بث تجريبي

محمد صابر يكتب: من “قسد” إلى الدولة.. كيف حول مظلوم عبدي البندقية إلى مكسب سياسي تاريخي للكرد

في الحادي والعشرين من أغسطس المنقضي، وخلال الاحتفال بمرور مئة عام على تأسيس مدينة القامشلي، أعلن "مظلوم عبدي" إنجازًا يوصف بالتاريخي، متمثلًا في اكتمال دمج قوات سوريا الديمقراطية عسكريًا وأمنيًا وإداريًا في مؤسسات الدولة السورية، مع تأكيده أن نضال الحركة الكردية سيستمر حتى تُكتب حقوق الكرد في الدستور. وبعد أربعة أيام، في مؤتمر صحفي بقصر الشعب، أعلن "عبدي" طي صفحة "قسد" كقوة عسكرية مستقلة، منتقلًا إلى ما وصفه بمرحلة البناء السياسي، وقد جاء هذا الإنجاز ثمرة مسار طويل من التفاوض المتزن قاده "عبدي" بحنكة منذ اتفاق العاشر من مارس 2025 مع الرئيس "أحمد الشرع" في دمشق، مرورًا بالمرسوم الرئاسي رقم 13 الصادر في السادس عشر من يناير 2026 والاتفاق الشامل الموقّع بعده بأيام قليلة، وصولًا إلى تفاهمات دقيقة حول الملف القضائي في القامشلي ومستقبل عناصر جهاز "الأسايش" داخل وزارة الداخلية.

ويمثل هذا المسار نجاحًا نادرًا يُحسب لقيادة "قسد" بامتلاكها البصيرة السياسية اللازمة لتحويل تضحيات سنوات الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية إلى اعتراف رسمي دائم بالوجود الكردي داخل الدولة السورية الجديدة، بدل استنزاف هذا الرصيد في مواجهة كانت ستكون كلفتها باهظة على الجميع. ويكتسب توقيت الإعلان دلالة إضافية، إذ جاء رغم ضغوط تركية متصاعدة عبر عنها وزير الخارجية "هاكان فيدان" في ديسمبر 2025، وهو ما يعكس قدرة القيادة الكردية على إدارة ملف بالغ التعقيد بثبات وصبر استراتيجي، حافظ في الوقت نفسه على تماسك مناطق شمال وشرق سوريا واستقرارها.

تأسيسًا على ما سبق، تسعى هذه الدراسة إلى تحليل ثلاثة مستويات مترابطة، أولها كيف أدارت قيادة "عبدي" التحول من القوة الميدانية إلى الفعل السياسي بحكمة مكّنتها من انتزاع مكاسب راسخة دون إراقة دماء إضافية؛ وثانيها البنية العسكرية الجديدة التي كرست حضور القيادات الكردية للمرة الأولى داخل الجيش السوري الموحد، وما تحمله من ضمانات فعلية لاستمرار هذا التمثيل؛ وثالثها المسار الدستوري الذي تخوضه القوى الكردية بثقة متصاعدة لترسيخ ما تحقق، انطلاقًا من موقع تفاوضي معزز لا من موقع ضعف.

حنكة تفاوضية:

دخل "مظلوم عبدي" مرحلة ما بعد سقوط نظام "الأسد" وهو يملك أوراقًا نادرًا ما توفرت لقائد كردي في تاريخ المنطقة، على رأسها قوة مقاتلة تضم عشرات الآلاف من العناصر المدرَّبين والمجرَّبين في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب التحالف الدولي، وسيطرة فعلية على ما يقارب ربع مساحة سوريا شرق الفرات تشمل معظم حقول النفط والغاز ومعبر "سيمالكا" الحدودي الحيوي مع إقليم كردستان العراق، إضافة إلى إشراف مباشر على ملف سجون ومخيمات تنظيم الدولة الذي يمنحه ثقلًا تفاوضيًا مباشرًا لدى واشنطن وشركائها الدوليين. وقد أصاب "عبدي" في توظيفه هذه الأوراق بذكاء، مدركًا أنها تمنحه مقعدًا ندّيًا على طاولة التفاوض أكثر مما تمنحه انتصارًا عسكريًا حاسمًا يفرض به تصورًا انفصاليًا يصعب الدفاع عنه إقليميًا ودوليًا.

واختار "عبدي" مسار التفاوض المتدرج، انطلاقًا من قراءة دقيقة للموازين الداخلية والإقليمية والدولية معًا، فعلى الصعيد الداخلي، حرصت قيادته على تمثيل التنوع الفعلي لمناطق شرق الفرات التي تضم مكونات عربية وسريانية إلى جانب الأغلبية الكردية، مفضلة بناء توافق وطني جامع على المجازفة بمشروع قد يصطدم بحساسيات محلية. وعلى الصعيد الإقليمي، أدرك "عبدي" حدود الموقف التركي الرافض لأي كيان مسلح ذاتي الحكم على حدوده الجنوبية، فاختار تفويت الذريعة على من يبحث عن تبرير للتصعيد العسكري. وعلى الصعيد الدولي، استثمر "عبدي" جيدًا في الوساطة الأمريكية التي مثلها المبعوث "توم باراك"، محولًا إياها إلى ضمانة إضافية لحماية مسار التفاوض من الانهيار.

وتعكس مقاربة "عبدي" القائمة نضجًا سياسيًا استوعب دروس تجارب كردية سابقة دفعت ثمنًا باهظًا لمراهنتها على المواجهة المباشرة، وأبرزها استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق عام 2017 الذي انتهى بخسارة كركوك خلال أيام. كما اختار "عبدي" بدلًا من ذلك خطابًا يقدم اندماج قسد بوصفه إسهامًا فاعلًا من الكرد في بناء سوريا جديدة، بما يحفظ لحركته موقع الشريك المؤسس، ويمنحها رصيدًا أخلاقيًا وسياسيًا متجددًا لمواصلة المطالبة بالضمانات الدستورية اللاحقة.

وبهذه المقاربة، نجح "عبدي" في تحويل رصيد السلاح الميداني الذي راكمته "قسد" خلال سنوات الحرب إلى مكاسب سياسية وقانونية غير مسبوقة، تمثلت في اعتراف رسمي بالوجود الكردي داخل وثيقة رئاسية موقعة وفي مواقع قيادية حقيقية للضباط الكرد داخل الجيش السوري الموحد. وقد أثبتت هذه المقايضة حتى الآن قوتها، إذ حققت للحركة الكردية ما عجزت عنه مقاربات المواجهة في تجارب إقليمية أخرى، ووضعتها في موقع الشريك المعترف به لا الخصم.

تكريس التمثيل الكردي:

نص اتفاق التاسع والعشرين من يناير 2026 على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من عناصر "قسد" السابقين في محافظة الحسكة تتبع الفرقة 60 التابعة للفيلق الثاني في الجيش السوري، إلى جانب لواء رابع خاص بقوات كوباني (عين العرب) يرتبط تنظيميًا بمحافظة حلب، في صيغة ترسخ للمرة الأولى في التاريخ العسكري السوري الحديث حضورًا كرديًا قياديًا معترفًا به رسميًا. ويمكن رصد أبعاد هذا الإنجاز عبر ثلاث نقاط:

(١) قيادات كردية في قلب المؤسسة العسكرية الوطنية: تولى العميد "حجي محمد" المعروف بـ"جيا كوباني"، أحد أبرز القادة الميدانيين في "قسد"، مواقع قيادية متصاعدة تعكس ثقة حقيقية من المؤسسة العسكرية السورية بكفاءته القتالية والتنظيمية، فقد عُين في مارس 2026 معاونًا لقائد الفرقة 60، ثم رُقي في أغسطس من العام نفسه معاونًا لقائد الفيلق الثاني الذي يضم أربع فرق منتشرة في شمال سوريا وشمالها الشرقي. ويمثل هذا المسار الوظيفي سابقة مهمة تمنح القيادات الكردية موقعًا فعليًا ومؤثرًا داخل التراتبية العسكرية للدولة السورية الموحدة، بما يجعل تمثيلها لا يقتصر على الشكل بل يمتد إلى مواقع القرار العملياتي.

(٢) اندماج منضبط يعكس تماسك المؤسسة الكردية: استوعبت الفرقة 60 نحو 4500 عنصر سابق في "قسد" موزعين على الألوية الثلاثة في الحسكة، خضعوا لدورات عسكرية في معاهد تدريب ومقار عسكرية بريف دمشق قبل انتشارهم في القامشلي والحسكة وديريك وكوباني. وقد سارت عملية الدمج بدرجة عالية من الانسيابية بشهادة قادة وأفراد من الجانبين، وهو ما يعكس مدى الانضباط المؤسسي الذي تحلّت به قوات "قسد" طوال المرحلة الانتقالية، فيما واصلت القوات المندمجة تقاضي رواتبها دون انقطاع، وتواصل القيادة الكردية – من موقع الشريك الفاعل لا الطرف المتلقي – متابعة ملف مستقبل عنصر المرأة المقاتلة ضمن الهيكل العسكري الجديد، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لتجربة نسائية رائدة أثبتت جدارتها ميدانيًا طوال سنوات الحرب على تنظيم الدولة.

(٣) الأسايش نموذجًا لمؤسسة أمنية مؤهلة للاندماج: رُشح نحو تسعة آلاف عنصر من قوات "الأسايش"، بينهم نحو ألف امرأة، للانضمام إلى وزارة الداخلية السورية، عبر مقابلات فردية ومراجعات أمنية بدأت في يونيو 2026. ويعكس هذا العدد الكبير من العناصر المؤهلين حجم الكفاءة المؤسسية التي بنتها الإدارة الذاتية على مدى سنوات في إدارة الأمن الداخلي بمناطقها، وهي كفاءة تسعى الدولة السورية اليوم إلى الاستفادة منها بدل تفكيكها، بعد أن أثبتت "الأسايش" قدرتها على حفظ الاستقرار النسبي في شمال شرق سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية الأصعب.

وتمثل صيغة الألوية الأربعة، بقياداتها الكردية المعروفة وتمركز عناصرها في مناطقها الأصلية كالحسكة وكوباني، ضمانة عملية لبقاء حضور تنظيمي كردي واضح داخل الجيش السوري الموحد، لا مجرد رمزية عابرة. وتمنح هذه الصيغة القيادة الكردية أساسًا متينًا تبني عليه لتعزيز هذا التمثيل مستقبلًا، خصوصًا مع استمرار وجود قنوات تواصل مباشرة وفاعلة بين هذه القيادات ومؤسسة الرئاسة ووزارة الدفاع في دمشق، بما يبقي ملف الخصوصية الكردية حاضرًا في صلب النقاش العسكري لا على هامشه.

حقوق راسخة:

شكّل المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الصادر في السادس عشر من يناير قبل يومين فقط من اتفاق وقف إطلاق النار الشامل، إنجازًا تاريخيًا غير مسبوق، كأول وثيقة رسمية تعترف بالمواطنين الكرد جزءًا أساسيًا وأصيلًا من الشعب السوري، وتلغي القوانين الاستثنائية المرتبطة بإحصاء عام 1962 الجائر في الحسكة الذي جرد عشرات الآلاف من جنسيتهم لعقود، وتمنح الجنسية لكل "مكتومي القيد" من أصول كردية، وتعتبر عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر في عموم البلاد. وقد استقبل الشارع الكردي هذا المرسوم بترحيب واسع بوصفه اعترافًا تاريخيًا لطالما ناضلت الحركة الكردية لانتزاعه من دولة سورية مركزية طالما أنكرت وجودها.

وقد أبدت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا حكمة سياسية إضافية حين قابلت هذا الإنجاز بموقف يجمع بين الترحيب والحرص معًا، مؤكدة في بيان رسمي أن الحقوق الدائمة تحتاج إلى ترسيخ دستوري لا يقتصر على مرسوم قابل للتعديل، ما يعكس نضجًا سياسيًا يستحق التقدير، إذ لا يكتفي بالمكسب الآني بل يواصل الدفع نحو تحصينه قانونيًا، مستندًا إلى موقع تفاوضي معزز بفضل الدور الذي أثبتته "قسد" ميدانيًا ومؤسسيًا طوال المرحلة الانتقالية، وإلى شبكة علاقات دولية داعمة راكمتها الحركة الكردية عبر سنوات الشراكة في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية.

وتخوض القوى الكردية اليوم استحقاق الدستور الدائم من موقع أقوى بكثير مما كانت عليه في أي لحظة سابقة من التاريخ السوري الحديث، فهي طرف مندمج رسميًا في مؤسسات الدولة، وممثَل عسكريًا في هيكل القيادة، ومعترف به دستوريًا بموجب مرسوم رئاسي موقع، وهي عناصر قوة تراكمية تمنح مطلبها بترسيخ هذه الحقوق في صلب الوثيقة الدستورية الدائمة زخمًا سياسيًا وأخلاقيًا يصعب تجاوزه، خصوصًا في ظل حرص الرئاسة السورية على تقديم نفسها كضامن لوحدة وطنية شاملة أمام المجتمع الدولي.

وتدرك القيادة الكردية جيدًا أهمية اليقظة السياسية في هذه المرحلة، مستحضرة أن سوريا شهدت في أبريل 2011 مرسومًا مشابهًا في ظاهره منح الجنسية لعشرات الآلاف من الكرد في الحسكة قبل أن يتعثر تطبيقه في ظروف مختلفة تمامًا سبقت اندلاع الحرب الأهلية. وتحويل هذا الدرس التاريخي إلى يقظة استباقية، لا إلى تشاؤم، هو تحديدًا ما يميز مقاربة القيادة الكردية اليوم، فهي تدفع بثبات ومن موقع قوة نحو ضمانات دستورية راسخة، مدركة أن الظروف الحالية، بما فيها اندماجها الفعلي في مؤسسات الدولة وتماسك تحالفاتها الدولية، تختلف جوهريًا عن سياق عام 2011.

وختامًا، يمثل إعلان "عبدي" في القامشلي إنجازًا سياسيًا حقيقيًا للحركة الكردية السورية، أثبتت من خلاله أنها قادرة على تحويل تضحيات سنوات الحرب إلى اعتراف رسمي دائم ومقاعد قيادية فعلية داخل مؤسسات الدولة الموحدة، دون أن تخسر شيئًا من نفوذها التنظيمي في مناطقها. ومع انتقال المعركة إلى الميدان الدستوري، تدخل القوى الكردية هذا الاستحقاق من موقع الشريك المعترف به لا من موقع طالب الحقوق المهمش، مسلحة بتجربة تفاوضية ناجحة وبثقل ميداني ومؤسسي متراكم، ما يجعل ترسيخ حقوقها في صلب الدستور السوري الدائم استحقاقًا مقبلًا أكثر منه احتمالًا مفتوحًا على الشك.

قد يهمك