قال الدكتور غازي فيصل، مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، في تصريح خاص لـ”المبادرة”، إن ملف نزع سلاح الفصائل المسلحة في العراق بات من أكثر الملفات تعقيدًا أمام الحكومة، موضحًا أن التحدي لا يتعلق بمجرد التعامل مع عدد من التنظيمات المسلحة، وإنما بشبكة واسعة من الارتباطات السياسية والعقائدية والإقليمية، وفي مقدمتها الصلات الوثيقة بإيران.
وأوضح فيصل أن عدد الفصائل المسلحة في العراق يتجاوز 34 فصيلًا، لافتًا إلى أن العديد منها يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالحرس الثوري الإيراني ومرجعية قم، فضلًا عن وجود قنوات تأثير متبادلة بينها وبين دوائر صنع القرار في إيران، سواء داخل التيار المحافظ والراديكالي أو التيارات الأكثر اعتدالًا.
أدوات لمشروع إقليمي
وأضاف أن هذه الفصائل تمثل، في جانب من تحركاتها، إحدى أدوات المشروع الإقليمي المرتبط بولاية الفقيه، مشيرًا إلى أن أهداف هذا المشروع تتجاوز الساحة العراقية إلى إعادة بناء النفوذ في سوريا ولبنان وتعزيز الحضور الإيراني على مستوى المنطقة.
وأشار مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية إلى أن استمرار وجود هذه الفصائل في قواعدها داخل العراق، بما تتضمنه من مخازن ومصانع لإنتاج السلاح ووجود عناصر وقيادات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، أصبح أمرًا بالغ الحساسية، موضحًا أن عدد هذه القواعد يقدر بنحو 12 قاعدة، وهو ما يزيد من صعوبة مهمة الحكومة العراقية في فرض سيطرتها الكاملة على ملف السلاح.
البعد العقائدي
وأكد فيصل أن المشكلة لا تقتصر على البعد العسكري، وإنما تمتد إلى البعد العقائدي، موضحًا أن بعض الفصائل لا تنظر إلى السلاح باعتباره ملكًا تنظيميًا يمكن التخلي عنه بقرار سياسي، وإنما تربطه بعقيدة دينية وانتظار ظهور الإمام المهدي، وما تعتبره “حربًا مقدسة” ضد الولايات المتحدة وما تصفه بـ”الاستكبار العالمي”، وصولًا إلى إقامة دولة العدل الإلهي.
ورأى أن هذا البعد العقائدي يجعل عملية نزع السلاح أكثر تعقيدًا، لأن الحكومة لا تتعامل فقط مع تشكيلات مسلحة، وإنما مع قناعات فكرية ودينية راسخة لدى قطاعات من عناصرها وقياداتها.
ولفت فيصل إلى أن نحو سبعة فصائل أو أكثر دخلت، وفق توصيف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ضمن تنظيمات تصنفها واشنطن باعتبارها إرهابية، الأمر الذي يضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة في إطار الحرب على الإرهاب، فضلًا عن تعقيدات العلاقة مع المنظومة الدولية وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالتنظيمات الإرهابية.
معضلة متعددة الأبعاد
وأوضح أن المجتمع الدولي سبق أن وضع معايير للتعامل مع التنظيمات المصنفة إرهابية، مثل “داعش” و”القاعدة”، مشيرًا إلى أن التشابه في البنية العقائدية بين عدد من الفصائل الإسلامية المسلحة، رغم اختلاف مواقعها الجغرافية وأهدافها التفصيلية، يمثل عاملًا إضافيًا في تعقيد الجهود الرامية إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة.
وشدد مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية على أن الحكومة العراقية تواجه بذلك معضلة متعددة الأبعاد، تجمع بين السلاح والتنظيم والعقيدة والارتباطات الإقليمية، وهو ما يجعل حسم ملف الفصائل المسلحة يتطلب معالجة سياسية وأمنية وفكرية متزامنة، وليس مجرد قرار يتعلق بتسليم الأسلحة.