجع شعبية "نتنياهو" وتقدم رئيس الأركان الأسبق "غادي آيزنكوت"، وقد ذكرت "يسرائيل هيوم" عن مصادر أن جهات أمريكية ترى أن الهجوم في سوريا جاء بدوافع سياسية مرتبطة بقرب الانتخابات الإسرائيلية، وبالتالي فإن هذه الهجمات تهدف إلى تعزيز موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" وحكومته داخلياً مع اقتراب الانتخابات العامة المقررة في 27 أكتوبر 2026، وتتمثل هذه الدوافع في:

  • تقويض التسوية، حيث تزيد الانتخابات من كلفة أي تنازل أو انسحاب عسكري من الأراضي السورية (مثل جبل الشيخ ومناطق التوغل) بالنسبة لنتنياهو، مما يؤدي إلى تعثر المفاوضات والاتفاق الأمنـي وتجميد التفاهمات السابقة.
  • استعراض القوة: يسعى "نتنياهو" لتوظيف التصعيد العسكري والهجمات في سوريا لتعزيز صورته الأمنية أمام الناخب الإسرائيلي وتجنب الهزيمة السياسية، حيث يستعرض قوته العسكرية ليظهر بمظهر القادر على حماية أمن إسرائيلي، و المتصدي لكل التهديدات الخارجية المحيطة بها.
  • مغازلة اليمين: من خلال الضربات والأعمال التوسعية، حيث يسعى "نتنياهو" وحكومته على محاولة اجتذاب اليمين المتشدد وكسب أصواتهم في الانتخابات، والدخول في ائتلاف مع اليمين للوصول لرئاسة الحكومة من جديد.
  • مكاسب شخصية: يحرص "نتنياهو" على الفوز من جديد بمنصب رئاسة الوزراء والإفلات من القضايا التي تلاحقه والإفلات من المحاسبة عن قضايا الفساد المنسوبة إليه أمام القضاء الإسرائيلي.
  • فرض شروط أمنية: تحاول إسرائيل استغلال الوضع الميداني للضغط على هيكلية الجيش السوري المستقبلي ومنعه من امتلاك دفاعات جوية متطورة، متخذة من التصعيد أداة ضغط بانتظار ما ستسفر عنه نتائج الانتخابات.

وعلى هذا الأساس طلبت الولايات المتحدة من دمشق ضبط النفس وتجنب التصعيد، لحين إجراء الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر القادم، ولكن على الجانب الآخر لم تقدم واشنطن ضمانات للجانب السوري مقترنة مع هذا المطلب، فهي تعمل على تخفيض التصعيد وتقليل خطر الاشتباك بين تركيا وإسرائيل، ولكن لن تمنع من تعرض الجانب السوري للهجمات الإسرائيلية بحجة أمن إسرائيل القومي، لاسيما وأن إسرائيل أبلغت البيت الأبيض مسبقاً بالعملية، بحسب "أكسيوس"، ولكنها لم تمنع إسرائيل من القيام بهذه الضربات.

وهنا نجد أن إسرائيل لم تقتصر ضرباتها على الجنوب السوري، بل أنها بدأت تشن الغارات على الشمال السوري في تحد واضح لتركيا، وحتى للولايات المتحدة، وفي رسالة واضحة للجانب السوري بأن دمشق لن تستطيع تطوير قدراتها العسكرية إلا وفقًا لما تقرره تل أبيب، وبما لايتجاوز الخطوط الحمراء التي تحددها الأخيرة، مما نعتقد أنه يؤشر ويطرح سيناريو الضربات الانتقائية والنوعية مستقبلاً، حيث يتم التركيز من قبل إسرائيل على المنشآت المرتبطة بإعادة بناء القوة العسكرية السورية.

قد يهمك