بث تجريبي

محادثات سبتمبر.. هل تنجح واشنطن في كسر جمود مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا؟

تتحرك الولايات المتحدة لإعادة إحياء مسار السلام بين روسيا وأوكرانيا، بعد أشهر من تعثر المفاوضات، وسط ترقب لجولة جديدة من المحادثات في سبتمبر/أيلول، في محاولة لكسر حالة الجمود التي تحيط بالحرب وإعادة واشنطن إلى صدارة جهود الوساطة.

وتعكس التحركات الأمريكية، وفق تقديرات خبراء، رغبة واضحة لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب في إعادة الحرب الأوكرانية إلى طاولة التفاوض، وسط مؤشرات على تحركات تمهيدية تجري بعيدًا عن الأضواء بهدف اختبار فرص التوصل إلى تفاهمات أولية بين الأطراف.

وتكتسب هذه التحركات أهمية إضافية في ظل زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، إلى موسكو، بالتزامن مع الحديث عن احتمال استئناف المفاوضات في سبتمبر.

ويرى خبراء أن إدارة ترامب تسعى إلى تحقيق اختراق سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر/تشرين الثاني، بما يسمح للرئيس الأمريكي بتقديم إنهاء الحرب أو إحراز تقدم ملموس في مسار السلام باعتباره إنجازًا لسياسته الخارجية.

قالت الخبيرة في الشؤون الأمريكية إيرينا تسوكرمان إن إعلان كييف احتمال استئناف المفاوضات في سبتمبر، بالتزامن مع تجدد التواصل الأمريكي مع موسكو، يثير تساؤلات بشأن طبيعة الاستراتيجية التي تتبعها واشنطن.

وترى تسوكرمان أن الإدارة الأمريكية قد تكون تعمل بعيدًا عن الأضواء على تهيئة الأرضية لتفاهمات أولية، قبل إعادة إطلاق مسار السلام رسميًا، معتبرة أن هذا الاحتمال أصبح أكثر ترجيحًا مع تزامن إعلان كييف مع الاتصالات الأمريكية الروسية وزيارة راتكليف إلى موسكو.

وتكتسب زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية أهمية خاصة، إذ تسمح قنوات الاستخبارات بإجراء اتصالات حساسة بعيدًا عن الاستعراض الدبلوماسي التقليدي، وتوفر مساحة لاختبار النوايا ومناقشة المخاوف الأمنية وتحديد حدود القبول لدى كل طرف، دون اضطرار الحكومات إلى تقديم التزامات علنية مسبقة.

لكن تسوكرمان تؤكد أن ذلك لا يعني توصل واشنطن وموسكو إلى اتفاق سري بشأن أوكرانيا، مشيرة إلى عدم وجود أدلة علنية تدعم هذا الاستنتاج، فضلًا عن استمرار الخلافات الرئيسية بين الجانبين.

وتواصل روسيا المطالبة بالاعتراف بوقائع ميدانية واستراتيجية تعتبرها كييف غير مقبولة، في حين تسعى أوكرانيا إلى وقف لإطلاق النار يترافق مع ترتيبات أمنية موثوقة تمنع موسكو من استغلال أي اتفاق لإعادة تنظيم قواتها واستئناف القتال.

وبحسب الخبيرة، فإن التفسير الأكثر ترجيحًا للتحركات الحالية يتمثل في إجراء «مفاوضات تمهيدية» لتحديد مدى وجود مساحة كافية للتوافق تسمح بإعادة فتح المسار الرسمي، إلى جانب تحديد القضايا التي يمكن إدارتها أو تأجيلها أو تحويلها إلى ترتيبات فنية.

ويعزز ذلك المقترح الأوكراني الذي جرى تطويره بالتعاون مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين، والذي يتضمن صفحة واحدة من الأفكار تشمل وقف إطلاق النار، وترتيبات اقتصادية خاصة في دونباس، وبنودًا تتعلق بعلاقة أوكرانيا بالهياكل الأوروبية وحلف شمال الأطلسي.

وتمنح هذه الوثيقة المفاوضين فرصة لاختبار الملفات بشكل منفصل مع موسكو، دون الحاجة إلى الحصول على موافقتها على الحزمة كاملة منذ البداية.

ويمكن للجانب الأمريكي، وفق تسوكرمان، تحديد البنود التي ترفضها موسكو بصورة قاطعة، وتلك التي يمكن أن تقبل بها بعد تعديلها، إلى جانب معرفة المطالب التي قد يطرحها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المقابل.

مفاوضات سبتمبر

قال كيريلو بودانوف، مدير مكتب الرئيس الأوكراني، إن محادثات بين فرق أوكرانية وروسية قد تُعقد في سبتمبر بمشاركة ممثلين عن الولايات المتحدة.

وأوضح بودانوف أن كييف تسعى إلى إعادة إحياء المفاوضات، متوقعًا أن يشهد الشهر المقبل تطورات جديدة.

وردًا على سؤال بشأن احتمال عقد محادثات مباشرة بين مفاوضين أوكرانيين وروس، قال بودانوف إنه يأمل في حدوث ذلك، مؤكدًا وجود مشاركة أمريكية باعتبارها عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه.

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد قال في وقت سابق إن كييف ترى فرصة للوساطة الأمريكية حتى نهاية الصيف، مشيرًا إلى إعداد صفحة واحدة من الأفكار بالتعاون مع مسؤولين أمريكيين وأوروبيين لتقديمها إلى موسكو.

وعُقدت آخر جولة من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا بمشاركة أمريكية في فبراير/شباط، بينما اقتصرت الاتصالات منذ ذلك الحين على محادثات منفصلة بين كل من موسكو وكييف والفريق الأمريكي.

ترامب يتجنب تكرار أخطاء المفاوضات السابقة

ترى تسوكرمان أن هناك أسبابًا قوية تدفع واشنطن إلى تجنب الدخول مجددًا في مفاوضات متسرعة أو استعراض دبلوماسي واسع.

فالرئيس ترامب استثمر جزءًا كبيرًا من رصيده السياسي ومصداقيته الشخصية في التأكيد على قدرته على إنهاء الحرب، بينما أسفرت الجولات السابقة عن تبادل مقترحات ومناقشات فنية دون حسم الخلاف بشأن الأراضي.

وتحذر الخبيرة من أن عقد قمة جديدة تحظى بتغطية إعلامية واسعة ثم انهيارها سريعًا قد يكشف محدودية النفوذ الأمريكي على بوتين، في حين تمنح المحادثات الهادئة الإدارة الأمريكية فرصة لاختبار إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل أن يربط ترامب نفسه به بصورة مباشرة.

ويتمثل أحد أبرز مصادر القلق لدى كييف في احتمال تحول العملية إلى مفاوضات متوازية، بحيث تبحث واشنطن مع أوكرانيا ملفاتها الخاصة، بينما تناقش في الوقت نفسه مع موسكو قضايا الحرب والعقوبات والعلاقات الاقتصادية والاستقرار الاستراتيجي والعلاقات الأمريكية الروسية الأوسع.

ويمتلك بوتين، وفق تسوكرمان، حافزًا لتوسيع جدول المفاوضات، إذ يمكن لروسيا تقديم تنازلات أو مكاسب لواشنطن في ملفات لا تستطيع أوكرانيا تقديمها.

وقد تشمل أوراق التفاوض المحتملة تخفيف العقوبات، وترتيبات الطاقة، وفرص الاستثمار، والحد من التسلح، وإيران، والتعاون في القطب الشمالي، ومستقبل منظومة الأمن الأوروبي.

ترامب يريد إنهاء الحرب

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة تعمل بشكل مكثف من أجل إنهاء الصراع في أوكرانيا، مؤكدًا أن واشنطن تريد وضع حد للحرب.

وأشار ترامب إلى أن الطرفين، وفق تقديره، يرغبان في إنهاء الصراع، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تبذل جهودًا كبيرة لتحقيق ذلك.

وفي المقابل، أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، استمرار الاتصالات بين أجهزة الاستخبارات الروسية والأمريكية، حتى خلال أصعب مراحل العلاقات الثنائية، معتبرًا استمرار هذه الاتصالات أمرًا إيجابيًا.

ترى تسوكرمان أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر يضيف عنصرًا من الاستعجال إلى تحركات الإدارة الأمريكية، رغم أنها لا ترى أن حسابات ترامب تقتصر على الاعتبارات الانتخابية.

فترامب سبق أن قدم الحرب الأوكرانية باعتبارها صراعًا ما كان ليبدأ في ظل قيادته، كما كرر قدرته على إنهائها من خلال التفاوض.

ومع استمرار الحرب حتى أغسطس/آب 2026، أصبح استمرار الصراع يمثل تحديًا واضحًا أمام أحد أبرز وعود ترامب في السياسة الخارجية خلال ولايته الثانية.

ومن ثم، فإن تحقيق اختراق دبلوماسي قبل الانتخابات يمكن أن يحمل قيمة سياسية كبيرة للرئيس الأمريكي، دون أن يكون من الضروري التوصل إلى معاهدة سلام شاملة.

فوقف إطلاق النار، أو عقد لقاء بين بوتين وزيلينسكي، أو توقيع إطار تفاوضي، أو تثبيت خطوط السيطرة الميدانية، أو حتى الإعلان عن اتفاق بشأن مسار تفاوضي، يمكن أن تستخدمه الإدارة الأمريكية باعتباره دليلًا على نجاح ترامب في الدفع نحو إنهاء الحرب.

ومن المنظور الانتخابي، فإن الحد الأدنى المطلوب لإعلان نجاح سياسي أقل بكثير من الشروط اللازمة للتوصل إلى تسوية مستدامة للنزاع الأوكراني.

قنوات اتصال مباشرة

تفسر هذه الحسابات أهمية قنوات الاتصال المباشرة مع موسكو، في ظل تفضيل ترامب للدبلوماسية الشخصية والاعتماد على مجموعات محدودة من الوسطاء الذين يثق بهم.

وينسجم هذا النهج مع الدور الذي يؤديه مبعوثون ومستشارون مقربون من الرئيس الأمريكي، إلى جانب قناة الاتصالات التي يوفرها راتكليف من خلال موقعه على رأس وكالة الاستخبارات المركزية.

وتتيح هذه القنوات مناقشة الملفات الحساسة بعيدًا عن المفاوضات الدبلوماسية التقليدية، كما أن الجمع بين مسؤولين استخباراتيين ومبعوثين رئاسيين واتصال مباشر بين الرئيسين يمنح ترامب مساحة أكبر للتحكم في مضمون المفاوضات وطريقة عرض نتائجها أمام الرأي العام.

وبذلك، تبدو واشنطن أمام مرحلة اختبار جديدة لمسار السلام في أوكرانيا، تبدأ باتصالات ومفاوضات تمهيدية قد تحدد مدى إمكانية العودة إلى مفاوضات رسمية في سبتمبر، وسط خلافات لا تزال كبيرة بين موسكو وكييف وحسابات سياسية وانتخابية تضغط على الإدارة الأمريكية لتحقيق تقدم ملموس.

قد يهمك