اجتمع قادة الدول العشر الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون حول طاولة واحدة. وفي الخارج كان هناك حربان. الأولى: الحرب الروسية-الأوكرانية التي دخلت عامها الرابع. والثانية: التوتر على شفا الانفجار بين إيران والولايات المتحدة.
وبعد ساعات قليلة من انتهاء القمة، أصدر البيت الأبيض بياناً أعلن فيه أن الولايات المتحدة بدأت "هجوماً محدوداً واستباقياً" على المنشآت النووية الإيرانية.
وفي تلك اللحظة بالذات، صعد الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى المنصة لإلقاء الكلمة الختامية. وكانت رسالته حادة: "خيمت ظلال الحرب على العالم. في هذا المنعطف الحرج، يتصارع الحوار مع المواجهة، والربح للجميع مع لعبة صفرية، وتعدد الأطراف مع الأحادية. وعلى منظمة شنغهاي للتعاون أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية".
وتحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مباشرة بعده قائلاً: "أوقفوا الاستفزازات. لا خيار سوى العيش السلمي المشترك". وكان قد ناقش قبل يوم ملف أوكرانيا مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
لم يكن الحديث في بيشكيك على مدار يومين عن الحرب والفوضى فقط. بل جرى الحديث عن الخريطة التجارية الجديدة لأوراسيا، وممرات الطاقة، والهندسة الأمنية.
*1. الحمض النووي لمنظمة شنغهاي: مسيرة 30 عاماً من 1996 إلى 2026*
لم تظهر منظمة شنغهاي فجأة. لقد نمت على ثلاث مراحل، وتغير هدفها في كل مرحلة.
*المرحلة الأولى 1996: تطهير الحدود*
الصين، روسيا، كازاخستان، قيرغيزستان، طاجيكستان. "مجموعة شنغهاي الخمسية". وقعوا اتفاقاً لتقليل عدد القوات على طول الحدود البالغ طولها 3500 كيلومتر. كان الهدف هو تنظيف إرث الحرب الباردة. قوتان نوويتان لا تثقان ببعضهما أنهتا الصراع على الحدود.
*المرحلة الثانية 2001: نادي مكافحة الإرهاب*
في 14 حزيران 2001، انضمت أوزبكستان وولدت "منظمة شنغهاي للتعاون". التاريخ مهم. قبل 3 أشهر من 11 أيلول. وكانت المادة الأولى في بيان التأسيس هي "الشرور الثلاثة": الإرهاب، والانفصالية، والتطرف.
وكانت الرسالة إلى العالم واضحة: "جدول أعمالنا ليس الديمقراطية، بل الأمن".
*المرحلة الثالثة 2017-2024: تأسيس نادي عمالقة آسيا*
في عام 2017 انضمت الهند وباكستان في نفس الوقت. وكان من أعظم إنجازات منظمة شنغهاي أن أجلست قوتين نوويتين عدوتين على نفس الطاولة.
في عام 2023 أصبحت إيران عضواً كاملاً. وفي عام 2024 انضمت بيلاروس.
ما هو الوضع اليوم؟ 10 أعضاء كاملين. 40% من سكان العالم. 20% من احتياطيات النفط المثبتة في العالم. 30% من الغاز الطبيعي في العالم. 30% من مساحة اليابسة تشكل القوة الاقتصادية لمنظمة شنغهاي.
شركاء الحوار: تركيا، السعودية، الإمارات، مصر وقطر. وفي الباب: إندونيسيا وميانمار.
الأرقام وحدها لا تقول شيئاً. المهم هو ماذا تريد هذه الدول العشر.
*2. قلب الاقتصاد: "طريق التنمية" والتجارة بلا دولار*
السلاح الأقوى لمنظمة شنغهاي ليس الدبابة، بل التجارة البرية، والحاويات، وخطوط الأنابيب.
*أ. اللعبة الكبرى للصين: "طريق التنمية"*
خلال السنوات الخمس الماضية، استثمرت الصين أكثر من 50 مليار دولار في أوزبكستان وقيرغيزستان. سك حديد، مدن لوجستية، محطات طاقة. لماذا؟
لأن لدى الصين مشكلتين استراتيجيتين. الأولى: مضيق ملقا. إذا أغلقته البحرية الأمريكية، ينتهي تجارة الصين. الثانية: قناة السويس. هجمات الحوثيين رفعت أسعار التأمين.
الحل: الممر الأوسط. ويسمونه "طريق التنمية".
المسار: الصين، قيرغيزستان، أوزبكستان، تركمانستان، بحر قزوين، أذربيجان، جورجيا، تركيا، وموانئ شرق المتوسط.
ماذا يعني ذلك؟ نقل نفط وغاز حوض قزوين مباشرة إلى شرق المتوسط دون ربطه بالبحر الأسود. ونقل البضائع الصينية إلى أوروبا في 12 يوماً.
بالنسبة لبكين، هذا الممر ليس تجارة فقط. إنه تأمين جيوسياسي أيضاً.
*ب. إنزال الدولار من على الرف*
وفقاً لبيانات 2025، تجري 65% من التجارة بين دول منظمة شنغهاي بدون استخدام الدولار. باليوان، والروبل، والروبية، والدرهم.
وفي عام 2024 تم تأسيس "نادي الطاقة لمنظمة شنغهاي". غاز روسيا، وغاز إيران، ونفط كازاخستان، وسوق السلع والتجارة الصينية. ولم يعد السعر تحدده بورصة لندن وأوروبا، بل بورصة شنغهاي.
لقد كان هذا أول تحدٍ جدي لنظام بريتون وودز لعام 1944.
*ج. إذا انضم الخليج، تتغير المعادلة*
السعودية والإمارات وقطر هم الآن شركاء حوار. إذا أصبحوا أعضاء كاملين، ستصل احتياطيات الطاقة بيد منظمة شنغهاي إلى نصف احتياطيات العالم.
عندها ستخرج منظمة شنغهاي من كونها منظمة تجارية فقط. وستصبح كتلة طاقة ومال بحجم 3 أضعاف "أوبك+".
ولهذا السبب تعتبر الولايات المتحدة وأوروبا توسع منظمة شنغهاي "خطاً أحمر".
*3. ثلاثة خطوط صدع في الأمن: أوكرانيا، زنغزور، آسيا*
تقول منظمة شنغهاي "نحن لسنا تحالفاً عسكرياً". وهذا صحيح. لا توجد مادة خامسة مثل الناتو. لكنها تلعب دوراً فعلياً في 3 خطوط صدع.
*خط الصدع الأول: أوكرانيا. هل هي حرب أوروبية أم حرب آسيوية؟*
تحدث بوتين بصراحة في بيشكيك. "بدأت هذه الحرب باستفزاز".
أطروحة موسكو وبكين هي: لقد توسع الناتو شرقاً في 5 موجات منذ عام 1997. وكانت أوكرانيا هي القلعة الأخيرة. الهدف هو فصل روسيا عن البحر الأسود، ثم يأتي الدور على تايوان.
أي أن أوكرانيا بالنسبة لمنظمة شنغهاي ليست مجرد أزمة أوروبية. إنها "الخطوة الأولى في مشروع توسع الناتو إلى آسيا".
ولهذا فإن منظمة شنغهاي لا تتحدث عن هدنة في أوكرانيا، بل عن "انسحاب الناتو".
*خط الصدع الثاني: ممر زنغزور. محور إسرائيل-أذربيجان*
لم يُذكر الاسم في بيشكيك لكن الجميع كان يعرفه.
ممر زنغزور هو خط بطول 43 كيلومتراً سيربط أذربيجان بتركيا عبر ناخيتشيفان.
إسرائيل وأذربيجان هما أكبر الداعمين لهذا الممر. لماذا؟ لأنه إذا مر "طريق التنمية" الصيني من هنا، ستنتقل السيطرة على الممر إلى محور أنقرة-تل أبيب.
إيران وروسيا ضد ذلك. والمسار المثالي بالنسبة لهم هو الطريق عبر الأراضي الإيرانية.
النتيجة: داخل منظمة شنغهاي، الصين وروسيا وإيران في طرف، وتركيا وأذربيجان وإسرائيل في الطرف الآخر. خط توتر خفي.
*خط الصدع الثالث: RATS وضمان النظام*
هيكل مكافحة الإرهاب الإقليمي RATS في طشقند. مهمته الرسمية هي ملاحقة داعش والقاعدة.
ومهمته الفعلية: تسليم المعارضين بين الدول الأعضاء باعتبارهم "إرهابيين".
هذه هي القاعدة غير المكتوبة لمنظمة شنغهاي: "لا ثورات ملونة عندنا. الأنظمة في مأمن".
ولهذا فإن الديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات الحرة ليست على جدول أعمال منظمة شنغهاي.
*4. "روح شنغهاي": هل هي نموذج بديل للغرب؟*
هناك 5 مبادئ في ميثاق منظمة شنغهاي لعام 2002. ويسمونها "روح شنغهاي".
1. *الثقة المتبادلة*: حل مشاكل الحدود على الطاولة.
2. *المنفعة المتبادلة*: لا أحد يعطي دروساً في الديمقراطية للآخر.
3. *تكافؤ الفرص*: لكل دولة عضو في منظمة شنغهاي صوت واحد بغض النظر عن عدد السكان والقوة.
4. *احترام التنوع الثقافي*: لا يوجد نموذج واحد.
5. *التنمية المشتركة*: مشروع رابح-رابح.
يبدو جميلاً. لكن معناه عملياً هو: "السيادة مقدسة. عدم التدخل في الشؤون الداخلية".
النموذج الغربي: القيم الأوروبية المشتركة أولاً، ثم التجارة.
نموذج منظمة شنغهاي: التجارة والاستقرار أولاً، وحقوق الإنسان لاحقاً ربما.
جملة شي في بيشكيك "العيش معاً والتعاون الاقتصادي دون تشكيل تحالفات ودون مواجهة" تعني ذلك تماماً.
أي أننا لا نريد تحالفاً عسكرياً مثل الولايات المتحدة. وفي نفس الوقت لن نصدر قيماً مثل الولايات المتحدة.
*5. هل يمكن أن تتحول منظمة شنغهاي إلى اتحاد سياسي؟*
لكي يحدث اتحاد سياسي، هناك 3 عقبات كبيرة.
*العقبة الأولى: التنافس الهندي-الصيني*
مشكلة الحدود في الهيمالايا لم تُحل. الهند تقوم بدور الفرامل في كل قرار حتى لا تصبح منظمة شنغهاي الفناء الخلفي للصين.
*العقبة الثانية: مشكلة القيادة الروسية-الصينية*
المال في الصين. والردع النووي في روسيا. من سيكون زعيم المنظمة؟ لم يتضح بعد. ولهذا يتم اتخاذ القرارات بالإجماع. أي أنها في أغلب الأحيان لا تُتخذ أصلاً.
*العقبة الثالثة: لا توجد قيم مشتركة*
ما يجمع الاتحاد الأوروبي هو القيم الأوروبية المشتركة ونظام الإدارة والقانون. وما يجمع الناتو هو العدو المشترك. وما يجمع منظمة شنغهاي هو فقط "معاداة الغرب" وكلمة "الاستقرار".
إذا أصبحت تركيا والسعودية والإمارات وسوريا أعضاء كاملين. إذا انتقلت من 10 أعضاء إلى 14-15 عضواً، سيضطرون للحديث عن جمارك مشتركة، وتأشيرة مشتركة، وسياسة خارجية مشتركة.
عندها لن تصبح منظمة شنغهاي دولة عظمى مثل الاتحاد الأوروبي. لكنها ستعمل مثل "مجلس الأمن والتنمية الأوراسي".
أي أنها يمكن أن تكون النسخة الآسيوية من الاتحاد الأوروبي اليوم.
*6. ماذا تعد منظمة شنغهاي للشرق الأوسط؟*
إيران عضو كامل. تركيا شريك حوار. وسوريا ترسل إشارات بالعضوية. والخليج على الباب.
لمنظمة شنغهاي 3 عروض للشرق الأوسط
الأول: الأمن. "لا تتدخل القوى الخارجية في شؤونكم الداخلية". أي الولايات المتحدة وإسرائيل.
الثاني: التنمية. "احصلوا على حصة من طريق التنمية. موانئ، سك حديد، طاقة".
الثالث: السيادة. "لن نتدخل في نظامكم. وأنتم لا تتدخلوا فينا".
هذا العرض يبدو جذاباً. لأن ما جلبته الولايات المتحدة خلال 20 عاماً كان الحرب.
لكن المخاطرة كبيرة أيضاً. لأن النموذج الذي يقول "الاستقرار أولاً" قد انهار في سوريا. الدولة التي قامت بالقمع انهارت مع أول هزة.
كانت قمة بيشكيك في الأساس صراعاً بين ثلاثة ممرات.
1. *طريق التنمية الصيني*: من بحر قزوين إلى شرق المتوسط. هدفه تجارة بلا أمريكا.
2. *ممر زنغزور*: محور إسرائيل-أذربيجان-تركيا.
3. *ممر الناتو*: عبر أوكرانيا إلى البحر الأسود والقوقاز. هدفه توسيع تحالف القوة البديلة ضد محاصرة روسيا والصين.
قال شي "الحوار". وقال بوتين "يجب وقف الاستفزازات".
لكن مع من الحوار؟ مع رؤساء الدول، أم مع الشعوب؟
تمتلك منظمة شنغهاي اليوم أكبر عدد سكان وأكبر طاقة في العالم. لكن أكبر نقص فيها هو الشرعية. لأنه لا يوجد شعوب على الطاولة، بل دول فقط.
هذا هو سؤال القرن الحادي والعشرين: هل يمكن أن يكون الأمن والتنمية دائمين بدون ديمقراطية؟
أجابت بيشكيك بـ "نعم". والتاريخ يكتب منذ 100 عام أن الجواب هو "لا".
من زوايا العالم