يواجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ضغوطًا سياسية متزايدة بشأن مستقبل الحكم في البلاد، في ظل استمرار الحرب مع روسيا وتصاعد الجدل حول إجراء انتخابات رئاسية، وسط معادلة معقدة بين الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية واستعادة الحياة الديمقراطية.
وأعاد وزير الدفاع الأوكراني السابق ميخايلو فيدوروف إشعال النقاش، بعدما دعا إلى إيجاد آلية قانونية وآمنة وواقعية تسمح لأوكرانيا باستئناف العملية الديمقراطية، حتى في ظل استمرار الحرب.
الانتخابات في قلب الأزمة
وتأتي الدعوات في وقت لا تزال فيه أوكرانيا خاضعة للأحكام العرفية، التي تحول دون إجراء الانتخابات في ظل الظروف الحالية، فيما انتهت ولاية زيلينسكي رسميًا في مايو/أيار 2024.
ويبرر المسؤولون الأوكرانيون استمرار الوضع القائم بضرورة مواصلة إدارة البلاد خلال الحرب، بينما يرى منتقدون أن استمرار القتال لفترة طويلة يفتح نقاشًا أكثر تعقيدًا حول المدة التي يمكن خلالها تعليق الانتخابات.
وتواجه أي عملية انتخابية خلال الحرب تحديات أمنية ولوجستية كبيرة، بدءًا من حماية الناخبين ومراكز الاقتراع، وصولًا إلى ضمان مشاركة الجنود المنتشرين على خطوط المواجهة والأوكرانيين الذين غادروا البلاد، فضلًا عن سكان المناطق القريبة من ساحات القتال.
دعوة فيدوروف تشعل الخلاف السياسي
وقال فيدوروف، في خطاب مصور، إن روسيا لا ينبغي أن تكون قادرة على إبقاء الديمقراطية الأوكرانية رهينة للحرب، داعيًا إلى وضع ترتيبات تسمح باستعادة العملية السياسية بصورة كاملة.
وأثارت تصريحاته انتقادات داخلية، إذ يرى معارضو إجراء الانتخابات حاليًا أن الظروف الأمنية لا تسمح بضمان عملية انتخابية حرة ونزيهة، وقد تؤدي نتائج انتخابات تُجرى وسط الحرب إلى إضعاف الشرعية السياسية بدلًا من تعزيزها.
كما يرى منتقدون أن طرح الانتخابات في الوقت الحالي قد يؤدي إلى زيادة الانقسامات داخل المجتمع الأوكراني، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التماسك في مواجهة روسيا.
خلافات داخل دائرة السلطة
وتأتي دعوة فيدوروف في ظل علاقة متوترة مع زيلينسكي، بعدما شغل عدة مناصب حكومية على مدار سنوات، كان آخرها وزارة الدفاع.
وارتبط اسمه باستراتيجية عسكرية جديدة اعتمدت بصورة أكبر على الطائرات المسيّرة، إلا أن خلافات داخل القيادة الأوكرانية أدت إلى إقالته من منصبه.
وأثارت إقالته احتجاجات وانتقادات، قبل أن يضطر زيلينسكي إلى التراجع عن بعض قراراته، لكن فيدوروف لم يعد إلى منصبه.
ويرى بعض المنتقدين أن انتقال فيدوروف من موقع المسؤول داخل السلطة إلى موقع المعارض قد يرتبط أيضًا بطموحات سياسية مستقبلية، خصوصًا مع بلوغه السن القانونية للترشح للرئاسة.
وتكشف استطلاعات الرأي عن وجود رغبة متزايدة لدى الأوكرانيين في تغيير القيادة السياسية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تأييدهم لإجراء انتخابات خلال استمرار الحرب.
وأظهر استطلاع أجراه معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع في يونيو/حزيران الماضي أن 67% من الأوكرانيين يرغبون في انتخاب رئيس جديد بعد انتهاء الحرب، مقارنة بـ23% في عام 2023.
في المقابل، أظهرت أحدث الاستطلاعات أن 15% فقط يؤيدون إجراء الانتخابات خلال الحرب، ما يعكس وجود فجوة واضحة بين الرغبة في التغيير السياسي وبين توقيت تحقيقه.
وفي الوقت نفسه، لا يزال زيلينسكي يحظى بمستوى ملحوظ من الثقة، إذ أظهرت دراسة حديثة أن نسبة الثقة به بلغت نحو 56% طالما استمرت الحرب، مقابل 63% لفيدوروف.
وتشير هذه النتائج إلى أن قطاعًا واسعًا من المجتمع الأوكراني يريد تغييرًا سياسيًا مستقبلًا، لكنه يرى أن الانتخابات ينبغي أن تأتي بعد توقف القتال.
منافسون محتملون يبتعدون عن المواجهة
ورغم وجود عدد من الشخصيات التي يمكن أن تنافس زيلينسكي في أي انتخابات مستقبلية، فإن أبرز الأسماء المحتملة لم تدخل في مواجهة انتخابية مباشرة معه في الوقت الحالي.
ومن بين هذه الشخصيات الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو، ورئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو، والقائد السابق للجيش والسفير لدى لندن فاليري زالوجني.
ويبدو أن القوى السياسية الرئيسية تدرك حساسية فتح معركة انتخابية واسعة خلال الحرب، وما قد يترتب عليها من انقسامات داخلية يمكن أن تؤثر في الجبهة الأوكرانية.
ضغوط أمريكية على كييف
ولا تقتصر قضية الانتخابات على الداخل الأوكراني، إذ تعرضت كييف لضغوط خارجية بشأن استئناف العملية الديمقراطية.
وكان البيت الأبيض قد ألمح في وقت سابق إلى أن الحرب لا ينبغي أن تكون ذريعة دائمة لتأجيل الانتخابات، فيما قال زيلينسكي إن أوكرانيا يمكن أن تكون مستعدة لإجراء انتخابات خلال فترة قصيرة إذا حصلت على ضمانات أمنية من حلفائها.
لكن استمرار الحرب وغياب وقف إطلاق النار يجعلان تنفيذ هذه الخطوة أمرًا شديد الصعوبة في الوقت الراهن.
الفساد يضعف موقف زيلينسكي
ويواجه الرئيس الأوكراني تحديات سياسية أخرى، من بينها سلسلة من قضايا الفساد التي طالت مسؤولين وشخصيات مقربة من دوائر السلطة.
كما تعرض زيلينسكي لانتقادات بسبب تركيز السلطة وتقليص مساحة مشاركة خصومه السياسيين، إضافة إلى الجدل الذي أثارته محاولات سابقة لإعادة تنظيم عمل هيئات مكافحة الفساد.
وأجبرت الاحتجاجات والضغوط السياسية زيلينسكي في وقت سابق على التراجع عن بعض الإجراءات المتعلقة بهذه الهيئات، فيما كشفت تحقيقات لاحقة عن تورط مسؤولين كبار في قضايا فساد.
وتجددت الضغوط مع ظهور تقارير عن تحقيقات جديدة طالت مسؤولين في دوائر الرئاسة، ما زاد من حدة النقاش حول أداء الحكومة وآليات المساءلة.
معادلة صعبة أمام الرئيس
ورغم الضغوط المتزايدة، لا يزال زيلينسكي الرئيس الشرعي للبلاد في ظل استمرار الأحكام العرفية، كما أن إجراء الانتخابات في الظروف الحالية يواجه عقبات دستورية وأمنية ولوجستية كبيرة.
لكن استمرار الحرب لسنوات إضافية قد يجعل المعضلة أكثر تعقيدًا، إذ سيزداد التساؤل حول المدة التي يمكن خلالها تعليق الانتخابات، وما إذا كان استمرار الحرب يمكن أن يتحول إلى مبرر مفتوح لتأجيل التغيير السياسي.
وتضع هذه التطورات زيلينسكي أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على وحدة أوكرانيا في مواجهة روسيا من جهة، والاستجابة للمطالب المتزايدة باستعادة المسار الديمقراطي من جهة أخرى.
ومع استمرار الحرب وعدم وضوح موعد وقف إطلاق النار، تبدو قضية الانتخابات مرشحة للتحول إلى أحد أبرز الملفات التي ستحدد مستقبل النظام السياسي الأوكراني، وتكشف في الوقت نفسه مدى قدرة زيلينسكي على الحفاظ على موقعه السياسي في المرحلة المقبلة.