دخل ملف حصر السلاح بيد الدولة في العراق مرحلة أكثر تعقيدًا، بعد رفض الولايات المتحدة مقترحًا قدمته فصائل مسلحة يقضي بالاكتفاء بتجميد عملياتها، في وقت تكثف فيه الحكومة العراقية وقوى سياسية داخل الإطار التنسيقي اتصالاتها مع الفصائل للتوصل إلى صيغة تحول دون التصعيد وتحافظ على الاستقرار الداخلي.
وقالت مصادر خاصة إن المبعوث الأمريكي إلى العراق توم براك أبلغ رئيس الوزراء علي فالح الزيدي رفض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقترح الفصائل، مؤكدًا تمسك واشنطن بمسار واضح يفضي إلى وضع السلاح تحت سلطة الحكومة العراقية وحصره بيد الدولة.
وبحسب المصادر، نقل براك الموقف الأمريكي إلى الزيدي، بالتزامن مع استمرار اللجنة الثلاثية التي تضم هادي العامري ونوري المالكي ومحمد شياع السوداني في حوار غير معلن مع عدد من الفصائل المسلحة، لبحث آليات إنهاء العمل المسلح والتوصل إلى تسوية سياسية وأمنية للملف.
وتؤكد الحكومة العراقية أنه بحلول 30 سبتمبر/أيلول المقبل، مع انتهاء الوجود العسكري للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، لن يكون هناك سلاح خارج إطار الدولة.
ويتركز الخلاف الحالي على آلية تنفيذ حصر السلاح وتوقيتها والضمانات التي تطلبها الفصائل، وليس فقط على مبدأ حصره بيد الدولة.
وكانت الفصائل قد طرحت تجميد عملياتها المسلحة، وعدم استخدام السلاح داخل العراق أو خارجه، مقابل عدم تسليمه بشكل فوري، إلا أن واشنطن رفضت هذا الطرح، معتبرة أن التجميد لا يحقق الهدف النهائي المتمثل في إخضاع السلاح لسلطة الدولة.
وترى الفصائل أن نزع السلاح قد يصب في مصلحة الولايات المتحدة، بينما تعتبر الحكومة والقوى السياسية الداعمة لمسار حصر السلاح أن إنهاء المظاهر المسلحة خارج مؤسسات الدولة يمثل خطوة أساسية لترسيخ السيادة والاستقرار.
وتسعى اللجنة الثلاثية إلى إدارة الملف سياسيًا وأمنيًا بما يمنع تحول الخلاف إلى مواجهة داخلية، مع بحث وقف استخدام السلاح، ومنع أي عمليات تستهدف دول الجوار أو المصالح الأجنبية، إلى جانب دراسة مستقبل الفصائل وإمكانية انتقالها بصورة أكبر إلى العمل السياسي.
تحرك إيراني
يتزامن التصعيد السياسي حول ملف السلاح مع تحركات واتصالات إيرانية مع قوى عراقية وفصائل مسلحة شيعية مدعومة من الحرس الثوري، في مؤشر على أن الملف يتجاوز الحسابات الداخلية للعراق.
وعقد الإطار التنسيقي اجتماعًا مع رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد يوم 19 أغسطس/آب، قبل وصول وفد إيراني برئاسة محسن قمي، المرتبط بمكتب المرشد الإيراني، إلى العاصمة العراقية ولقائه عددًا من القوى السياسية.
وتنظر أوساط سياسية إلى هذه الاتصالات باعتبارها جزءًا من ترتيبات إقليمية أوسع تتعلق بمستقبل النفوذ الإيراني في العراق، وحجم الوجود والنفوذ الأمريكي، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وفي هذا السياق، تبرز أمام الحكومة العراقية إمكانية إعادة هيكلة الحشد الشعبي باعتبارها أحد المسارات التي قد تسمح بمعالجة ملف السلاح دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الفصائل.
وتشير معلومات إلى أن إعادة تنظيم تشكيلات الحشد وإخضاعها بدرجة أكبر للقيادة العسكرية الرسمية يمكن أن تحقق جزءًا من المطالب الأمريكية، من دون اللجوء إلى عملية مباشرة لنزع السلاح.
كما يمكن أن تشكل الضغوط المالية الأمريكية غطاءً سياسيًا للحكومة للتحرك باتجاه إصلاح مؤسسات الحشد، خصوصًا إذا ارتبطت هذه الخطوات بتعزيز الانضباط العسكري وتوحيد سلسلة القيادة.
ومن بين الأفكار المطروحة الاستعانة بضباط مهنيين من الجيش العراقي وجهاز مكافحة الإرهاب لتولي مواقع قيادية في مؤسسات الحشد، بما يعزز الطابع المؤسسي ويحد من استقلالية بعض الفصائل.
غير أن هذا المسار يواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في مدى استعداد قادة الفصائل لقبول إعادة هيكلة قد تؤدي إلى تقليص نفوذهم العسكري والسياسي.
وتشير مواقف بعض قادة الفصائل إلى وجود استعداد للتهدئة، لكن من دون استعداد واضح لتسليم السلاح بشكل فوري، مع طرح أفكار للإبقاء على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة باعتبارها جزءًا من معادلة الردع.
وفي المقابل، تتحرك داخل الإطار التنسيقي أفكار تقوم على التوافق بشأن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، مع استمرار التفاوض حول آليات التنفيذ وتوقيته، ومواصلة اللجنة الثلاثية جهودها لمساعدة رئيس الوزراء في إدارة الملف.
كما تشمل المقترحات إنهاء العمل المسلح والتهديد الداخلي أو الخارجي، ومنع استخدام السلاح ضد أي طرف، والحفاظ على الاستقرار الأمني والسياسي، إلى جانب بحث تحول الفصائل إلى قوى سياسية تشارك في العملية السياسية بدلًا من العمل المسلح.
ويرى الباحث في الشؤون السياسية علاء جاسم النوري أن الرفض الأمريكي لمقترح تجميد العمليات يعود إلى أن واشنطن لا تعتبر وقف الهجمات حلًا نهائيًا، إذ قد يسمح للفصائل بإعادة استخدام السلاح مستقبلًا، كما يبقي هياكل عسكرية وأمنية خارج السيطرة المباشرة للدولة.
ويضيف أن واشنطن تبدو أكثر اهتمامًا بإعادة تعريف العلاقة بين الفصائل والدولة، وليس مجرد التوصل إلى هدنة مؤقتة، بينما تحاول بغداد الوصول إلى صيغة تدريجية تبدأ بوقف العمليات المسلحة، ثم دمج أو إعادة تنظيم القوى المسلحة داخل المؤسسات الرسمية، وصولًا إلى إنهاء أي قدرة مستقلة على اتخاذ قرار الحرب والسلم.
ويرى الخبير في شؤون الجماعات المسلحة أحمد نزار البطاط أن الجدل بشأن السلاح في العراق يرتبط بسياق إقليمي أوسع يتعلق بإعادة ترتيب وضع الجماعات المسلحة المدعومة من إيران في المنطقة.
ويشير إلى أن الفصائل العراقية تواجه ضغوطًا متزايدة للانتقال إلى نموذج سياسي وأمني أكثر ارتباطًا بمؤسسات الدولة، بالتزامن مع مساعي واشنطن لتقليص قدرة الجماعات المسلحة على استهداف القوات والمصالح الأمريكية أو حلفائها في العراق والمنطقة.
ويعتبر البطاط أن الفصائل ترى أن التخلي عن السلاح قبل تحقيق شروط السيادة التي تطالب بها قد يجعلها أكثر عرضة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، وهو ما يفسر تمسكها بربط أي اتفاق نهائي بشأن السلاح بانسحاب القوات الأجنبية وتعزيز القدرات الدفاعية العراقية.
السيناريوهات المقبلة
ويضع البطاط ثلاثة سيناريوهات رئيسية أمام الحكومة العراقية في المرحلة المقبلة.
الأول، تسوية تدريجية تبدأ بوقف العمليات المسلحة والتهدئة، ثم إعادة هيكلة الفصائل ودمجها بصورة أكبر داخل المؤسسات الرسمية، مع تأجيل قضية التسليم الكامل للسلاح إلى مرحلة لاحقة.
والثاني، استمرار المماطلة والتفاوض، بحيث تحتفظ الفصائل بسلاحها مع الالتزام بعدم استخدامه، بينما تواصل الحكومة مباحثاتها مع واشنطن وطهران للوصول إلى صيغة مقبولة لمختلف الأطراف.
أما السيناريو الثالث، فهو التصعيد في حال فشل المفاوضات أو استمرار الضغوط الأمريكية باتجاه نزع السلاح، وهو الأكثر خطورة على الحكومة العراقية، إذ قد يحول الخلاف السياسي إلى مواجهة أمنية ويعيد العراق إلى دائرة التصعيد الإقليمي.