يشهد العراق خلال الفترة الأخيرة تصاعداً مقلقاً في حالات انتحار الفتيات، وسط تحذيرات من تحول الظاهرة إلى أزمة مجتمعية تتطلب تدخلاً عاجلاً لمعالجة أسبابها النفسية والاجتماعية والاقتصادية.
وأكدت المفوضية العليا لحقوق الإنسان أن هذه الحالات لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حوادث فردية معزولة، بل بوصفها مؤشراً على مشكلات أعمق تستدعي دراسة شاملة ووضع حلول مستدامة تستهدف جذور الأزمة.
قضية إنسانية ومجتمعية
وقالت المدربة المعتمدة في المفوضية العليا لحقوق الإنسان نسرين عبدالعالي، في تصريح لموقع "روج نيوز"، إن انتحار الفتيات يمثل قضية إنسانية ومجتمعية معقدة تتداخل فيها عوامل متعددة، مشيرة إلى أن الأرقام والإحصاءات وحدها لا تعكس حجم المعاناة والتحديات التي تواجهها بعض الفتيات في حياتهن اليومية.
وأوضحت أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة، والتغيرات الاجتماعية المتسارعة، والمشكلات النفسية الناتجة عن ضعف الدعم أو صعوبة الوصول إلى الخدمات المتخصصة، تعد من أبرز العوامل التي تسهم في تفاقم الظاهرة.
وأضافت أن بعض الحالات ترتبط أيضاً بالنزاعات الأسرية المتكررة، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والزواج المبكر، والقيود المفروضة على فرص التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، ما ينعكس سلباً على الصحة النفسية للفتيات ويزيد من مشاعر العزلة والضغط.
تراكم الأزمات
وشددت عبدالعالي على أن تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية يخلق بيئة أكثر هشاشة، تجعل بعض الفتيات أكثر عرضة للتأثر بالأزمات الحادة، خاصة في ظل ضعف شبكات الدعم النفسي والاجتماعي وغياب التدخل المبكر.
وفي ما يتعلق بخدمات الصحة النفسية، دعت إلى توسيع نطاقها وتسهيل الوصول إليها، مؤكدة أن الوصمة الاجتماعية المرتبطة بطلب المساعدة النفسية ما تزال تحول دون حصول العديد من الفتيات على الدعم اللازم في الوقت المناسب.
كما لفتت إلى أن نقص الكوادر المتخصصة في مجال الصحة النفسية يمثل تحدياً إضافياً، ما يستوجب تعزيز الاستثمار في هذا القطاع وتطوير خدماته بما يتناسب مع احتياجات المجتمع.
ودعت إلى تعزيز خدمات الدعم النفسي داخل مراكز الرعاية الصحية والمؤسسات التعليمية، وتفعيل دور المرشدين النفسيين والاجتماعيين في المدارس والجامعات لرصد المشكلات مبكراً وتقديم المساندة اللازمة قبل تفاقمها.
أهمية إطلاق برامج للتمكين
وأكدت أهمية إطلاق برامج للتمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات، إلى جانب تعزيز دور وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني في نشر الوعي بقضايا الصحة النفسية وتشجيع ثقافة طلب المساعدة، بما يسهم في الحد من الوصمة الاجتماعية وكسر حاجز الصمت.
ويأتي هذا التحذير في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تبني سياسات أكثر فاعلية لحماية النساء والفتيات، ومعالجة العوامل التي تدفع بعضهن إلى الشعور بالعجز أو فقدان الأمل، وسط مخاوف من اتساع نطاق الظاهرة ما لم تُتخذ إجراءات عملية لمعالجة أسبابها وتعزيز منظومة الحماية والدعم.